دواعش ليبيا والترانزيت الجهادي

بات ضروريا في ظل تطور الصراع في ليبيا التركيز على طبيعة الارتباطات الداخلية والخارجية بين الجماعات الإسلامية، بشقيها السياسي والمسلح، حيث تلعب التنظيمات الجهادية دورا هاما في التشابكات القائمة في المشهد وفي إعاقة الاستقرار والشرعية السياسية وعودة الدولة.
الجمعة 2015/05/01
نار التشدد الديني في ليبيا تعصف بالمساجد والمزارات وأضرحة الأولياء الصالحين

يشكّل الإسلام الجهادي الحامل الأساسي للعناصر المغذية للعنف والمظلة الجهادية التي انضوى تحتها الشباب الليبي الجهادي، فضلا عن سعي بعض الفرقاء السياسيين إلى إقامة فصائل مسلحة ترفض نزع السلاح وتسعى إلى عملية الاستقواء بها في وجه الأطراف الأخرى.

هذا التوافق الأيديولوجي عزّز المساندة اللوجستية والعملياتية القائمة بين هذه الميليشيات ميدانيا، وذلك على اختلاف تياراتها بفعل توازن الضعف القائم في بلد مساحته شاسعة، يستحيل التحكم في جميع مفاصله الجغرافية.

وتذكر تقارير استخباراتية عن ارتباط وثيق وتشابكات تتعدى حدود الدولة الليبية بين التنظيمات الجهادية الرئيسية في دول المغرب العربي ودول ساحل الصحراء، سواء كان تنسيقا عسكريا أو نقل أسلحة أو تنسيقا في عمليات التهريب.

وهو ما يطرح جملة من الأسئلة حول عوائق وصعوبات التشابكات الداخلية والخارجية لهذه التنظيمات التي تعترض قيام مصالحة وطنية وعودة الشرعية في ليبيا؛ وما هي الحلول والآليات الكفيلة بوضع قطار المصالحة على سكة صحيحة تحفظ وحدة ليبيا من الانشقاق والانقسام، ما دام الحريق في البيت الليبي يهدد جميع من فيه.

بالإضافة إلى ذلك، من الضروري البحث في تأثير ما تقوم به الجماعات الجهادية في ليبيا في تعميق أزمة الاستقرار في دول المغرب العربي ودول ساحل الصحراء والأخطار التي تحوم حول دول المتوسط الشمالية، حيث تتضافر جملة من العوامل الاقتصادية والسياسية في خلق بيئة جاذبة للعنف بفعل ازدهار تجارة السلاح والتهريب بكل أنواعه وضعف السيطرة على الحدود.

الإطار الفكري والتنظيمي

لم يعد خافيا أنّ ليبيا أصبحت تعجّ بعدد من التنظيمات الجهادية التي تتسم برفض الدولة الحديثة والأعراف المدنية والقبلية، يوحّدها الهجوم على كافة التيارات السياسية المدنية وتكفيرها، فضلا عن رفض الخوض في المشاركة السياسية ومواجهة الغرب بتغذية حرب دينية وحضارية، ثم اتجاهها إلى ربط تحالفات مع نسخ عديدة تمتد إلى ما هو أبعد من الجوار الإقليمي المباشر، يوحدها تبنى منهج العنف لتحقيق أهدافها.

لكن الحدث السياسي الهام في الآونة الأخيرة والذي فرض نفسه، يكمن في صعود بعض هذه التنظيمات إلى الواجهة الإعلامية وسعيها الحثيث للتموقع جغرافيا في عدة مناطق ليبية بحثا عن ما يسهل خلق حاضنة اجتماعية ينعكس على هيكلها التنظيمي وآليات عملها، تقوم على مسار دعوي وخيري لإحكام السيطرة. خاصة، وأنها في المدة الأخيرة تسعى إلى تقويض الرموز المتعلقة بالصوفية وتراثها عن طريق نبش القبور وهدم المزارات وأضرحة الأولياء وحرق المخطوطات الإسلامية القديمة.

