دنيا مسعود مصرية تمتع نفسها بالغناء قبل إمتاع الجمهور

السبت 2016/03/05
فنانة لا تستعجل الشهرة

القاهرة - تجربتها الموسيقية مختلفة وفريدة من نوعها، لونها الغنائي بسيط وبعيد عن الصخب والتكلف الموسيقي، فهي تعيدك إلى منبتك الأصلي، إلى البساطة والرقي في ذات الوقت، وترسم لك مخيلة رائعة عن الأصالة المصرية، هي الشابة المصرية دنيا مسعود التي حين تستمع لأغانيها تشعر بأنك في عالم آخر، حيث الكلمات التي تُلامس روحك وكل تفاصيل حياتك، تلك الأغاني جمعتها بنفسها في رحلة بحث قد تكون “وطنية” حيث كانت الفنانة الوحيدة التي قضت 3 سنوات من حياتها في البحث وتوثيق الشعر الشعبي والموسيقى الشعبية.

الفنانة المصرية دنيا مسعود قد لا تكون حصلت على حقها إعلاميا لكنها معروفة جدا في الوسط الثقافي، فلا يمكنك أن تذهب إلى إحدى حفلاتها وتجد مقعدا خاليا وستضطر إلى الوقوف أو ستجلس على الأرض لكنك لن تُغادر، فهذا الصوت “العذب” وهذه الأغاني الفلكلورية المصرية ستُجبرك على البقاء حتى ولو تعبت من الوقوف.

قوة صوت دنيا مسعود وتميزه وإتقانها لكل اللكنات المصرية وهي تغني، لم يكن السبب الوحيد لتأخذ تلك المكانة المميزة في أذهان كل من حضر لها حفلة، حيث تحولت حفلاتها إلى طقس ثابت منتظر بشغف، فطاقة دنيا مسعود على المسرح لا يستهان بها، وسماعها أمر، ومشاهدتها على المسرح أمر آخر تماما، حيث تجعلك تجلس على طرف مقعدك متربصا لكل حركاتها وجسدها الهش الضئيل، الذي تشبع موسيقى حتى تحول إلى آلة موسيقية أخرى يتحرك بانسيابية فطرية مع كل نوطة موسيقية، بالإضافة إلى تعبيرات وجهها التي تجسد كل كلمة تقوم بغنائها، في ظاهرة كانت تسميها دنيا نفسها “أورغازم” المسرح، لأنها كانت تستمتع قبلهم وخشبة المسرح تحت قدميها.

دنيا مسعود من مواليد الإسكندرية يوم الثاني من مايو 1979، درست المسرح في جامعة مصر بالإسكندرية، وانتقلت بعد تخرجها إلى القاهرة لتخوض حلم التمثيل والغناء، حيث انضمت إلى فرقة الورشة تحت إشراف الفنان حسن الجريتلي، فكانت بدايتها مع المسرح الذي كان عشقها الأول، وظهرت لأول مرة على مسرح الأوبرا كمغنية

عام 2001 مع فرقة شرقيات، من ثم أسست فرقة خاصة أسمتها “فيونكات دنيا”، وهنا كانت الانطلاقة الحقيقية في عالم الغناء بعدما خاضت تجربة فنية مقتضبة في عالم آخر وهو التمثيل.

دنيا مسعود وأحمد حلمي

“كريمة” اسم الشخصية التي جسدتها دنيا مسعود في فيلم “جعلتني مجرما” مع الفنان الكوميدي أحمد حلمي عام 2006، وهي الشخصية التي قدمتها للجمهور على أنها السكرتيرة الكوميدية غير الجذابة التي تسعى لايقاع البطل أحمد حلمي في غرامها ولكنها تفشل، نجحت الشخصية وعرفها الجمهور بها، بالرغم من مشاركتها قبل خمس سنوات في فيلم “خلي الدماغ صاحي” إلى جانب النجم مصطفى شعبان والراحل سامي العدل.

