دوافع التنسيق المصري الأردني في الملف الفلسطيني

تنحدر أزمة التنسيق بين القاهرة وعمّان من خارجهما، لا توجد مشكلة في توزيع الأدوار والنتيجة التي تتمخض عنها التصورات المشتركة تصب في صالح الطرفين.
الاثنين 2021/01/25
لا مشكلة في توزيع الأدوار

فرضت الجغرافيا السياسية على مصر والأردن، التباعد والتنافر، والتلاقي والتفاهم، حول القضية الفلسطينية، وجاء وقت كان فيه الخلاف محتدما، ومساحة التعاون هامشية، والقواسم المشتركة مرهونة بما تجلبه التحديات من تداعيات على كل بلد.

انتهت هذه المرحلة بكل ما حملته من تعاون وتباين، وجاءت مرحلة تحتم التنسيق ليحافظ كل طرف على مصالحه الحيوية، ويتجنب الكثير من التأثيرات السلبية لتحاشي دخول القضية الفلسطينية في نفق أكثر قتامة، فإذا مضى سيناريو التطبيع وما ينطوي عليه من توجهات سوف تهتز الثوابت التي بنيت عليها حسابات البلدين.

استقرّ الطرفان على ضرورة ضبط مفاصل القضية بالعودة إلى طاولة المفاوضات قبل أن يجرفها طوفان يصعب التصدي له، وتلقفا إشارات إيجابية من الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة جو بايدن، تشي بضخ دماء في عملية السلام المتجمدة منذ سنوات.

تقلل هذه الحالة من الخسائر التي يتكبدها البلدان عندما تستكمل مرحلة التطبيع الجديدة، والتي بدأت مصر ثم الأردن مرحلتها الأولى وكسرتا حواجز سياسية متعددة، غير أن الموجة الراهنة معقدة ولها حسابات أخرى، فهي ليست معنية بدول الطوق العربي التي تحيط بإسرائيل، وسقط المسمى بفعل تفاعلات وتطورات إقليمية مختلفة.

وثق البلدان علاقتهما بعد أن زادت ملامح القلق من التحولات المنتظرة على إثر التوسع في ملف التطبيع وروافده، فمصر تفقد جزءا من زخمها في المنطقة إذا خرجت القضية الفلسطينية من حضنها، وعليها أن تعيد النظر في رؤيتها الاستراتيجية التي بنيت على أساس وجودها، ما يتطلب تغييرا في جملة من الركائز التقليدية.

يخشى الأردن أن يهتز دوره الروحي في القضية الفلسطينية لما يربطه من وشائج بالمقدسات في الأراضي المحتلة، وعلاقات رمزية ترسخت عبر عقود طويلة، ناهيك عن الأواصر الاجتماعية المتعلقة بالمواطنين الذين ينحدرون من جذور فلسطينية، وما يمكن أن يمثله التطبيع العربي من تغيّرات في النسيج الأردني المتماسك.

أدّى استشعار الخطر إلى استدارة سريعة من البلدين، للاستفادة من العلاقات الطيبة بينهما، تجلت مظاهرها في تعدد لقاءات المسؤولين بشكل ثنائي وإقليمي ودولي، واستوجبت القيام بتحركات دبلوماسية على أكثر من جبهة، عززت حصيلتُها السعيَ إلى عودة القضية الأم إلى مسارها التفاوضي ووقف سلسلة التآكل التي تنخر في جسدها.

تأتي نقطة البدء من التفاهم حول ضبط الساحة الفلسطينية وإجراء مصالحة جادة، تمهيدا لتشكيل رؤية موحدة، وإجراء انتخابات عامة بمستوياتها الثلاثة، التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، كمدخل لتجديد الشرعيات السياسية في الهياكل الفلسطينية، والتأكيد على أن هناك توافقا عاما للشروع في المفاوضات، ما يسهل مهمة المجتمع الدولي الراغب في إيجاد تسوية سياسية على أساس حل الدولتين.

إذا مضت الأمور الفلسطينية إلى مبتغاها يمكن ضبط جانب معتبر من المفاصل التي تخلخلت طوال السنوات الماضية، وتستعيد القضية بريقها الإقليمي والدولي، خاصة أن هناك اتجاها يميل نحو استثمار اتفاقيات أبراهام لتسويتها نهائيا وليس دفنها، وهو ما يعمل عليه مسؤولون في البلدين بالتنسيق مع السعودية، التي رأت أن تطوير العلاقات مع إسرائيل مرتبط بإيجاد حل حاسم للقضية الفلسطينية.

