دوافع تشكيل المجموعات

الخميس 2017/09/07

من الناس من يهوى جمع الأشياء على اختلافها، منها المألوف كالطوابع والبطاقات البريديّة، والعُملة، وأعمال مشاهير الفنّانين في الرّسم والموسيقى، وصور نجوم السينما والمسرح وتوقيعاتهم… ومنها الغريب كسدّادات القوارير والعلب الفارغة، والحجارة والأصداف، ومنافض السجائر والغلاوين…

فما هي الأسباب التي تحمل الإنسان على التعلق بالأشياء حدّ دفع أموال طائلة أحيانا لجمعها؟ هل هو استعراض لوفرة المال والجاه، أم رضوخ لعوامل نفسية، قد تعود إلى مرحلة الطفولة؟

في كتابه “مقالة في الميتافيزيقا” يرى لايبنيتز أنه لما كان الله وحده هو القادر على الإحاطة بالكون كله، فإن الإنسان، الذي لا يملك فكرُه مثل تلك القدرة الشمولية، يلتف على عجزه ذاك بخلق نوع من النظام، عبر تجميع أشياء توحّدها نقطة مشتركة، على نحو تغدو معه كلُّ مادةٍ مفردةٍ معبّرةً عن تناسق الكون، ما يجعل كل شيءٍ مجمّعٍ منضويًا داخل تناسق منطقي خاص بالمجموعة، كي تكون عند اكتمالها كونا كليا مصغّرا يضاهي في تناسقه الكون.

أما فرويد فيعتقد أن هاوي المجموعات يتوق إلى هيكلة محيطه، وأن هذا النوع من السيطرة على العالم يبدأ منذ الطفولة، وأن جامع الأشياء عادة ما يضيق بما حوله، فيجد في الأشياء تعويضا عن الأمان الذي لا يجده مع البشر، وبذلك تكون هواية الجمع في نظر أبي التحليل النفسي نوعا من العُصاب الذي يحوي في طياته دواءه.

من جهته، يفسر عالم الاجتماع إرفينغ غوفمان الحركة الطقوسية تلك كفعل كرّسته التقاليد يعبّر من خلاله الفرد عن إجلاله لشيء ذي قيمة مطلقة. وفي رأيه أن هاوي التجميع يميز عن غير وعي بين المقدَّس، أي الأشياء التي يهواها ويحرص على جمعها والاحتفاظ بها، وبين المدنَّس، أي الأشياء التي لا تدخل في مجال اهتمامه، فينشئ ما يشبه مقام تعبّد.

ويخلص إلى القول إذا كان العالم عبثيا فإن هاوي تشكيل المجموعات خالقُ معنى. لأن الأشياء، كما يقول الفيلسوف جان بودريار، لا تستنفد معناها في ماديتها أو في وظيفتها، بل تتشكل في منظومة متناسقة من العلامات، يتضافر فيها اشتراك عميق بين العوامل النفسية والدواعي الاجتماعية للهيبة والحظوة.

وفي رأيه أن الشيء إذا كانت قيمته التبادلية تخص المجال الثقافي والاجتماعي فإن تفرّده المطلق يكمن في كونه مملوكا لشخص معين، يستمد خصوصيته من امتلاك ذلك الشيء.

وأيّا ما تكن الدوافع، فجمع التشكيلات لا ينأى كثيرا عن محاولة الإنسان تلطيف سير الزمن في انحداره المبهم نحو النهاية المحتومة، بكل الوسائل المتاحة.

كاتب تونسي

15