دم معدني

الأحد 2016/03/27
رسمة لأسعد فرزات

تسألني: كيفَ أتيت

تسألُني:كيفَ أتيت؟

كيفَ عرَفتُ طريقي؟

***

تسألُني: كيفَ أرشدَتني سَحابة؟

كيفَ اتَّبعتُ خُطى ظِلال؟

***

أُجيبُ:

آثارُ مخالبَ وأظلاف

نِقاطٌ دمٍ تخثَّرت على الحِجارة

أوصالُ أطفالٍ

قُطِّعت وأُلقيت

عِندَ المفارق

خلفَ هذا مضيت

بقدَمَينِ

عمياوَين.

تيبَّست أصابعي وجفَّ فمي

زمناً مكثتُ

تيبَّست أصابعي

وجفَّ فمي

أترقَّبُ صُعودَهُ درَجي.

***

جاءَني

ليسَ من بابٍ

وليسَ من نافذة

قلَبَ الطاولة

وحطَّمَ الكراسي

وارتمى في حُضني

كالزَوبعة.

يسُرُّني أنَّكَ قد أتحتَ لي الفُرصةَ

يسُرُّني أنَّكَ قد أتحتَ لي الفُرصةَ يسرُّني أنَّكَ قد أتحتَ لي الفُرصةَ لأُخبِرَكَ لماذا أُكابدُ كُلَّ هذا العناء كي أكون شاعرا أو فقط لأكتب هذه القصيدة

يسرُّني أنَّكَ قد أتحتَ لي الفُرصةَ

لأُخبِرَكَ لماذا أُكابدُ كُلَّ هذا العناء

كي أكونَ شاعراً

أو فقط لأكتُبَ هذهِ القصيدةَ

واسمح لي أن لا أُبيَّنَ لكَ

الفَرق.

***

وسوفَ بالمُقابلِ أجيبُكَ

بِما أظُنُّهُ سيُرضيكَ

وما كانَ باستطاعتي أن أُبرِّرَ بهِ

كُلَّ جرائمي

: (إنّي أفعلُ ذلكَ بدافعِ

الشَفقة

فلقد خُلِقَ الغِناءُ لمساعدةِ البشر).

***

لكنَّ هذا لا يزيدُ عن نِصفِ الحقيقةِ العاري

وهي تمضي بقدمَيها الداميتَين

على الطريقِ التي

يراها بها الجميع

ويسمعُها بها الجميع

ولا يُصدِّقُها أحد.

أُحِبُّ هذهِ الأغنية.. تنتهي بشهقة

(القصيدةُ التي أودعها رياض الصالح الحسين جيبَ

قميصِهِ، ووعدتُهُ أن أُبقيها له، ولا أنشُرَها أبداً!)

أُحِبُّ هذهِ الأغنية

تبدأُ بتنهيدةٍ ثم همهمة.

أُحِبُّ هذهِ الأغنية لاتعرِفُ من أينَ تأتي لا تعرِفُ إلى أينَ تذهب التي تنتهي بهَمهمةٍ ثم تَنهيدةٍ ثم شَهقة

***

أُحِبُّ هذهِ الأغنية

تأتي بشِفاهٍ زائغةٍ وعيونٍ مُغمَضة

وتذهبُ بعيونٍ زائغة

وشِفاهٍ مُغمَضة.

***

أُحِبُّ هذهِ الأغنية

لا تعرِفُ من أينَ تأتي

لا تعرِفُ إلى أينَ تذهب

التي تنتهي بهَمهمةٍ

ثم تَنهيدةٍ

ثم شَهقة.

بينما كُنتُ لا أفعلُ شيئاً

بينما كُنتُ لا أفعلُ شيئاً

رُحتُ أحاولُ كتابةَ هذهِ القصيدة

عن لا شيءَ أُفكِّرُ به

رُحتُ أكتبُ هذهِ القصيدة

لا شيءَ أماميَ على الطاولة

لا شيءَ في يدَيّ

لا شيءَ على حافَّةِ فمي.

***

بينما كُنتُ لا أفعلُ شيئاً

كانَ الليلُ يوشِكُ أن ينقضي

وكانت السماءُ

قد أضاءَ خدَّها الشرقي

دمٌ معدني

نعم.. أستطيعُ القول

دمٌ أحمرُ معدني.

***

بينما كُنتُ لا أفعلُ شيئاً

بينما كُنتُ لا أفعلُ شيئاً كانَ الليلُ يوشِكُ أن ينقضي وكانت السماءُ قد أضاءَ خدَّها الشرقي دمٌ معدني نعم.. أستطيعُ القول دمٌ أحمرُ معدني

سمِعتُ همهماتٍ غامضة

واصطفاقَ أجنحةٍ مُضطرِبة

وأنينَ أبوابٍ ثقيلةٍ

تُفتحُ وتُغلقُ.

***

كانَ هُناكَ بشرٌ

لمحتُهم ينسلّونَ بصمتٍ

فوقَ أرصفةِ العَتَمة

كأنَّهم يستعجِلونَ النهار

أو رُبَّما

يُريدونَ اللَحاقَ بالليل.