لم تبد إسرائيل ترحيبا واضحا بالتحركات المصرية الأردنية، ولم تبد غضبا منها، فهي تريد مواصلة مسار التطبيع وتحويله سريعا إلى أمر واقع، وفصله تماما عن القضية الفلسطينية، لأن هذا المسار يحمل إغراءات مادية ومعنوية لبعض الدول العربية، وتم ربطه بحزمة من المصالح ترسخ أقدامه في الأرض العربية.

تنحدر أزمة التنسيق بين القاهرة وعمّان من خارجهما، فلا غضاضة في التعاون بينهما ولا توجد مشكلة في توزيع الأدوار، فالنتيجة التي تتمخض عنها التصورات والتصرفات المشتركة تصب لصالح الطرفين، لكن المشكلة التي يمكن أن تقود إلى الفشل تأتي من المستويين الفلسطيني والإسرائيلي، وبعض القوى الإقليمية والدولية.

لن تكون مهمة التنسيق سهلة، ولن تحرز تقدما لمجرد إتقانها أو توسيع أطرها السياسية، وسوف تظل متوقفة على مدى التفاهم بين القوى الفلسطينية والقدرة على إنهاء الانقسام وتوفير بيئة مناسبة للإجماع الوطني.

في ظل الخبرة التاريخية تبدو عملية ردم الهوة صعبة وتحتاج إلى تنازلات جلية من الحركتين الأساسيتين، فتح وحماس، وليس التفافات وقتية بهدف تحقيق أغراض مرحلية، ثم تعودان إلى معاركهما الخشبية.

تلقت مصر والأردن إشارات إيجابية من غالبية الفصائل الفلسطينية، بالنسبة إلى عملية المصالحة الوطنية والانتخابات، ما شجعهما على التصدي للمساهمة بقوة في النواحي الإجرائية على الصعيدين، غير أن الشكوك مستمرة، خوفا من أي خروج على النصوص السياسية المعتدلة، ما يمنح إسرائيل ذريعة لنقض تعاونها في مسألة الانتخابات، ودراسة عملية المفاوضات على مهل.

يدرك المتابعون أن إسرائيل ترتاح للصيغة الفلسطينية الحالية، بكل ما تحمله من تناقضات وانقسامات، وتجد في العودة إلى عملية السلام انتكاسة سياسية لمخططاتها، وخسارة لما حصلت عليه من امتيازات في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، ولذلك تريد أن يأتي التخريب من الجانب الفلسطيني الذي توجد به قوى ترفض أية ليونة مع إسرائيل.

كما أن دخول إسرائيل دورة رابعة من انتخابات الكنيست في مارس المقبل يؤثر على الجهود المبذولة لإتمام الانتخابات في الأراضي المحتلة، وفي مقدمتها القدس الشرقية، فمن المرجح أن تخضع لابتزاز من قبل المرشحين، ويجد فيها اليمين المتطرف فرصة لمراكمة المزيد من الأصوات، ما يجعل الطرف الفلسطيني يعزف على النغمة نفسها، التي قد تصل إلى درجة عودة المقاومة لإشهار سلاحها.

يجري التنسيق بين القاهرة وعمّان في خضم وضع إقليمي حافل بالصراعات، ولا أحد يستطيع فرملة تطوراته التي تتقاطع أحيانا مع القضية الفلسطينية، وقد تدخلها مربعا ساخنا، فالمواجهة مع إيران مثلا لا يزال مصيرها غامضا، وفي الحالتين يمكن أن تكون لها ارتدادات على الساحة الفلسطينية.

كما يتسم الوضع الدولي بسيولة غير خافية، فالولايات المتحدة في عهد بايدن تلملم أوراقها، ما يفرض عليها قيودا تكبلها في إطلاق عملية مفاوضات منتجة، والقوى الأوروبية، تحديدا فرنسا وألمانيا اللتان تتشاركان مع مصر والأردن، تفتقران إلى رؤية سياسية واقعية تساعد على الاستجابة لنداء عقد مؤتمر دولي للسلام، فالأجواء الغائمة لا تتيح فرصة لنجاح الجهود الراغبة في استئناف المفاوضات.

ما يمكن أن يصل إليه التنسيق بين البلدين يكمن في الإيحاء بأن هناك أفقا للحل، فاستمرار المطالبة بالعودة إلى طاولة المفاوضات يرمي إلى إحياء العملية وليس السلام، لأنها قد تحجّم التمادي في ملف التطبيع وتعيد الاعتبار إلى فكرة التسوية بمفهومها السابق.

8