ويبدو أن نجاح دنيا في “جعلتني مجرما”، لم يكن كافيا لتقديمها أدوارا أكثر، فمنذ ذلك الحين وحتى الآن لم تقدم دنيا إلا دور رضوى في فيلم “في شقة مصر الجديدة”، بالإضافة إلى أدوار صغيرة في أعمال تليفزيونية منها مسلسل “أهل كايرو”، ومسلسل الرسوم المتحركة “مات نامسبوبة مصرية”، “مجنون ليلى”، ومسلسل “الست كوم” بجزأيه “العيادة”، و”حنان وحنين”.

دنيا فتاة من كوكب المسرح، تستشعر بتقدير رحلتها في توثيق الشعر والموسيقى الشعبية، وترى أن الغرض هو استخدام المواد الموسيقية القديمة والاستمتاع بها، من دون اهتمام بكتابة التاريخ وإنما بصناعته

إتقان اللهجات الغنائية

وبالعودة إلى الغناء، عُرفت دنيا كمطربة عن طريق مشروعها الموسيقي “أندرجرواند” لإحياء الأغنيات الفلكلورية ولكن بموسيقى جديدة، حيث اعتمدت على آلات الإيقاع والكولة، وبالفعل أحيت العديد من الحفلات في دار الأوبرا المصرية وساقية الصاوي في مصر وفي مدن أوروبية كمرسيليا وباريس وامستردام ومدن عربية عدة، غنت خلالها أغنياتها الفلكلورية، وأعادت جمهورها تواصله مـع الفلكلور الفلاحي والنوبي والإسكندري والبورسـعيدي والبدوي، فهي بارعة في النطق الشـفاهي لكل منطقة كأنهـا لهجتها، لتقدم دليلا علـى عمق ارتباطهـا بالمكان والبيئة والأشخاص، وتنوع آدائها في المساحة بين الـدلال والحـدة، وتعيد دنيا الأغنية الشـعبية كحالة من زخم المشاعر وطقس من الإيحاءات الصوتية، وتشـعر مستمعيها في أجواء أغانيها بالمسـحة الصوفيـة، كذلـك التمثيل الحركي في آدائها على المسرح، ونبـرات صوتها قـادرة على تحقيق البعد الدرامي.

دنيـا أدت ببراعـة التـراث النوبـي كأغنية “نعنـاع الجنينـة” بقـوة فـي أغلـب مناطق الأغنيـة لكـن مـع التبايـن بـين الـدلال والخوف والقلـق، كذلـك أغنيـة “التاجر اللي نزل السـوق” غنت فيها مسعود بنبـرة توحي بقوة المعرفة، وعبرت عن الغالي واليقين الذي يتماس مع الروحانية الصوفية للشـيخ أحمـد البرين، وأغنيـة “مش عيب عليكـي” التي تحتوي على إيقاع حيوي وقوة الأداء والنقد واللوم لهذه المرأة التي عشـقت على كبر، وتقول كلماتها: (مش عيب عليكى كبيرة السـن رجع قلبك يعشق ويحن مرت الولد منك ح تجن قصـة أيـوب يـا مـا جرا لأيوب علـى حكم الزمـن).

كذلـك تأخذنا دنيا بصوتهـا إلـى رنة الخلخـال والدلال الفلاحـي في أغنية “حـن ع القلـه ده الغريـب حن”، وتقـع تحت تأثيـر الكولة الحزينة وصوتها الدافئ في أغنية “شواشي الدرة” وبإيقاع راقص وبسحر خاص تغني “يا زايد في الحلاوة عن أهل حينا”، ومـن روائع دنيا أغنية “دنيا يا دنيا” حيث قوة الصوت تناسـب التحدي في الكلمـات، وتناولـت دنيـا أيضا الفلكلـور البورسـعيدي كمـا في أغاني “مسـكين قليبي العاشق”،”الحمام” و”آه ياللالـي”.