القَدَرُ الذي لم أُؤمن بهِ قَط

القدَرُ الذي لم أُؤمن بهِ قَط

هوَ من أشارَ إليّ بسبابتِهِ الحديدية

أن أُعيدَ تركيبَ الذَيلِ الصحيحِ

لهذهِ الكلماتِ اليائسة:

(إمّا أن أموتَ

وإمّا أن أكتُبَ

هذهِ القصيدة).

***

ولأنَّ لا أحدَ يأخذُ الشِعرَ

على حقيقتِهِ كجِنس

تكونُ تقدمتي

ديكاً ينتهي بذنَبِ ثُعبان

وأسداً له مِنقارُ نِسر

وثوراً بجَناحي مَلاك

ذلك أن خياريَ الوحيدَ

هو أن تكونَ كلماتي

عزاءَ أولئكَ الحمقى

الذين خسِروا كُلَّ شيء

القَدَرُ الذي لم أُؤمن بهِ قَط القدَرُ الذي لم أُؤمن بهِ قَط هوَ من أشارَ إليّ بسبابتِهِ الحديدية أن أُعيدَ تركيبَ الذَيلِ الصحيحِ

وهم يعاندونَ لأجلِ هذا الهباءِ ذاتِهِ:

(إمّا أن أحيا

وأكتُبَ هذهِ القصيدة

وإمّا أن أكتُبَ هذهِ القصيدةَ

وأموت)..

عَينا أليعازر

كانَ ميِّتاً كغيرِهِ منَ الموتى

الذينَ لم يتكتَّفوا

ولم ينزِلوا بأجسادِهم التعِبةِ

إلى القبرِ… بَعد.

***

كانَ ميِّتاً من أُولئكَ

الذينَ يفتحُ لهُم وَهجُ الصَباحِ

غَصباً عنهُم كوّاتِ أعيُنِهِم

ثمَّ يجِدونَ أنفُسَهم

يُؤرجِحونَ أقدامَهُم إلى هُنا وهُناك

لتدبيرِ غرضٍ ما

أو قضاءِ حاجة.

***

كانَ ميِّتاً كغيرِهِ منَ المُوتى

الذينَ لم يجِدوا ما يفعلونَهُ بحياتِهم

شيئاً أفضلَ من أن يتَّخِذوا امرأةً

ثمَّ يُنجِبوا أطفالاً

ثمَّ يقضوا على الباقي من أعمارِهِم

وهُم يلهثونَ خلفَ

لا يدرونَ ماذا؟

لا يدرونَ لِمَ؟

***

كانَ ميِّتاً من أولئكَ الذينَ يئسوا من عنادِهم

وهُم يشُدُّونَ حبلاً غليظاً

قالَ لهم آباؤهُم إن نِهايتَهُ

التي لم يرَها أحدٌ قَطّ

قد عُقِدت حولَ عُنقِ جبلٍ ثقيل

اسمُهُ السعادة

فطَووا صفَحاتِ أحلامِهم وأطماعِهم

واصطفُّوا في طابور

ينتظرونَ لا شيء.

كانَ ميِّتاً من أولئكَ الذينَ يئسوا من عنادِهم وهُم يشُدُّونَ حبلاً غليظاً قالَ لهم آباؤهُم إن نِهايتَهُ التي لم يرَها أحدٌ قَطّ قد عُقِدت حولَ عُنقِ جبلٍ ثقيل اسمُهُ السعادة

***

أو قولي كانَ ميِّتاً كبقيّةِ

الموتى

الموتى

الموتى

الذينَ توسَّدوا بأجسادِهمِ الباردة

أسِرَّةَ الموتِ المُغبرَّة

عندما كريحٍ لفحتِ قبرَه

عندما كعاصِفةٍ كسرتِ شاهِدتَهِ

وهدمتِ جُدرانَه

عندما كقَدَرٍ وطِئتِ جُثَّتَهُ

ودُستِ على أحشائه

عندما كقيامةٍ سقطت نُقطةٌ من رُضابِكِ

على صفحةِ خدِّه

وانسلَّت ببُطءٍ إلى زاويةِ فمِه

ثمَّ إلى رأسِ لِسانِه

ثمَّ إلى قلبِه

وفجأةً

فتَّحَ عينَيهِ ورآكِ

رآكِ بعينَيهِ العمياوَينِ الدفينَتين

اللتينِ رأتا كُلّ شيء

رآكِ بعَينيهِ الميِّتتينِ

اللتينِ رأتا تحتَ التراب

ما لم ترَهُ عَينا حَيّ

فأحسَّ في أعماقِهِ

من قاعِ موتِهِ

شيئاً ينتُش

شيئاً يتفتَّق

شيئاً يشُقُّ قِشرتَهِ

ويبزُغُ برأسِهِ وينبُت

ثمَّ رآهُ ينمو ويكبر

كعَمودٍ من دَم

كجِذعٍ من لحم

كنخلةٍ من شهوة

وراحَ يرمي ثِمارَهُ على

بطنِكِ.

***

أيُّ رُوحٍ أنتِ

أيُّ رَبّ

أحيَيتِه..

شاعر سوري

13