دوافع مادّية تحكم علاقة تركيا بإخوان الكويت

جماعة الإخوان التي تمارس السياسة في الكويت ظلّت لسنوات تتدثّر برداء النشاط الخيري عبر جمعية الإصلاح الاجتماعي التي تمول الأنشطة الإخوانية في الداخل والخارج.
الجمعة 2020/06/05
التخريب في الداخل والتعمير في تركيا

إذا كان للفرع الكويتي لجماعة الإخوان المسلمين من خاصية تميّزه عن باقي أفرع التنظيم الدولي للجماعة، فهو قدرته الاستثنائية على جمع الأموال ومراكمة الثروات واستثمارها، وهي الميزة ذاتها التي جعلت تركيا تولي اهتماما خاصا بهذا الفرع وتسرّع من توطيد علاقتها به طمعا في ما يحوزه من ثروات وما يمكن أن يضخّه من أموال.

الكويت- وجّه قادة ورموز الفرع الكويتي من تنظيم الإخوان المسلمين على مدى سنوات العشرية الحالية أنشطهتم صوب الملاذ التركي على غرار باقي فروع التنظيم في العالم العربي بعد أن تورّطت الجماعة في أعمال مخلّة بالأمن ومزعزعة للاستقرار في تلك البلدان عندما انخرطت بقوّة في موجة الربيع العربي واستعجلت عملية الانقضاض على السلطة في أكثر من بلد متوقّعة أن الفرصة باتت متاحة أكثر من أي وقت مضى ويجب اغتنامها قبل فوات الأوان.

وخلال السنوات التي أعقبت فشل إخوان الكويت في جلب اضطرابات الربيع العربي إلى البلد بدءا من سنة 2011 محاولين الانقلاب على النظام الذي كانوا دائما مشاركين فيه ومحتمين به، فتحت تركيا أذرعها مرحّبة بالعديد من عناصر الإخوان الكويتيين لا باعتبارهم من كبار المنظّرين وصنّاع القرار في التنظيم العالمي، لكن باعتبارهم مموّلين، يستطيعون المشاركة بفعالية في تحمّل الأعباء المادية لأنشطة التنظيم السياسية والاجتماعية والإعلامية في تركيا حيث يقيم الكثير من العناصر الإخوانية الفارّة من عدّة بلدان عربية على رأسها مصر بعد أن تلقّى الإخوان هناك ضربة قاصمة سنة 2013 بسقوط حكمهم إثر انتفاضة شعبية عارمة.

لكنّ جهود أنقرة لاستقطاب أموال وثروات الإخوان من مختلف بلدان العالم ومن ضمنها الكويت تتجاوز مجرّد توفير غطاء مالي لأنشطة التنظيم على أراضيها، إلى محاولة استغلال تلك الأموال في تنشيط اقتصادها ودعم عملتها المتذبذبة بإيجاد رافد استثماري غير تقليدي أساسه الانتماءات السياسية والروابط الأيديولوجية في ظلّ الصعوبات والهزّات التي عرفها الاقتصاد التركي خلال السنوات الماضية تأثّرا بالاضطرابات السياسية والخصومات الكثيرة التي أثارها نظام العدالة والتنمية بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان مع العديد من بلدان العالم، وحالة عدم الاستتقرار التي تسببت بها سياسة أنقرة في المحيط القريب لتركيا.

وأصبح ربط العوامل المالية والاقتصادية بالاعتبارات السياسية الأيديولودية سياسة تركية ثابتة وواضحة المعالم في عهد حكم حزب العدالة والتنمية، ومثل تلك السياسة تمكّن أنقرة من مضاعفة علاقاتها التجارية وغزو أسواق عدد من البلدان التي يساهم الإخوان في حكمها وصنع قرارها، مفضلّين منح امتيازات لتركيا وفتح الأبواب لمنتجاتها على حساب المنتج الوطني لبلدانهم.

وعندما احتاجت تركيا إلى مدّ نشاطها في التنقيب عن النفط والغاز في مناطق بالبحر المتوسّط خارج المجال التابع لها، كانت أفضل وسيلة لذلك عقد اتفاقية توصف بغير القانونية مع حكومة فايز السراج في ليبيا والواقعة تحت سيطرة الميليشيات الإسلامية ذات العلاقات المتطورة مع أنقرة.

وتقول مصادر كويتية مطلعة إنّ السلطات الكويتية تدخّلت في أكثر من مرّة لوقف تدفّق أموال بمبالغ كبيرة من داخل البلاد نحو تركيا عن طريق عمليات معقّدة كان يتمّ الكشف في كلّ مرّة أن وراءها شبكات ذات صلة بجماعة الإخوان المسلمين.

انفلات لأنشطة الإخوان في الكويت
انفلات لأنشطة الإخوان في الكويت

وتضيف أنّ السلطات على اطّلاع أيضا على عمليات نقل أموال واستثمارات تابعة لعناصر إخوانية كويتية مقيمة في بلدان أخرى آسيوية وأوروبية وكانت تدير مشاريع مربحة في تلك البلدان باستخدام رؤوس أموال ضخمة تمّ جمعها على مدى سنوات طويلة في الكويت التي عرفت في بعض الفترات بحبوحة مالية كبيرة.

