"دنكرك".. الموت وإرادة الحياة والسعي إلى النجاة

الأحد 2017/07/30
محاور الفيلم: الخطر والموت والنجاة

لا شك أن فيلم “دنكرك” أكبر من مجرد فيلم. إنه حدث كبير في تاريخ السينما، ليس بموضوعه الذي ربما لا يكون جديدا تماما، بل بصوره، بتفاصيله البصرية والصوتية، بشجاعة الإقدام على تجربة سينمائية تستعيد أمجاد الكلاسيكيات العظيمة في السينما، ففي عصر الكاميرا الرقمية ها هو المخرج البريطاني الموهوب كريستوفر نولان يهبط من التحليق في الخيال إلى أرض الواقع ولكن بجرأة الخيال، يعيد الاعتبار مجددا إلى الصورة بواسطة كاميرا الـ70 مم التي تخلق صورا لا يضاهيها شيء في نقائها وجمالها.

نولان أصر على تصوير فيلمه بهذه الكاميرات العملاقة لكي تتناسب مع الفضاءات الهائلة في البر والبحر والجو، التي أراد الإحاطة بتفاصيلها المذهلة مستعينا بمدير التصوير الهولندي العبقري “هويتي فان هويتيما” (بين النجوم “أنترستيلار”، سبكتر..)، كما أصر على الاستعانة بطائرات قديمة تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية واستخدامها في الفيلم، وكان يضع الكاميرا العملاقة داخل الطائرة أو يستخدم عدسات متصلة بأنبوب يتم إدخاله في قمرة القيادة. أعاد نولان أمجاد سينما الماضي أيضا برفضه الاستعانة بألاعيب وحيل برامج الكومبيوتر والاستعانة بأعداد كبيرة من الممثلين الثانويين.

ليس من الممكن اعتبار “دنكرك” فيلما حربيا من أفلام البطولة والشجاعة، فهو على النقيض تماما يدور في لحظة من تاريخ العسكرية البريطانية وصفت في ذلك الوقت بأنها أكبر هزيمة عرفها الجيش البريطاني في تاريخه. “دنكرك” ليس عن القتال والتضحيات والبطولات فليست هناك مشاهد للمعارك الكبرى التي لم تكن قد بدأت بعد، كما أننا لا نشاهد فيه الطرف الآخر الألماني الذي يشار إليه بـ”العدو”.

قائد عملية الإجلاء: كينيث برانا

بل نشاهد فقط آثار هجماته الشرسة على قوات الحلفاء التي تجمعت في دنكرك على بحر المانش وبلغ عددها 400 ألف جندي معظمهم من الجنود البريطانيين، تمهيدا للقيام بعملية انسحاب ضخمة من الشاطئ الفرنسي للمانش إلى الضفة البريطانية. وكانت قوات الحلفاء قد تعرضت للحصار بعد نجاح الألمان في اختراق الخطوط الفرنسية والاتجاه نحو الشاطئ للقضاء على القوات البريطانية التي أرسلها تشرشل مع قوات من بلجيكا وهولندا للتصدي لقوات هتلر.

الرغبة في النجاة

القصة معروفة وسبق تصويرها في السينما سواء في أفلام تسجيلية أو روائية. ولكن كريستوفر نولان ليس مهتما هنا بتفاصيل الموضوع من الزاوية العسكرية، فهو لا ينتقل أبدا إلى مقر العمليات في لندن أو دوفر، بل يتخذ من المادة التاريخية أساسا لبناء وتصوير عمل سينمائي ملمحي كبير، عن الرغبة في النجاة في زمن الحرب، عن الموت والعيش والمحاولات الفردية المستحيلة للبقاء، لإنقاذ ما يمكن، للتمكن من النجاة والعودة إلى الوطن.

هل يعدّ هذا الانسحاب انتصارا؟ بمقاييس العسكرية نعم، فالمحافظة على معظم القوات وإعادتها سليمة إلى أرض الوطن نجاح لا شك فيه، أما “النصر” فهو موضوع آخر مؤجل للمعارك التي ستنشب وتستمر خلال سنوات بعد ذلك.

لا تظهر في الفيلم قوات ألمانية، لكننا -كما أشرت- نشاهد قذائفها التي تنهال من الطائرات ورصاصاتها التي تخترق الدروع وجوانب السفن المصنوعة من الصلب، تصيب صدور ورؤوس الجنود، والطوربيدات التي تنطلق من الغواصات الألمانية الكامنة تحت الماء. نولان لم يكن هدفه تصوير معارك تدور بين الطرفين، فالطرف الثاني لا يعنيه كثيرا بل هو يختزله في “الخطر” أو “العدو”، بينما الموضوع الأساسي للفيلم هو “النجاة”.

محاور الفيلم

يقوم البناء الذي اختاره نولان لفيلمه على ثلاثة محاور: المحور الأول “الجدار” يدور في البر ويستغرق أسبوعا، أي على شاطئ دنكرك أثناء تجميع الجنود وترتيب نقلهم تدريجيا على ظهر السفن الصغيرة التي استعانت بها البحرية البريطانية بما فيها سفن الصيد واليخوت الخاصة والقوارب، وكل ما أمكن استخدامه، تفاديا لإغراق القطع البحرية الكبيرة التي تتعرض لنيران الطائرات وقذائف الغواصات كما نرى في أكثر من مشهد من أكبر المشاهد وأكثرها إقناعا في تاريخ السينما.

