د.هـ. لورانس شاعر ضد التيار هاجمه النقاد من الجنسين

الروائي الإنكليزي كان شاعرا حداثيا ثائرا ومرفوضا، كتب قصائده بصدق واعتداد ورفض تشذيبها.
الخميس 2018/10/04
ثائر وقف ضده مسار الفكر والأدب في أوروبا

سار الروائي والشاعر الإنكليزي ديفيد هربرت لورانس في بداية حياته على مسار تراث الشعر الرومانسي الإنكليزي في مطلع القرن التاسع عشر، ثم ما لبث أن تمرّد عليه، وقدم رؤاه الخاصة في الرواية أولا ثم في الشعر، لكن هذا التحول لم يعجب الجمهور فقد كان في كتابته من الجرأة التي بدت غير مألوفة للقراء في ذاك العصر.

وتعرض لورانس لمنع نشر رواياته وأشعاره، كما ارتبط في فترة ما بمدرسة التصويريين التي كان يرعاها عزرا باوند، وإيمي لويل، وهيلدا دوليتل، وت.س. إليوت، ثم سرعان ما شق لنفسه طريقا مستقلا، وإن لم يخرج كثيرا عن مبادئ الحداثة في العقود الأولى من القرن العشرين.

ثورة جوبهت بالرفض

يمكن اعتبار د.هـ. لورانس من الذين دعوا إلى ثورة فنية، لكن من سوء حظه أن مسار الفكر والأدب في أوروبا حينذاك لم يكن مواتيا لثورته الفنية وفكره الذي كان مغاليا في التحرر.

لقد تشكلت مدرسة النقد الجديد في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكانت تدعو أساسا إلى النظر في النصوص الأدبية من حيث إنها نصوص مستقلة عن المذاهب الفكرية المختلفة من اجتماعية وسياسية وأخلاقية ودينية، وتدعو خصوصا إلى استقلال العمل الفني عن شخصية الفنان، وكان من الطبيعي أن تجد مذهب لورانس المستغرق في ذاته وعلاقة الرجل بالمرأة مذهبا ينبغي رفضه ونبذه.

مسار الفكر على امتداد القرن العشرين كان من العوامل التي منعت شعر لورانس من احتلال المكانة اللائقة به
 

ولعل أبرز ما تعرض له لورانس من هجوم كان ممن ينتمي إلى النقد النسوي، إذ وجهت الناقدات النسويات نقدا لاذعا إلى وجهة النظر الذكورية التي يتخذها لورانس، خصوصا في ما يتعلق بتركيزه على المرأة باعتبارها جسدا، وذلك ما كانت قائدات الحركة النسوية يحاولن تعديله بتبيان القصور في هذه النظرة وضرورة المساواة بين الجنسين في كل شيء.

لم يكن هذا هو النقد الوحيد فقط الذي تعرض له لورانس فقد هاجمه أيضا دعاة الديمقراطية والاشتراكية (أو المذهب التقدمي) بسبب إيمانه الراسخ بالفرد، وعدائه لما كان يراه آفة الحضارة الحديثة، وهو نظام العمل على نطاق واسع في ظل الثورة التكنولوجية، فكان يحتقر من يسميهم الأجراء، أي من يعملون لقاء أجر معين لا لأنهم يحبون ما يعملونه، فنظام الأجور كان في نظره هادما لإنسانية الإنسان. وهكذا كان مسار الفكر على امتداد القرن العشرين من العوامل التي منعت شعر لورانس بصفة خاصة من احتلال المكانة اللائقة به.

الاهتمام المتأخر

نقد لاذع إلى وجهة النظر الذكورية التي يتخذها لورنس
نقد لاذع إلى وجهة النظر الذكورية التي يتخذها لورنس

لكن بفعل التحولات الفكرية ومرور الزمن، وبعد مرور عقدين أو ثلاثة من نشر ديوانه الكامل في عام 1964، عاد النقاد إلى النظر في شعر هذا الشاعر الذي سار ضد التيار، وبدأ الأساتذة والنقاد ينتقلون من رواياته التي تحوّل بعضها إلى أفلام، إلى شعره، فأخذ بعضهم على عاتقه نشر ما لم ينشر في حياته، أو إعادة نشره مع تعليقات تلقي الضوء على شعره الذي عانى التجاهل طويلا، خاصة وأن لورانس تميز بغزارة الإنتاج الشعري الذي لا يمكن إغفال مادته في تناولها لروح الستينات، إلى جانب أن كل ما كتبه لورانس في شعره مستقى بصدق من مشاعره وأفكاره التي يعتز بها.

 لكن نقاد قصائده لديهم رؤية بأن دواوينه كانت في حاجة إلى مراجعة منه وإلى الحذف والتشذيب فلا يبقي إلا على القصائد الممتازة فعلا، في حين أنه لم يكن يقوم بهذه المهمة أبدا اعتزازا منه بإبداعه الشعري.

وفي الديوان الذي بين أيدينا “المختار من شعر د.هـ. لورانس” نجد عددا محدودا من القصائد يُمثل تقريبا عُشر إنتاجه الشعري، وقد قام باختيار القصائد وترجمتها وتنقيحها محمد عناني، الذي يقول في مقدمته “ولما وجدت أن الشاعر رتب قصائده في الديوان الكامل ترتيبا زمنيا، أي وفق تاريخ نشر هذه القصائد أو تأليفها، فقد احتفظت بهذا الترتيب.

أبرز ما تعرض له لورانس من هجوم كان من النقد النسوي، الذي كان لاذعا فيما يتعلق بوجهة نظره الذكورية إلى المرأة

 ولم أشأ أن أسترسل في المقدمة لمناقشة قضايا لا تفيد القارئ أو لا تساعده على تذوق الشعر، بل اقتصرت على تقديم أحدث المداخل النقدية لأدبه، وهي التي شاعت في العقود الثلاثة الأخيرة، وحصرت دراستي فيها حتى تكون المقدمة ابنة هذا العصر حقا وصدقا”.

ينقسم الديوان إلى قسمين رئيسيين، القسم الأول يضم القصائد المقفاة، والثاني القصائد غير المقفاة، فأما القصائد المقفاة فتنتمي إلى دواوينه الأربعة الأولى، وفيها ما يدل على مسلكه الرومانسي والمختارات تقدم في هذا القسم تيار شعره الرئيسي في تلك الفترة.

والقسم الثاني ينقسم إلى أربعة أجزاء، يقدم الجزء الأول قصائد لورانس الذاتية المغرقة في الذاتية، ويضم الجزء الثاني قصائد ثيماتها عكس ذلك تماما فهي وليدة نظرات الشاعر في فلسفات العصر وكراهيته للبلشفية ولغلبة التكنولوجيا على الحياة الحديثة، ممثلة في أميركا، وفيها يبدو تأثير الوجودية واضحا. أما الجزء الثالث فيقدم مختارات من مقطوعاته الساخرة أو الفكرية وهي التي نشرت في جزأين، ليختتم الديوان بجزء رابع يتضمن أهم قصائده الأخيرة.

الجدير بالذكر أن ديوان “المختار من شعر د.هـ. لورانس”، صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وقام محمد عناني بترجمته وتقديمه.

14