خلافات بين أنصار الإسلام السياسي والجماعات الجهادية في ليبيا تصل إلى حد الاقتتال المسلح

ولا بد من أن نوضح أنه بعد سلسلة من التفجيرات التي وقعت في طرابلس في الفترة الأخيرة واستهدفت سفارات أجنبية، منها أسبانيا وكوريا الجنوبية والمغرب، طرح على البساط خارطة هذه التنظيمات وعدد أنصارها وأنماطها، حيث ما لبثت أن اتخذت بعدا تراجيديا بعد إعلان داعش وأخواتها عن ذبح 28 إثيوبيا، زاد في حدته غرق حوالي 800 مهاجر غير شرعي في قاع البحر الأبيض المتوسط، مما يطرح تساؤلات حول: العلاقة بين الذبح وتسهيل الهجرة غير الشرعية والتفجيرات في تكتيك الجماعات الجهادية. وهل من ترابط بين هذه الأحداث التي تقع في إطار سلسلة من المؤتمرات التي جرت في جنيف والصخيرات والجزائر تباعا بين حكومة طبرق الشرعية وحكومة طرابلس التابعة للإخوان المسلمين.

وبشكل عام، هل يسعى الإخوان المسلمون وكتيبة 17 فبراير التي تعبر أحسن تعبير عن الالتقاء بين التيارين “الجهادي” و”الإخواني” بسبب طبيعة مؤسسيها: فوزي أبوكتف وعبدالجواد البدين وإسماعيل الصلابي (شقيق القيادي الإخواني في قطر علي الصلابي) لاستغلال هذه الورقة لمنع سيناريوهات لإقصائهم، وبالتالي المشاركة في حكومة وحدة وطنية تلقى الدعم والتأييد في من دوائر غربية.

بالمقابل، إن إصرار الجيش الليبي على مقاومة هذه التنظيمات الجهادية، مع بدء عملية الكرامة بقيادة الفريق خليفة حفتر، بدأ يؤتي ثماره ويولد حالة اصطفاف مدني – قبلي ضدها، كما أنه يلقى دعما وتعاونا شعبيا كبيرا ومتزايدا سواء من قبائل الزنتان وبعض قبائل الشرق والاتجاه الفيدرالي، متخذا من عودة الدولة ودعم الحكومة الشرعية والجيش الوطني مطلبا وطنيا جامعا لكل الليبيين، مما يمكن أن يسفر عن التفاف شعبي واسع النطاق في وجه هذه التنظيمات. وهو ما ولّد، على المستوى الدولي، التساؤل حول طبيعة الاصطفافات القائمة بين أعضاء من التنظيمات الجهادية والإخوان المسلمين، وقوات درع ليبيا ومصراتة؛ فضلا عن بروز تباين وخلافات بين الإسلام السياسي والإسلام الجهادي في الآونة الأخيرة، وصلت إلى حد الاقتتال المسلح خاصة في ضوء خلافات قائمة حول مسار التسوية السياسية.

الصراع في بنغازي يشرد 28 ألف أسرة
بنغازي – أعلنت منظمة ليبية أهلية مختصة بشؤون النازحين عن نزوح أكثر من 28 ألف أسرة من مدينة بنغازي (شرق)، جراء الحرب الدائرة بين قوات الجيش التابعة لبرلمان طبرق (شرق)، ومناصرين لها، وعناصر تنظيم “أنصار الشريعة”، وكتائب موالية له.

وقال “المركز الإعلامي لتجمعات سكان بنغازي”، إن “العدد الإجمالي للأسر النازحة من عدد من مناطق مدينة بنغازي، وصل إلى 28 ألفا و62 عائلة نازحة وفقا للأسر المسجلة لدى المركز“.

ولم يحدد المركز في بيانه، ما إذا كانت تلك العائلات قد نزحت داخل ليبيا أو إلى خارجها كما أن تلك الإحصائية تضمنت فقط المسجلين لدي المنظومة الخاصة بالمركز دون أن تتطرق لنازحين آخرين، نزحوا لدي أقاربهم في مناطق داخل المدينة لم تطلها المعارك.

وتستمر في مدينة بنغازي ثاني أكبر المدن الليبية المعارك المسلحة منذ أشهر بين تنظيم “أنصار الشريعة” والثوار من جهة، ضد قوات دخلت المدينة قادمة من الشرق الليبي وهي تابعه لرئاسة أركان الجيش الليبي المنبثقة عن البرلمان المجتمع بطبرق ومناصرين لها من المدنيين من جهة أخرى.