قصة السفن الصغيرة الخاصة التي تدور في البحر هي موضوع المحور الثاني “البحر” من الفيلم وتستغرق أحداثها يوما واحدا فقط. أما المحور الثالث “الجو” فهو يدور في الجو، ويستغرق ساعة واحدة، ويصوّر كيف تصدت ثلاث طائرات فقط من سلاح الجو البريطاني للطائرات الألمانية التي كانت تسعى لتخريب عملية الانسحاب وقتل أكبر عدد من جنود الحلفاء.

التلاعب بالزمن وبالمكان من سمات سينما نولان، وهو يلعب لعبته المفضلة هنا ببراعة كبيرة وتأثير هائل ربما لا يماثله سوى التأثير الكبير -البصري والموسيقي- لعدد من روائع السينما الصامتة “المدرعة بوتمكين”، “نابليون”، و”التعصب”، فـ”دنكرك” من هذه الزاوية، أحد أعظم الإنتاجات البصرية في تاريخ السينما. إنه ينتقل بين البر والبحر والجو، أي بين المحاور الثلاثة التي تدور في أماكن مختلفة وأزمنة مختلفة ببراعة وحنكة من خلال مونتاج دقيق حاد كالسيف، يحقق أقصى قدر من الترقب والإثارة والمتعة.

الفيلم بوجه عام، ليس من الأفلام التي يبرز فيها دور الممثل فهو أولا وأخيرا فيلم كريستوفر نولان.. أي فيلم مخرج طموح يريد إعادة كتابة تاريخ السينما

إنه يبدأ مشهدا دون أن ينهيه، بل ينتقل فجأة عن طريق القطع الحاد إلى مشهد آخر يدور على محور آخر ولكن دون أن يفقد في أيّ لحظة، السيطرة على إيقاع الفيلم أو يهمل التعامل مع شخصياته وأحداثه المختلفة المتعددة التي قدمها لنا من البداية، ودون أن يتوقف عن تطوير الحدث، وليس تكراره، بل تصويره من زاوية جديدة مع تطور جديد.

على الشاطئ نتابع في البداية الجندي الشاب اليافع “تومي” الذي لم يشترك في أيّ قتال من قبل، وهو يجد نفسه فجأة مطاردا مع مجموعة من زملائه الذين ينشدون النجاة والوصول بأيّ طريقة إلى الشاطئ. ينهال عليهم رصاص الألمان من وراء حواجز، يقتلون جميعا وينجو “تومي”.

ومنذ تلك اللحظة يصبح الشخصية الرئيسية التي سنتابع من خلالها ما يحدث في “الجدار” أي على الشاطئ.. كيف سيحاول التظاهر مع زميل له بأنهما من قوة الإسعاف فيحملان جريحا على محفّة لكي تكون لهما أولوية ركوب سفينة بريطانية على وشك الإبحار. لكنه لا يتمكن.. وتنفجر السفينة بعد برهة وتغرق ويصبح من الضروري إزاحتها قبل أن تسد مدخل المنطقة في البحر أمام الشاطئ.

أكثر من محنة

في البحر يستجيب صاحب يخت صغير، فيهرع مع ابنه الشاب وصديق لابنه، يفتقر للحكمة، يتوجه باليخت نحو دنكرك التي تبعد نحو 46 كيلومترا عن الشاطئ الإنكليزي. وفي الطريق يواجه الجميع أكثر من محنة وأكثر من اختبار، لكن نولان يقطع لينتقل إلى الجو، إلى الطيارين الثلاثة الشجعان الذين يواجهون ما لا قبل لهم به، فقد شاءت القيادة البريطانية ادّخار أسطولها الجوي محدود العدد وقتذاك. هنا سنشاهد جانبا من المعارك الجوية التي تدور بالمدافع الرشاشة من داخل الطائرات وبأجهزة توجيه يدوية بدائية، ونرى طائرة تسقط في البحر من وجهة نظر قائدها، كما نشاهد في واحد من أكثر المشاهد المروّعة في تاريخ السينما وأكثرها إقناعا سقوط طائرة ألمانية في البحر واشتعال النيران فيها ثم انفجارها قبل أن تلمس سطح الماء قرب تجمع للجنود البريطانيين الذين قفزوا من على ظهر سفينة كانت تحملهم للنجاة بأنفسهم ثم انتشار النيران على سطح الماء بفعل وقود الطائرة المشتعل، فتحترق جلودهم وتشوى أجسادهم.

نولان يريدك أن تشعر بكل تفصيلة من تفاصيل الحدث: صوت الطائرة وهي تصاب ثم وهي تهوي، ثم صوت الانفجار، الدخان الذي يتصاعد منها، ثم الحريق الهائل الذي ينشب، واحتراق وجوه العشرات من الجنود، ومن يسارعون لإنقاذهم وانتشالهم من وسط المياه المشتعلة ووضعهم فوق ظهر قارب.