ومن الفلكلور الأسكندري غنت دنيا للفنانة بدرية السيد “من فوق شواشي الدرة”، وذهبت دنيا أكثر إلى منطقة بدرية السيد لكن بصوت حنين وجسدت كلمات قليلة على طريقتها، كما أن دنيا بارعة في فن الكف، وهو فن أسواني عبارة عن حلقة من الرجال والنساء يبدأون بالضرب على كفوفهم عوضا عن الدف، وهذا الفن يعتمد على “القوال” أو بمشاركة مغن آخر، لكن عندما تدخل دنيا هذا المعترك الغريب عنها فتدخل بأريحية وانسجام تام، تنشده وتتراقص فيه بصوتها فتجلس في حضرته مستمعا، وربما تجد يدك تتجه تلقائيا إلى التصفيق بالطريقة الأسوانية متفاعلا معها.

جسم دنيا تحول إلى آلة موسيقية أخرى تتحرك بانسيابية فطرية مع كل نوطة موسيقية، بالإضافة إلى تعبيرات وجهها التي تجسد كل كلمة تقوم بغنائها، في ظاهرة كانت تسميها دنيا نفسها "أورغازم" المسرح، لأنها كانت تستمتع قبلهم وخشبة المسرح تحت قدميها

لاشـك أن دنيا تقـوم بمجهـود كبيـر مـن البحث والدراسـة لإخـراج الأغنيـة ويظهـر بوضـوح تماهيها مع ما تقدمه، وعدم اعتمادها على الإبهار الموسـيقي التقنـي فـلا تصاحبهـا سـوى ثلاث آلات موسيقية، لكنها تشـعرك أنك تسمع ملحمة من الفلكلور مما يدخلها كرائدة في الغناء الطقسي، بلا شك دنيا مسعود وعناصر فرقتها فـي حالة عشـق لعملهـم ولفنهـم، وعلـى الأغلب يصنعون أعمالهم بأسلوب يشبه الورشة للتحـاور مـع التراث المصري، ويحسـب لها أنها مسـتقلة لا تسـتعجل الشـهرة ولا تنشـغل بما هو خـارج الإبـداع، إنما تقـوم بتأثيـر تراكمي سـتفرض وجودهـا بـه يومـا مـا.

فتاة من كوكب المسرح

أما عن اقتصار ظهور دنيا على الحفلات فقط وعدم خوضها تجربة الفيديو كليب، فكان بسبب عدم إيجادها مخرجا لديه فكرة مشوقة ليحول أغانيها إلى صورة ممتعة، ولسبب آخر هو استمتاعها بحفلات اللايف أكثر، وترى دنيا أن التلفزيون لم يعد الوسيلة الوحيدة للانتشار، حيث قالت في إحدى مقابلاتها الصحفية “يمكن لأي أحد أن يكون مشهورا لأي سبب غير لكونه فنانا من عدمه ومعظم الذين أعرفهم وعلى رأسهم أنا لا نملك تلفزيونا ونشاهد ما نريد اختياريا عبر الإنترنت”.

دنيا مسعود فتاة من كوكب المسرح، كما تقول دوما في مقابلاتها التلفزيونية، وتستشعر بتقدير رحلتها في توثيق الشعر والموسيقى الشعبية، فهي ترى أن الغرض لم يكن المبادرة بالتوثيق، وإنما استخدام المواد الموسيقية القديمة والاستمتاع بها، من دون اهتمام بكتابة التاريخ وإنما بصناعته ومن ثم يعنيها التقدير،عندما تحصل على ما قامت بالبحث عنه.

وتستاء دنيا من كلمة تقصير، كما تقول “لستُ ضحية تقصير من أي جهة”، محاولة ممارسة لعبة الفن وفقا لقواعد المتعة والجمال، لا وفقا لقواعد النجومية وما تريده الدولة أو يريده الجمهور، حيث قالت في مقابلتها التلفزيونية مع الإعلامي اللبناني زاهي وهبي “أنا لا ولم أبحث عن النجومية كما أنني لا ولم ولن أنتظر أي شيء من الدولة أو إعلامها، أنا فخورة بكوني من صناع ‘الأندرجراوند’وأنا أصر على ممارسة عملي بشغف واستمتاع”.