ويرصد الدارسون المتخصّصون في شؤون الجماعات الإسلامية خاصيّة مميّزة لفرع جماعة الإخوان المسلمين في الكويت تتمثّل في قدرة عناصره الكبيرة على جمع الأموال ومراكمتها واستثمارها محلّيا وخارجيا في مشاريع مربحة توفّر غطاء ماليا مجزيا لأنشطة الجماعة في مختلف بلدان العالم لاسيما في عدد من البلدان العربية.

ويستفيد هذا الفرع من عدّة عوامل موضوعية، أوّلها حالة الرخاء والوفرة المالية التي ميّزت الكويت لفترات طويلة بفعل وفرة عوائد النفط، وثانيها تغلغل عناصره في أجهزة الدولة وتجييرها لخدمة مصالحها بما في ذلك المصالح المالية المباشرة من خلال حصولها على تسهيلات وغض الطرف عن استفادتها من تجاوزات تتراوح بين النهب المباشر لأموال الدولة والاستيلاء على صفقات عمومية بغير وجه قانوني.

ومن المفارقات التي يثيرها المراقبون لنشاط جماعة الإخوان في الكويت تحويل الجماعة منع تأسيس الأحزاب السياسية هناك من وسيلة ممكنة للتضييق عليها والحدّ من نشاطها، إلى عامل إيجابي لمصلحتها.

فجماعة الإخوان التي تمارس السياسة بشكل علني في الكويت وتشارك في الحكومات، وتعارضها في نفس الوقت عن طريق نوابها في مجلس الأمّة (البرلمان)، ظلّت منذ ستّينات القرن الماضي تتدثّر برداء العمل الاجتماعي والنشاط الخيري ضمن إطار قانوني يتمثّل في جمعية الإصلاح الاجتماعي التي لا يتردّد كثيرون في وصفها بـ”الإمبراطورية المالية” وبـ”أكبر بنك” لتمويل أنشطة الإخوان في الكويت والعالم.

وتتأتى أموال الجمعية بشكل أساسي من التبرّعات التي لا تُجمع فقط من الأفراد ولكن أيضا من كبار رؤوس الأموال وأصحاب المشاريع الذين هم أنفسهم أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين وأصل ثروات البعض منهم من أموال الجمعية نفسها التي لا تحظى عملياتها المالية بأي قدر من الشفافية ولا تخضع لأي نوع من أنواع الرقابة القانونية، إلاّ شكليا.

وبدافع الحذر من تجيير عملية جمع التبرّعات لتمويل الإرهاب، وتحت طائلة إنذارات وجّهت للكويت في هذا المجال من قبل الولايات المتّحدة الحليف الكبير للكويت، عملت السلطات الكويتية خلال السنوات الماضية على فرض المزيد من الرقابة على جمع التبرّعات ووضعت قوانين وإجراءات عملية لذلك.

استقطاب أنقرة لأموال جماعة الإخوان في الكويت جزء من عملية إنشاء رافد استثماري غير تقليدي على أساس أيديولوجي

لكن مختلف تلك الإجراءات لم تشمل الفرع المحلّي من جماعة الإخوان ولم تحدّ من قدرته على جمع التبرّعات وصرفها بحرّية وفق أهدافه وتوجهاته السياسية وحتى وضعها تحت تصرّف حلفائه الإقليميين وعلى رأسهم تركيا.

وكان تفكيك السلطات الكويتية العام الماضي لخلية تابعة للفرع المصري من تنظيم الإخوان المسلمين ناشطة على الأراضي الكويتية بالتعاون والتنسيق مع عناصر إخوانية محلّية، قد مثّل نموذجا عن النشاط المالي غير المشروع لجماعة الإخوان في الداخل الكويتي حيث كشفت التحقيقات أن من مهام الخلية إدارة شبكة لنقل الأموال ممتدّة بين تركيا والكويت ومصر. كما مثل ذلك نموذجا عن مدى الحرج الذي يسبّبه الإخوان للكويت إزاء دول تربطها بها علاقات حيوية.

ويقول الخبير السياسي والأمني الكويتي فهد الشليمي إنّ تنظيم الإخوان ينظر إلى الخليج العربي باعتباره “حصالة أموال”، داعيا سلطات بلاده إلى إصدار تشريعات وقوانين تجرّم الانتماء إلى التنظيم، والاستفادة من تجارب خليجية أخرى في تجفيف مصادر تمويل الإرهاب.

ومن الإجراءات العملية التي يطالب بها الخبير الكويتي قيام الحكومة بإلغاء تصاريح الجمعيات الخيرية التي يستغلها الإخوان في جمع الأموال وجعلها تحت السيطرة المباشرة للدولة، وذلك لإنهاء ظاهرة استغلال الثغرات القانونية لخدمة مآرب حزبية وفئوية تتعارض مع المصلحة العليا للبلاد.

والشليمي هو واحد من ضمن الكثير من قادة الرأي الكويتيين المطالبين بضبط انفلات الأنشطة الإخوانية في الكويت، دون أن تلقى تلك المطالبات استجابة من قبل أجهزة الدولة التي تمكّن الإخوان من التسرّب إلى أجهزتها ويشاركون في صياغة قوانينها وتشريعاتها بما يتوافق مع أيديولوجيتهم ويخدم مصالحهم المتعارضة أصلا مع المصلحة الوطنية والممتدة خارج حدود البلاد.

13