إنه يصور الأفراد وهم يواجهون الموت، الخوف يعتريهم، وشبح الموت يحلّق فوق رؤوسهم، ينكمشون ويصرخون ويتشاجرون أحيانا مع بعضهم البعض داخل خزان في قاع سفينة، يتشككون في جندي يعتقدون أنه دسيسة عليهم، أي بعد أن فقد القدرة على الكلام، يصبحون محبوسين داخل الخزان المعدني لا يمكنهم فتح بابه، بينما يكون الرصاص المنهمر على الخزان قد أحدث ثقوبا عديدة في جدار الخزان، وبدأت مياه البحر تتسرب منه بقوة ثم أصبح منسوب المياه يرتفع تدريجيا إلى أن أغرقهم.

التطلع إلى النجاة بالعبور إلى الجانب الآخر

يمكنك هنا أن تشم رائحة الحريق والشواء والدخان، ويصم أذنيك صوت الانفجارات والرصاص المندفع دون توقف وهو يخترق الحديد. تسمع صوت البندقية يتم إعدادها للإطلاق في لحظات يأس مدمّر، وصوت أزيز الطائرات وهي تحلق في السماء. وتصبح الموسيقى مزيجا مرعبا من الأصوات الطبيعية المتداخلة بإيقاعات دقاتها الرتيبة المنذرة بالخطر.

لا يزيد الحوار المستخدم في الفيلم عن بضع صفحات وكثير من المشاهد صامتة. وتتيح كاميرا الـ70 مم (مع تقنية الإيماكس) وهي الأفضل منذ اختراع السينما حتى اليوم، أن نشاهد أدق التفاصيل ونشعر بها، وأن نصبح أيضا جزءا من الحدث، أي داخل الشاشة، وداخل الصورة، نرتجف مع ارتجافة الطيّار داخل الطائرة وهي تهوى نحو مصيرها، وتتقطع أنفاسنا معه وهو يحاول تحطيم سقف قمرة القيادة لينجو بعد أن استقر جسد الطائرة فوق صفحة مياه البحر ثم بدأ يغرق تدرجيا.

ملحمة الإنسان العادي

لا يروي فيلم “دنكرك” قصة درامية، وتغيب عنه الشخصيات النسائية وقصص الحب والزوجات والرفيقات اللاتي ينتظرن عودة الأحباء والنجاة من تلك المحنة المروعة، كما يغيب عنه الزعماء ورجال السياسة، ويصبح وجود القيادات العسكرية من الرتب الكبيرة محدودا تماما بل وهامشيا (دور كينيث برانا مثلا)، فلا توجد لقطة واحدة لتشرشل، كما لا نسمع حتى صوته ولا نراه في خطابه الشهير، فقد شاء كريستوفر نولان في لمحة شديدة الذكاء والمغزى، أن يكتفي بأن يجعل أحد الجنود يقرأ قرب نهاية الفيلم من صحيفة يومية ملقاة على رصيف محطة قطارات كلمات تشرشل التي يقول فيها مخاطبا الشعب البريطاني “لن نستسلم أبدا وسنحارب على الشواطئ.. وفي كل مكان”.

فنولان لا يروي قصة الحرب، ولا يحتفي بقوة شكيمة الزعماء، فاهتمامه الرئيسي هو الإنسان الفرد، الجندي المجهول الذي لا اسم له، وهو يواجه بشجاعة وخوف، وتردد ويأس، مأزق الحصار والموت المرتقب، وكيف تنتصر إرادة البقاء عنده، وهو ينجح في النجاة. ربما لا يعتبر نولان النجاة بطولة بل يعتبرها فعلا إنسانيا جديرا بالتحليل والتأمل، لدرجة أنه يجعلنا نسمع صوت لهاث أنفاس الجنود، ونرى ارتعاشات أجسادهم النحيلة، ولكنه يترك أمر الاحتفاء بالبطولة للمتفرج إذا أراد!

التمثيل جيد في الفيلم على جميع المستويات، وأسماء المشاهير من النجوم قليلة بل نادرة، وهو اختيار مقصود، فهناك أساسا كينيث برانا (في دور قائد عسكري بحري يشرف على عملية الإجلاء على شاطئ دنكرك)، ومارك ريلانس في دور صاحب اليخت المتطوع لإنقاذ من يمكن إنقاذهم، وتوم هاردي في دور الطيار الشجاع رغم أننا لا نرى وجهه جيدا، ولا نسمع ما يقوله بوضوح، فوجهه يختفي تحت قلنسوة الطيار وقناع الأوكسجين والميكروفون المتصل بفمه الذي يتخاطب من خلاله بهمهمات غير مفهومة تماما، لكنه يجيد التعبير بعينيه وحركات جسده ووجهه. والفيلم بوجه عام، ليس من الأفلام التي يبرز فيها دور الممثل فهو أولا وأخيرا فيلم كريستوفر نولان.. أي فيلم مخرج طموح يريد إعادة كتابة تاريخ السينما.

ناقد سينمائي من مصر

16