داعش ونسخها في ليبيا

بالرجوع إلى مجلة “دابق” التابعة لتنظيم “الدولة الإسلامية”، نجد أنّ أول استعراض عسكري مصور قامت به د اعش في درنة وعرض عسكري آخر تقول مصادر ليبية إنه تم تصويره في مدينة سرت. الأمر الذي أكد وبصفة نهائية وجود هذا التنظيم في ليبيا إذا أخذنا بعين الاعتبار بأن تنظيم “فجر ليبيا” كان يرفض مطلقا و إلى أمد قريب الاعتراف بوجود داعش، على الرغم من الاعتداء الذي طال فندق “كورنثيا” وكذلك عملية حقل “المبروك” النفطي الذي أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عنهما، لأنها كانت ترى بأن ظهور هذا التنظيم يصب في مصلحتها وتغطية للعلاقة التي تربط بين قياداته وقيادات في هذا التنظيم، كان الهدف منه استثماره في حالة الاصطفاف القائمة بين التنظيمات الإسلامية في مواجهة الحكومة الشرعية والضغط عليها.

أمام اتساع نطاق انتشار التنظيم الداعشي بنسخه المحلية المتعددة، بدأ الخوف من تمدد التنظيم واتساع شبكته مع التنظيمات الجهادية الأخرى في دول الجوار، مقدمة إلى تحول في الموقف منه وإعلان مجابهته من طرف “فجر ليبيا”، لا سيما أنه اتضح مؤخرا بحسب العديد من التقارير بروز عدة مؤشرات لتحركات التنظيمات الجهادية لدعم داعش في ليبيا، ساهم فيه ليبيون وتونسيون ومغارية وجزائريون، شاركوا في عدة جبهات وانتموا إلى عهد قريب إلى تنظيمات جهادية مثل، داعش والقاعدة، لتشكل ارتباطات تقوم على التنسيق بين الجماعات الإسلامية الليبية ومثيلاتها في الشرق الأوسط ودول ساحل الصحراء.

والواقع أن تموقع بعض التنظيمات الجهادية الليبية في بعض المناطق الجغرافية وفق اللجنة الأفريقية للمصالحة والسلم بات واضحا، خاصة في منطقة خشوم الليل بجنوب مدينة سرت التي أرسلت قوات فجر ليبيا قوات تقدر بحوالي 2800 مقاتل لاسترجاعها، ومنطقة السدادة، جنوب مدينة مصراتة، بالقرب من مدينة بني وليد ومجموعة أخرى في مدينة ترهونة، فيما تشكل مدينتا درنة وسرت، معقلا لداعش ونسخها، حيث انطلقت من درنة أول إشارة لإعلان “إمارة” إسلامية تابعة لداعش وحمل الرايات التنظيم الأم من طرف “مجلس شورى شباب الإسلام” بقيادة القياديين في تنظيم القاعدة السابقين: عبدالحكيم الحصادي وسفيان بن قمو، حيث تقدر بعض الأوساط المختصة عدد أنصاره المسلحين بحوالي 1000 مقاتل، ينهجون نفس نهج التصفية والقتل والذبح المروع في حق أعضاء الجيش الليبي وناشطي المجتمع المدني والصحفيين.

بالإضافة إلى ذلك، يوجد تنظيم ”أنصار الحق”، الذي يقوده أحمد الأنصاري، وتنظيم “أنصار الشريعة”، الذي يقوده محمد الزهاوي، ويقدر عدد أعضائه بحوالي 5 آلاف وتملك عدة فروع في كل من درنة وسرت وأجدابيا والكفرة، فضلا عن جناح أبوعبدالله الليبي، الذي يقاتل في بنغازي، ثم كتائب “شهداء رأف الله الشحاتي”، شرق ليبيا، وكتائب “شهداء أبوسليم”، في درنة، و”جماعة التوحيد والجهاد” و”ألوية الشيخ السجين عمر عبدالرحمن”، المتهمة بالهجوم على مصالح غربية وعلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وكتائب “تنظيم النصرة” الليبي واللواء “البتار”، الذي انضم إلى تنظيم داعش مؤخرا، وهي مرتبطة بكتيبة تحمل نفس الاسم في مدينة الرقة السورية، فضلا عن وجود كتائب مسلحة متشددة أخرى تتعاون وتصطف معها ضد الحكومة الشرعية، لكنها معروفة بتنظيمها وولائها إلى تنظيم الإخوان المسلمين، مثل كتيبة “إسماعيل الصلابي17 من فبراير”، وكتيبة “السحاتي” و”درع ليبيا 1“.

