دنيا وفرح شخصيتان مسرحيتان ونص مسرحه عمان ودمشق

مازالت الكتابة المسرحية في سوريا خجولة، فالتغيرات التي تمر بها سوريا جعلت الكتابة تواجه صعوبات مختلفة على صعيد التقنية والمضمون، فنشأت ورشات العمل التي تهدف إلى إنتاج نصوص مسرحية مضبوطة ضمن معايير أكاديميّة سواء داخل سوريا أو خارجها، في محاولة لالتقاط ما هو جوهري في التغيير الذي تشهده سوريا.
الأربعاء 2015/05/06
مضر الحجي: البكاء الذي يشير إليه العنوان هو انفلات من القيود ودعوة إلى التحرر

صدر هذا العام للكاتب السوري الشاب مضر الحجي نص مسرحي بعنوان “عدما تبكي فرح”، النص صادر عن دار الفارابي في بيروت، بإشراف ماري إلياس التي كانت متابعة لعملية الكتابة وتكوين النص.

منذ العنوان نرى إرهاصا للحدث الذي تدور حوله المسرحية وهو فعل البكاء الذي تقوم به فرح، التي تحضر في العنوان وكذلك شخصية في النص، إضافة إلى أن لوحة الغلاف تشير إليها بوصفها من تصميم “الفنانة فرح”، المسرحية مقسمة إلى 11 مشهدا، دون التقسيم إلى فصول، وكل مشهد من هذه المشاهد يحكي جزءا من القصة، ويتخلله الصمت بصورة أقرب إلى التي نراها في نصوص هارولد بينتر.

المسرحية تضم خمس شخصيات، دنيا صديقة فرح التي تتعرف عليها هذه الأخيرة مصادفة في المظاهرة وتختبئ في منزلها، أحمد حبيب فرح الذي يريد الذهاب إلى الأردن، بالإضافة إلى الأب “والد فرح” والضابط الذي يحقق مع فرح ويساعد والدها على تهريبها، نلاحظ أن الأب والضابط يبقيان من دون أسماء، وكأنهما اختزال لجيل أو فئة.

ونلاحظ أن ما يميز كل شخصية عند التعريف بها في البداية هو العمر، بوصفه العلامة الأولى التي تدل على الشخصية، وكأننا أمام صراع أجيال واختلافات أدت الثورة في سوريا إلى إبرازها وجعلها محركا للأحداث، بالرغم من أننا نكتشف معلومات دقيقة وحميميّة عن دنيا وفرح أثناء الحوار في المسرحية، إلا أن اسم الأب والضابط يبقيان مجهولين، بوصفهما غير فاعلين ضمن الثورة، وكأن كل من يشارك في فعل التغيير يستحق أن نعرف اسمه، أما المحايدون ومن لا ينتمون إلى الحراك فأسماؤهم غير مهمّة.

النص يكثّف التغيرات الاجتماعية والسياسية التي تمر بها البلاد، لتبدو الحريّة التي تدعو إليها الثورة في سوريا بأنها لا تقتصر فقط على تغيير النظام السياسي، بل أيضا التحرر من القيود الاجتماعية والأبوية

الصدمة الأولى

تبدأ المسرحيّة بلقاء مفاجئ بين كل من دنيا وفرح في منزل دنيا حيث كانتا هاربتين من قوات الأمن إثر مشاركتهما في مظاهرة بدمشق لتنشأ بينهما صداقة غريبة، وتتحدث كل منهما عن أحلامها وتاريخها الشخصي، وتشرح لها فرح قصتها مع أحمد الذي يريد الفرار إلى الأردن ونيتها اللحاق به، تتتالى بعدها أحداث المسرحية حيث تهرب فرح للمرة الأولى إلى الأردن دون علم أبيها، لكن يلقى القبض عليها من قبل حرس الحدود وتخضع للتحقيق من قبل الضابط الذي يصفعها فتبكي لأول مرة في المسرحية.

تهرب بعدها فرح إلى الأردن مرة ثانية بمساعدة أبيها والضابط ذاته، ذلك بعد أن تخبر دنيا والد فرح أن ابنته مطلوبة للأمن في سوريا، هناك في الأردن تعيش مع حبيبها أحمد حيث تنشأ بينهما خلافات بسبب علاقته بأهله والقيود التي يفرضها عليها، وتبرز مشكلة الاختلافات الطائفية بينهما والتي تمنعهما من الزواج.

أحمد يرحل لزيارة أهله في حلب ويترك فرح في الأردن، حيث تقوم بزيارة إحدى القلاع التي زارتها أمها المتوفيّة وأبوها عند زواجهما، هناك تحاول التواصل مع دنيا عبر تسجيل صوتي، لكن دنيا لا ترد، فتترك لها فرح عددا من التسجيلات تعدها فيها بأنها ستعود إلى النحت، إذ أن فرح فنانة درست النحت، وقد اشترطت عليها دنيا العودة إلى النحت كي تتواصل معها عبر السكايب، إلا أن دنيا لم تردّ، حينها ساورت فرح الشكوك بأن دنيا اعتقلت من قبل الأمن.

كل مواجهة مع من يقف في وجه حرية فرح تؤدي بها إلى البكاء وكأنه انعتاق وتحرر وبوح بما يجول داخل النفس

تدور أحداث المسرحية في مدينتي دمشق وعمّان، ويشير النص دون التصريح بوضوح إلى مرور مدة زمنية لا يمكن تحديدها بين المشاهد، فأحيانا تبدو قصيرة وأحيانا طويلة، إلا أنّنا نلاحظ أن المشاهد دائما تمهد لفعل ما، كل مشهد يشير إلى حدث يساهم في سير الحبكة، دون مجانية الأفعال أو الثرثرة في الحوار، بحيث بدا مضبوطا، تتخلله فترات الصمت التي تلعب دورا في الكشف عن بواطن الشخصيات وما يجول في دواخلها، بحيث يترك الموضوع إلى القارئ لملء نقاط اللاحسم التي يطرحها الصمت.

عمق الثورة

يكثّف النص التغيرات الاجتماعية والسياسية التي تمر بها البلاد، لتبدو الحريّة التي تدعو إليها الثورة في سوريا بأنها لا تقتصر فقط على تغيير النظام السياسي، بل أيضا التحرر من القيود الاجتماعية والأبوية، ففرح تريد التحرر من كل شيء يقف في وجه رغباتها، ويبدو فعل البكاء والامتناع عنه الذي تشير إليه فرح معادلا للقمع، فكل مواجهة مع من يقف في وجه حرية فرح تؤدي بها إلى البكاء، وكأنه انعتاق وتحرر، وبوح بما يجول داخل النفس.

ففرح تبكي حين يصفعها الضابط، وتبكي بسبب موقف أحمد حين تشك أنها حبلى منه، وكأن البكاء الذي يشير إليه العنوان هو انفلات من القيود، ودعوة إلى التحرر من أي سلطة تحاول الوقوف في وجه فرح التي تعادل الشباب السوري الذي خرج هاتفا للحرية، لكنه صدم بصراعات أعمق لا تقتصر على النظام السياسي، بل تدخل في بنية المجتمع وعلاقاته وخصوصا العلاقة مع الآباء، مع الجيل الذي لا يزال يرى الحراك في سوريا فعلا طائشا لن يؤدي إلا إلى الهلاك.

14