"دواية" معرض ينتقل بجماليات الحرف العربي بين طرابلس وتونس

الفنان محمد الخروبي فقد استخدم الحرف كشكل في مساحات لونية متباينة بين الأحمر والأخضر كمربعات تتجلى كأشكال تجريدية.
الجمعة 2019/01/04
تشكيلات حداثية للحرف العربي

تونس - يستمر بتونس العاصمة حتى السادس من يناير الحالي معرض “دواية” للحروفية في نسخته الثالثة، بعد أن افتتح محطته الأولى بالمدينة القديمة لطرابلس (ليبيا)، تحديدا بقاعة “الفقيه حسن” أواسط شهر أكتوبر الماضي، لينتقل مع نهاية العام 2018 إلى قاعة “سنترال تونس” بالعاصمة التونسية.

وجاء دعم المعرض كما في نسختيه الماضيتين من مؤسسات مدنية وأهلية مختلفة، بالإضافة هذه المرة إلى السفارة الألمانية بطرابلس الليبية، علاوة على مؤسسي مؤسسة “دواية للأعمال الفنية”، وهم الفنانون المشاركون بالمعرض محمد الخروبي وأحمد البارودي ورضوان الزناتي وأشرف سويسي وتقوى أبوبرنوسة، بالإضافة إلى ضيوف المعرض في نسخته الثالثة، وهم محمد بن لامين وعدنان بشير معيتيق من ليبيا وعمر الجمني من تونس.

ومن هناك استمر الفنان الليبي أحمد البارودي المندفع في الاتجاه التعبيري إلى تقديم أعماله ذات الطابع الحداثي رغم استخدامه الحرف كثيمة فنية لا تظهر بشكل جلي، بل ترقص أمام الرائي بخفة كخفة أدائه عند رسم هذه الأعمال سرعة وتلقائية، ليأتي خطابه غير مباشر يجنح إلى استفزاز الحواس وتحفيزها على التواصل في مناخ فني رَاق والتساؤل عن المعنى والمبنى في آن واحد.

أما الفنان محمد الخروبي فقد استخدم الحرف كشكل في مساحات لونية متباينة بين الأحمر والأخضر كمربعات تتجلى كأشكال تجريدية، رغم أنها نصوص مكتوبة متراصة في أشكال هندسية موضوعها الأساسي هو تجاور الألوان وانسجامها في خطاب جمالي محض يرتقي بالخطاب الفني الحروفي الليبي الخجول نسبيا مقارنة بالتجارب العربية الرائدة.

وجاءت أعمال الفنان رضوان الزناتي متزنة بين الانضباط وجمال الحرف على استحياء في إظهار قدرته على رسم الخط بأشكال مبتكرة وأدوات غير تقليدية، حيث أصبحت اللوحات مساحات بيضاء موزعة عليها حروف مبتورة ولطخات لونية وبقع منتشرة على مساحات متوازنة من أعماله الفنية التي تقترب من أجواء أحمد البارودي في بعض الأحيان وتبتعد عنها في أحيان أخرى.

الفنان الليبي محمد بن لامين يعمل على ثيمة حرف "الكاف" مع أجساد تحبو في المحيط، كأنها تبحث عن مخرج من مأزق ما

وبدورها اتجهت الفنانة تقوى أبوبرنوسة إلى عرض وتقديم أعمالها بطريقة فنون ما بعد الحداثة، حيث تدخل العديد من العناصر والأدوات في تجهيز مناخاتها الفنية، علاوة على استعمالها التقليدي في الرسم بالفرشاة مع إدخال إضاءات وتجهيزات كهربائية أخرى لإتمام دورة التجهيز والعرض وخلق مناخ فني متكامل تجهيزا وترتيبا لأشياء جاهزة أخرى، لتتحول إلى مفردات أصيلة ضمن أعمالها الفنية المعروضة.

أما الفنان محمد بن لامين فاستخدم العديد من الوسائط في إخراج أعماله الفنية التي تبدأ بالطباعة بأحجام متوسطة والإضافة عليها بالألوان عبر أدوات مختلفة كالفرشاة والسكين ونثر برادة الحديد في أجزاء مختلفة من اللوحات بالعمل على ثيمة حرف “الكاف” مع أجساد تحبو في المحيط، كأنها تبحث عن مخرج من مأزق ما، فتصبح الطباعة كخلفية درامية للعمل الجديد المنتج عنده مع إضفاء المعنى البعيد لهذه الأعمال بعد عنونتها بـ”كالوجود”.

 ويهتم أشرف سويسي، الفنان المنضبط في عمله كحروفي خطاط، بالمعنى ويشتغل على الشكل الهندسي كتلك الأشكال المنعكسة في مرآة حيث تتكرر المقولة بشكل متماثل من لون مونوكرومي واحد إلاّ من نقطة تعتبر بمثابة ياقوتة حمراء تزين هذه الأعمال، فهي كالفص في الخاتم يجبر المتلقي على الانتباه لها رغم وضوح النصوص المستخدمة في أعماله الفنية، والتي تقترب بدورها من التصميم الفني في مخرجاتها النهائية كما تحافظ على مستوى رفيع من الخطاب الحروفي البصري الكلاسيكي.

وأتت لوحات الفنان عدنان بشير معيتيق كأجساد تتموضع في هيئة حروف وحروف تتشكل في هيئة أجساد بشرية، قادمة من التعبيرية لإظهار قدرة الحرف على التشكل وقدرة الجسد على الالتواء في أشكال مختلفة تأخذ موضعها بين النصوص المكتوبة وتتماهى معها إلى أبعد حد ممكن، مستعملا في ذلك الورق الصيني وأحبارا تعتمد على حركية الفرشاة وأثرها على الورق وشفافية الأحبار المائية، ما يضفي من خلال انطباع البلل على الورق ملامح تعبيرية تجريدية تقترب في بعض الأحيان من سريالية بدائية.

أما الفنان التونسي عمر الجمني فيشارك في النسخة الثالثة من معرض “دواية” للحروفية بأعمال صغيرة الحجم تبدو كأنها مخطوطات قديمة بنصوص مكتوبة كأبيات شعرية ومقولات مأثورة في تناغم وانسجام رائع، لتبدو كرسائل أو حُجج قديمة واتفاقيات مطمورة بين البشر في عهود غابرة.

17