وقد رصدت التقارير الأخيرة، أن الذين سعوا مؤخرا إلى التنسيق للاستيلاء على مدينة أوباري، لما لها من أهمية جغرافية في الجنوب الليبي يقاتلون معا في بنغازي ضد الحكومة الشرعية في طبرق، حيث يقول مسعود عبدالهادي، المنتمي لأنصار الشريعة “نحن نعمل معا، وعلاقاتنا قريبة جدا”.

تتجه المؤشرات عمليا إلى جعل ليبيا “ملاذا جهاديا” بفعل حالتها الرخوة أمنيا، مما يوفر محطات تدريب وتسليح والانفلات من شبكات المراقبة وحملات الضغط عليها بعد التدخل الفرنسي في مالي والضغوط الأمنية المصرية والتونسية. الأمر الذي يسهل ترانزيت جهاديا يقوم بينها وبين “جند الخلافة” في الجزائر، وتنظيم “الموقعون بالدماء” التابع لمختار بلمختار الذي يرجح تخفيه أحيانا في مدينة سبها جنوب ليبيا، (رغم أن تقارير سابقة رجّحت مقتله في مالي في 2013)، وتنظيم “أنصار بيت المقدس” في مصر وبعض المجموعات التابعة لتنظيم “أنصار الشريعة في تونس” وتنظيم جماعة “الاعتصام بالكتاب والسنة” في السودان، وهي كلها مجموعات ونسخ داعشية.

التداعيات على دول الجوار

من بين أبرز الطرق الحالية التي تسعى هذه التنظيمات إلى تأمين اختراقها، طريق يقع بين الحدود الليبية – المصرية لتأمين وصول المقاتلين القادمين من العراق وسوريا عبر المناطق الصحراوية الوعرة التي تقل فيها الحراسة، أما الحدود الليبية – النيجيرية، فهي تشهد مرور وتنقل الجماعات القيادية القادمة من الصحراء ويتم عبرها تنشيط التهريب والمساندة اللوجستية والمشاركة في جبهات القتال في سرت ودرنة، فيما تحاول هذه التنظيمات استغلال الحدود الجزائرية – الليبية لتأمين انسحاب أنصار الشريعة والتسلل من جديد، حيث يشكل المقاتلون التونسيون أكبر نسبة من المقاتلين في ليبيا.

وهنا تتعدد الخيارات أمام تيار الإسلام السياسي الليبي الذي عليه أن يتخذ خيارات حاسمة في الابتعاد عن استخدام التنظيمات الجهادية في الشرق الليبي لمواجهة الحكومة الشرعية، حيث لعبت قوات “درع ليبيا” دورا في دعم مواجهات أنصار الشريعة والكتائب الجهادية الأخرى ضد قوات الجيش الليبي، أسفر عن سيطرتها على قوات الصاعقة في بنغازي في يوليو 2014، ومن ثمة الإدراك بخطورة دور هذه التنظيمات في تغذية العنف الداخلي والإقليمي.

وعليها الاعتراف بنتائج اللعبة الديمقراطية من خلال عدم اتخاذ مطلق الدين عنوانا لسياسة –كشعار الإسلام هو الحل- أو معيارا للحكم والتقييم على سياسة معينة، فذلك خلط بين العقيدة الدينية والممارسة السياسية، وهو تغريب للإنسان الليبي عن حقائق واقعه الموضوعي والتحديات التي تعترض مجتمعه.

لذلك فإن الحركات السياسية الإسلامية الليبية أمام فرصة لمراجعة تاريخية تفصل في المعسكر الإسلامي بين النسخة المسيسة منه والنسخة المسلحة، وهو الخلط الذي استمر طويلا جراء عدم وجود رؤية استراتيجية وبرامج لحل المشكلات بعيدا عن الشعارات والتعهدات والوعود التي قطعتها على نفسها في أول الثورة، وبناء بيئة سياسية واجتماعية تعزل دعاة العنف ومروجي امتلاك الحقيقة المطلقة، فضلا عن التخلي عن اتهام المعارضين بأنهم ضد الدين لتبرير شراهتها للسلطة والهيمنة، الشيء الذي جعل الكثيرين لا يرون فرقا بينها وبين النظام الذي ثاروا عليه.

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

6