دواوين أحفاد تي. إس. إليوت: هنا في الشعر لا يغيب الشرق أبدا

الأحد 2014/11/16
روث بادل أثارت ضجة هذا العام بالتظاهر دفاعا عن حق السجناء في قراءة الكتب

أعلنت جمعية كِتاب الشِعر البريطانية عن قائمة متنوعة رشحتها بالإجماع لجائزة تي. إس. إليوت التي تمنحها سنوياً لديوان منشور في العام السابق ببريطانيا وأيرلندا. تم تأسيس الجائزة الشعرية الأهم في العالم عام 1993 احتفالاً بعيد ميلاد جمعية كِتاب الشِعر الأربعين وتكريماً للشاعر البريطاني المؤسس لها. وقد كرمت أسماء شعرية لامعة كالأسكتلندية آن دافي والأيرلندي شيموس هيني ومواطن جزيرة سانت لوسيا ديرك ولكوت، وفاز بالجائزة في العام الماضي ديوان “اختلاف المنظر” للشاعرة الأيرلندية شينيد موريسي.

واحتفاء بالذكرى الخمسين لوفاة تي. إس. إليوت حامل جائزة نوبل عام 1948 رفع القائمون على الإرث الأدبي للشاعر قيمة الجائزة من 15000 جنيه إسترليني إلى 20000 جنيه إسترليني، كما شددوا على دعمهم للجائزة بأن صاروا رعاتها الوحيدين بعد انتهاء عقد رعاية لها امتد ثلاث سنوات مع شركة الاستثمار أورام.

عمل تي. إس. إليوت نفسه في بنك لويدز غير أن هذا العقد كان وبالاً على سمعة الجائزة حين انسحب الشاعر الأسترالي جون كينسيلا والشاعرة البريطانية أليس أوزولد من القائمة القصيرة عام 2011 احتجاجاً على دعم شركة استثمار للجائزة.


رقعة الشعر


كان تي. إس. إليوت ليفخر بالقائمة القصيرة للجائزة الحاملة اسمه عام 2014، وهي تضم شاعرين من أميركا، وشاعرة من الهند، وثلاثة من العمالقة فازوا بالجائزة من قبل، وديوان آخر هو الأول لشاعرته. اختارت لجنة التحكيم المكونة من هيلين دانمور وشون بورودال وفيونا سامبسون القائمة من بين مائة وثلاثة عشر كتاباً قدمها الناشرون لتعكس على حد قول رئيستها الشاعرة دانمور “حساسية موسيقية وبراعة وطموحاً يمتاز بها شعراؤها”.

"تعلّم صناعة عود في الناصرة" لروث بادل

تحوي القائمة دواوين محلية مغرقة في محليتها، ولكنها بديعة في تقنياتها، كديوان “ليلة مخلِصة وعفيفة” للشاعرة الأميركية لويز جلوك الفائزة بجائزة بوليتسر، وفيه تسبغ على الليل “أبعاد الأسطورة” كاتبةً، “أخيراً أحاط بي الليل/طُفْتُ عليه، وربما فيه،/وحملني كما يحمل/النهرُ قارباً”.

ولا تخل القائمة من مسحة إنسانية يسهل علينا التماهي معها، فهي لا تقصينا، بل تحثنا على التعاطف والمشاركة كديوان “النفَس نفْسه” للشاعر الأسكتلندي جون بيرنسايد الفائز السابق بالجائزة، وفيه ينتهي قرارُه إلى أننا جميعاً “النفَس نفْسه”، وأن “كلّ شيء جوقة”. وفي قصيدته “مقطوعة حالمة: عيد الميلاد المجيد، 2012″، يكتب: “كلنا في حاجة إلى حياة ثانية، فما لدينا من حيوات/تنفض بسرعة أي سرعة، لذا بالكاد نبصر/الأزهار عند أقدامنا، السماء الشمالية،/ثعالب الماء وطيور التُّمَيْر وهي تَشرُد نحو الانقراض/بينما تقبع داخل أغلفة كتبنا/تبقى صورُها، بلا شائبة/قُلْ ما بدا لك، كلُ الخلق ما هو إلا حنين/نهرع عائدين إلى تسمية أشياء نفتقدها/في المرة الأولى حين تراءى العالم مبتذلاً”.

تتزين كذلك القائمة بديوانين يجسدان مسيرة شاعرين يخطوان مع كل قصيدة بعيداً عن مسقط رأسيهما ومنظور القومية الضيق: ديوان “تعلُم صناعة عود في الناصرة” للشاعرة البريطانية روث بادل، وديوان “خطابٌ مكتوبٌ في هدوء مؤقت أثناء القتال” للجندي السابق في حرب العراق الأميركي كيفين باورز. لا يتكل الديوانان على فكرة الصراع الديني والسياسي فقط، ولكنهما لا يستبعدان المصالحة والوفاق في الشرق الأوسط.


أرض وسماء


كانت روث بادل قد أثارت ضجة هذا العام حين تظاهرت مع كُتاب آخرين معترضة على قرار أصدره وزير العدل البريطاني بعدم إرسال الكتب إلى السجناء. وجرياً على عادة الركض وراء المشاكل، تغامر في ديوانها الجديد وتتأمل سوء الفهم الديني وعواقبه. ولفظ “تغامر” في محله، إذ تسبر من منظورها النقاطَ المتقاطعة بين الأديان الإبراهيمية، اليهودية والمسيحية والإسلام، في الناصرة، منشأ المسيح والمسماة “عاصمة العرب في إسرائيل”، و”المتقاطع” كما تراه هو”رؤيا للحياة الإنسانية باعتبارها حَجَاً ونضالاً، ولكن أيضاً موسيقى وخلق”.