دنيا تعي تماما ما تريده من الفن الذي تُقدمه ولا تركض حول تحصيل مادي، مثلما قالت في المقابلة ذاتها مع وهبي “كل ما أطلبه منه هو أن يمنحني الفن الحد المعقول للمعيشه والاستمرار في ممارسته”.

وروت دنيا كيف استوحت فكرة جمع “التراث الموسيقي الشعبي”، فقالت “بعد أن امتنعت مؤسسات مثل مكتبة دار الأوبرا المصرية ومركز المصطبة للموسيقى الشعبية وما شابههما من مؤسسات حكومية وغير حكومية لدى مكتباتها الكثير من هذا الكنز عن تزويدي بهذه المادة وجدت أنه يجب أن أبحث عنها بنفسي”.

واجهت دنيا المصاعب في رحلتها التوثيقية وهذا ما أكدته خلال حديثها “لم يكن الحصول على تلك الكنوز في ذاك الوقت عبر الإنترنت بالأمر الشائع أو السهل فما كان من سبيل إلا أن أقوم بالبحث عنها بنفسي أو بمساعدة أصدقائي”.

دنيا مسعود تمارس لعبة الفن وفقا لقواعد المتعة والجمال

دنيا متهمة بالإلحاد!

أثارت دنيا مسعود في مثل هذه الأيام من العام الماضي 2015 جدلا واسعا، بعد نشرها على صفحتها الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، صورة لها وهي تجلس على أحد الشواطئ، وعلى ظهرها وشم كتبت به جملة “خصومة قلبي مع الله”، وهي الصورة التي فتحت عليها أبواب النقد والاستهجان من قبل عدد كبير من الجماهير، ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، حيث وجه لها البعض عبارات لاذعة، ولامها البعض الآخر على وضع هذا الوشم، وتساءلوا عن السبب وراء إقدامها على هذه العبارة المستفزة لمشاعر الناس، ووصل الانتقاد إلى مداه باتهام البعض لها بأنها ألحدت بهذه الجملة، فيما تعجب آخرون من قيامها بنقش هذا الوشم متعجبين، “كيف تختصم الله الذي خلقها؟”.

وبالبحث والتنقيب نجحت بعض الصحف في فك طلاسم الوشم، الذي نُقش على ظهر دنيا، فالجملة التي تضمنها موجودة في قصيدة “مراثي اليمامة”، وهى إحدى قصائد الشاعر الراحل أمل دنقل، والقصيدة عبارة عن مرثية على لسان اليمامة بنت كليب مليئة بالنواح والبكاء على مقتل والدها الملك غدرا، حيث تندب حظ والدها، وتعبر عن حزنها لمقتله غيلة وغدرا بأيدي أعدائه، وفي القصيدة تكررت عبارة “خصومة قلبي مع الله” 5 مرات.

تجاهلت دنيا الانتقادات والهجوم اللاذع لمدة سبعة أشهر، حتى ظهرت مع الإعلامي المصري محمود سعد أثناء استضافته لها في حلقة السبت 3 أكتوبر الماضي، من برنامجه “آخر النهار” التي صوّرها في باريس، حيث أفصحت أنها غضبت كثيرا من الهجوم عليها، معتبرة أن التعليق على وشمها ليس من حق أي شخص، وقالت “غضبت جدا من الهجوم علي، وأرفض أن يقوم أي شخص بطرح سؤال ليس من حقه”، وأشارت إلى أنها متعجبة من انتقال ذلك الهجوم إلى أغلب صحف الشرق الأوسط، لتعبر عن يأسها من تفاهة بعض الأقلام الصحافية.

ونفت دنيا مسعود لمحمود سعد إن كان وشمها المثير للجدل كان السبب وراء سفرها إلى العاصمة الفرنسية باريس، مؤكدة أنها استقرت فيها منذ عام 2012، وأكدت أنها وجدت التقدير خارج مصر مما وفر لها أسباب الحياة والاستمرار في عملها.

14