دوافع الكتابة الشعرية

الاثنين 2016/08/22

كيف تنبثق القصيدة، هذه اللحظة اللغوية والنفسية والوجدانية الخاصة؟ وكيف تتشكل في تلك المتاهة السريّة الحافلة بالظلمة والنداءات والمفاجآت؟ وهل لمكان ما قدرة على استدراج القصيدة أكثر من سواه؟ ومن الذي يختار لحظة اندفاع الطوفان، أو اندلاع الشرر من حجرين يابسين؟

لا شك في أن للشاعر دوافعه لكتابة القصيدة. كما أن للقصيدة، أحيانا، أوقاتها السرية الخاصة، التي تُقبل فيها وهي لينة ريانة مثقلة بالملذات. أما إذا تصيّدها الشاعر في غير هذا الوقت، أو خارج هذه اللحظات، فلا يعود من محاولته، في الغالب، إلا بكفين فارغتين، أو مخيلة لا تقوى على التحليق. ألم يقل الفرزدق، ذات يوم: يمرّ عليّ زمانٌ وقلعُ ضرس من أضراسي أهونُ عليّ من أن أقول بيتا واحدا؟

هذا بعض يسير مما كان يخبرنا به شعراؤنا القدامى، بعد أن يعودوا من مطارداتهم للقصيدة، أو انتظارهم لمرورها المشكوك فيه.

وحين نبحث في استعدادات الشاعر لكتابة قصيدته الجديدة، فقد لا تكون من حصيلة لهذا المسعى أكثر من خيبة محققة. إن الشعراء ليسوا واحدا، وما يصدق على شاعر بذاته قد لا يتّفق ومزاجَ شاعر آخر. كان محمود درويش، مثلا، يتحدث عن بعض ما ينصبه من كمائن للإيقاع بالقصيدة. لون الحبر، أو لون الورق، أو لحظة الكتابة. بينما كانت قصيدة نزار قباني تشقّ طريقها إليه وسط المحيطين به في أمسياته الشعرية أو جلساته الاجتماعية، أو لقاءاته الأشدّ خصوصية.

وللشاعر والناقد البريطاني سي. دي. لويس، طريقته الخاصة في استدراج القصيدة؛ كانت لحظته الشعرية لا تكتمل إلا حين يقود سيارته على مهل وتحت الأمطار، مخترقا مقاطعة “دفون” وغاباتها المرتجفة من البرد، تاركا ماسحات الزجاج الأماميّ تتلاعبان، في إيقاع بطيء، بمشهد الطبيعة الهائجة أمامه: تارة تتركانها تغرق في غشاوة من النشوة والرذاذ، وتارة أخرى تمسحان زجاج السيارة فتعيدان تلك الطبيعة المتموجة إلى نصاعتها الأولى.

قد نجد من الشعراء من يكتب قصيدته، هكذا، كما يعدّ فنجان قهوته على عجل، أو يلتقي أصدقاءه في مقهى مجاور. وهناك من لا ينتهي من كتابة القصيدة إلاّ بحصيلة من الرضوض التي تطال يقظته ونومه. هذا بعض من طقوس القصيدة في التمنّع أو الطاعة. فما دوافع كتابتها؟

تختلف دوافع الشعراء اختلافهم في الذوات والانتماءات، فالدافع الشعريّ لا يأتي مبرّأ من الغرض، لا يأتي خالصا لوجه الجمال دائما. فقد يكتب شاعر ما قصيدته تماهيا مع مكان أو قضية. وقد يكتبها وعيناه على مكافأة مجزية، وقد تكون القصيدة تضرّعا إلى جمال إنسانيّ خالص، وربما تسجل القصيدة طموح الشاعر إلى وجاهة اجتماعية أو شهرة مبتغاة.

كان الشعراء، قديما، كما هم اليوم، لا يتطابقون في دوافعهم أو غاياتهم. وكان لبعض الكبار منهم ميدان مخصوص في الحكمة أو الفروسية، أو الخمرة، أو النساء، يصدرون عنه فيبلغون أقصى تجلياتهم في المعاني الفريدة أو البلاغة الشرود. ألم يربط الرواة بين الشاعر ومضمار تفرّده؛ امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا شرب؟

قد تكون جائزة القصيدة بلوغها مرمى النفس، وإزاحة الستار عمّا فيها من أمل عصيّ على الاندثار، أو استغاثة مكبوتة. وقد تكون في انتصارها للضحية العزلاء وهي تواجه جلادا لا رادع له. لكنّ الجوهر الأهـمّ، في كل ذلك، أن تتحوّل كلّ خبرة واقعية إلى لحظة شعرية تتمرد على الطارئ، والوثائقيّ، والظرفيّ، بعد أن يتشرّبها الجسد والروح، وتمتزج فيها وحدة الذات بتشظيات العالم.

شاعر من العراق

14