“إن الخلقَ هو حامينا من الظلام”، هذا هو آخر سطر من سطور ديوانها الغارق في سحر الشرق ودمويّته. وما بين لقطات المشاحنات الأزلية وتألق الحرفيّ بأصابعه الحسية الذهبية وهو يصنع العود في مشهد وصفته الناقدة البريطانية كيت كيلاواي في جريدة “ذا أوبزرفر” “بقصة مُصَغَّرة عن الخلق”، ترسم بادل بنبرة سخية دافئة لا تَعدم السذاجة أناساً يبذلون كل الجهد لنسج قماشة من التناغم، وعلى الجانب الآخر تتطاير الأشلاء وتشيع البغضاء.

كيفن باورز خدم جنديا في العراق ثم صار شاعرا ضد الحرب

يصنع الصانع العود، ولكنه ينكسر، يظل معبد يهودي قائماً متيناً رغم الهجمات، يتعلم صبي فلسطيني في أحد مخيمات الضفة الغربية رقصة الكابويرا، نلتقي بمرشد سياحي يصحبنا إلى كنيسة المهد المحاصرة. وفي قلب الديوان يزعق المسيح بكلماته الأخيرة وهو على الصليب. توحي بادل بأن الصدوع التي تتخلل الأرض المقدسة تنم عن شقوق في قلوبنا، “نتعرف على شق ما/عبر المركز، لا بد أنه شق فينا، فينا كلنا”.


نهاية الأيام


أحياناً ما يشعر القارئ أنها تحلم، قد تُمثِّل المقابل الشعري للقاصة الأميركية المتسامية لويز إردريك، ولا ريب أن القارئ العربي تحديداً سينتابه إحساس وكأنها تهذي. تتجاهل السياسة برمتها، ومعها اللاهوت، تصر على إيجاد المشترك، وحين تعثر على شيء مبهم، تلويه لتدسه عنوةً في أذهاننا. ثمة جرعة لا يستهان بها من التفاؤل والتحليق في الخيال، ولكن الشعر يسمح بها رغم أنوفنا مع الكثير من التجاوز الواقعي.

تكتب في قصيدة “تعلُم صناعة عود في الناصرة”، “أقبلْ الجنود في اليوم السادس/لنيل شفرته الجينية./لا دراية لنا بما حدث./ كنتُ أقف في طابور نقطة التفتيش إلى الجليل./ بحثتُ عنه دون أن أعثر عليه./كان بورشته في الهواء الطلق-/اتصلتُ به دون أن يجيب -/في البقعة ذاتها/ حيث وقف المسيح عندما أتى من كفر ناحوم/كي يُعلِّم في المعبد وحاول الأهالي/رميه من أعلى الصخور. إلى أن بزغ الفجر/وفرَّت الظلال بعيداً/ سأدفع نفسي إلى جبل المُر./ وضعنا يديه المجروحتين في اليوم السابع /حول الشظايا. تعال معي من لبنان،/ يا زوجي، انظر من قمة/شنير وجبل حرمون، من عرائن الأسود/وفي اليوم الثامن ما عادت هناك أيام”.

"عندما يصبح الله رحالة" لأرونداتي سوبرامانيام


إحباطات الحرب


ينهل شعر كيفين باورز من فترة خدمته جندياً مسلَّحاً مع الجيش الأميركي خلال حرب العراق في عامي 2004 و2005. تم تسريحه “تسريحاً مشرفاً” من الخدمة، فلم يجد سبيلاً لمداواة روحه على حد قوله إلا بنيل ليسانس الآداب من جامعة كومنولث فيرجينيا وماجستير الفنون الجميلة من جامعة تكساس، وقد قال ذات يوم، “ساعدني الشعر على تنظيم العالم”.

يشاركها في ديوانه الانطباعي إحباطات الحرب وتطلعاتها المقيتة في الموصل وتل عفر، توهان الجندي الجاهل بما يفعله في أرض غريبة. يحكي لنا عن تشوش عقلي يصيب الجنود من فرط الوحدة والإنهاك الذهني، مبالاة عاطفية تصيب الروح الهشة.

لا يجفل الديوان من مشهد الدماء أو الرؤوس المقطوعة، بل ويغلف واقع الحرب -المجريات اليومية من تمارين وإجراءات إلى خسارة العقل وتدهوه- في قالب منظوم يقترب من المرثاة.

تسدد قصيدته “خطابٌ مكتوبٌ في هدوء مؤقت أثناء القتال” لمحة إلى حياة جندي يخدم في العراق، يكتب الرسائل، “أخبرُها أني أحبها كما أكرهُ القتل،/أحبُها محبتي لعشر دقائق من النوم/أسفل حائط سطح خفيض/تتكئ عليه بندقيتي./ أخبرُها في رسالة ستفوح منها/ حين تفتحها/نتانة زيت لسان البندقية وبودرة محترقة/وكلمات تبوح بها./أخبرُها أن العسكري رايان يقول ارتـــجالاً/ما تلك الحرب إلا/ قطع صغيرة من المعدن نجعلها/تمرُ من أحدنا إلى الآخر”.

14