دورات السلفيين لتأهيل الأزواج تمهد لتأسيس أسر متشددة

محاضرات ترى في الزوجة خادمة وترسخ مفهوم أن النساء وسيلة لإمتاع الرجل وإرضاء غرائزه وتلبية رغباته.
الاثنين 2019/08/19
التشدد يوصد الأبواب

دخل التيار السلفي في مصر على خط ظاهرة الطلاق، وقرر تنظيم دورات تأهيلية للمقبلين على الزواج، ما يمهد لقوام أسري يحمل في طياته تدريبا مبكرا على تأسيس أسر متشددة فكريا واجتماعيا، ينعكس مستقبلا على علاقات الزوجين ونمط تربية الأبناء.

انتشرت خلال الفترة الماضية إعلانات لجمعيات سلفية على مواقع إلكترونية وصفحات تواصل اجتماعي، تحث الشباب والفتيات المقبلين على الزواج للاشتراك في دورات يقدمها شيوخ وواعظات ينتمون للتيار السلفي، مقابل مبلغ مادي رمزي لتعليمهم كيفية التعامل وحل مشكلاتهم بطريقة شرعية، وتعريف كل طرف بحقوقه وواجباته الأسرية.

تتنوع الدروس للمقبلين على الزواج بين كيفية إدارة الحياة الزوجية، وشكل التعامل الشرعي مع فترة الخطوبة، وآلية اكتشاف صلاحية شريك الحياة من عدمه، وحق الزوج على زوجته، والتربية السليمة للنشء، وما يمكن أن يفعله الزوج إذا خرجت زوجته عن طوعه.

ويبدو من طبيعة الدروس أنها تدور في فلك من يريدون الانتصار للرجل ظالما أو مظلوما على حساب المرأة، وتتعامل مع الزوجة على أنها خادمة عند الزوج، وترسيخ مفهوم أن النساء وسيلة لإمتاع الرجل وإرضاء غرائزه وتلبية رغباته. ويسعى هؤلاء بهذه الطريقة إلى مناكفة الكنيسة المصرية في مسألة الدورات التدريبية للمقبلين على الزواج، بحكم العداء الواضح الذي يكنه شيوخ السلفية للأقباط، بعد أن توسعت الكنائس مؤخرا في عقد دورات للشباب والفتيات قبل إتمام الزواج للحد من ارتفاع نسبة الطلاق.

ويرى متابعون أن الخطوة السلفية محاولة للنفاذ إلى الأسر بعدما ضيقت الحكومة الخناق عليهم بمنعهم من الخطابة في المساجد، فضلا عن إحكام الرقابة على الجمعيات الشرعية المملوكة لهم، وكانت توحي من خلالها أنها تقوم بدور خدمي للبسطاء بدعمهم ماديا، وأصبح تجميع الشباب والفتيات في قاعات بعيدا عن أعين الحكومة بذريعة تثقيفهم أسريا إحدى وسائل الوصول إلى الناس دون منغصات أمنية أو رقابية.

ترك الساحة للسلفيين يمهد لتأسيس قوام أسري مشوه، لا يراعي التطورات الحياتية، ويجعل المرأة تعيش في سجن أبدي
 

اللافت أن دار الإفتاء المصرية والمجلس القومي للمرأة والكثير من الجمعيات الحقوقية المعترف بها رسميا، تقدم دورات مماثلة وتحظى بإقبال كبير من الشباب والفتيات، ما أثار غيرة السلفيين الذين يريدون الظهور في الصورة من هذا الباب الخلفي، وتقديم أنفسهم على أنهم يمتلكون حلولا لمواجهة النزاعات الأسرية، وبإمكانهم تخفيض نسب الطلاق.

ويربط الكثير من المتابعين بين دخول هؤلاء على خط أزمة الطلاق، واهتمام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بالمشكلة، وتكرار الحديث عنها في أكثر من مناسبة وفاعلية رسمية، ومطالبته بضرورة اهتمام المنظمات الحقوقية والمؤسسات الرسمية بتثقيف وتوعية المقبلين على الزواج وتدريبهم على مواجهة المشكلات الأسرية، بالتالي يسعى السلفيون للظهور في الواجهة والإيحاء بأنهم شركاء في حل الأزمات الأسرية، وليسوا أدوات لتعقيدها.

وتكمن مشكلة عقد دورات للشباب والفتيات لتعريفهم بآلية تكوين الأسرة وحمايتها من التفكك، في أنها تؤسس لنمط حياة قائم على التعاليم الدينية الصارمة، التي إن خالفها أحد الزوجين في المستقبل أصبح لا يجوز التعايش معه ويستحق الانفصال، لأنه تعلم ذلك في مجالس الشيوخ والواعظات الذين يصبغون كلامهم بآيات قرآنية وأحاديث أكثرها لم يعد يناسب الحاضر.

وفي هذا السياق تذكرت ولاء حمدي، التي تزوجت قبل عام ونصف العام، أنها عندما شاركت في دورة تدريبية سلفية قبل زفافها، وعقدت في إحدى قاعات مسجد بحي المطرية في شمال القاهرة، كان الشيخ الذي يحاضر يركز على حقوق الرجل ويغفل متطلبات الزوجة، لدرجة أنه تحدث عن إباحة ضربها إذا أخطأت أو ارتفع صوتها أو أهملت منزلها وحقه في هجرها كنوع من العقاب.

الانتصار للرجل ظالما أو مظلوما
الانتصار للرجل ظالما أو مظلوما

وأضافت لـ”العرب”، أن ما يمكن اكتشافه بسهولة في دورات المقبلين على الزواج، أنهم يربطون السعادة الزوجية وتجنب الطلاق بالطاعة العمياء من المرأة للرجل، وهو تحريض مباشر على قهر الزوجة، وخطورته في أنهم يكيفون آيات قرآنية وأحاديث نبوية لحث الشباب على التعامل مع زوجاتهم بجفاء لإرغامهن على الطاعة.

ويرى خبراء في العلاقات الأسرية، أن أزمة هذه النوعية من الدورات تتمثل في أنها تنعكس سلبا على أسلوب تربية الأبناء من جانب الأزواج الذين تعاملوا مع الدروس السلفية بنوع من التقديس، لأنهم سوف يتمسكون بأن ينشأ أولادهم وبناتهم في إطار تسيطر على حياتهم فيه ثقافة الحلال والحرام، بحكم ما تعلموه في المحاضرات.

ويقول هؤلاء، إن المعضلة الأكبر ترتبط بأن المحاضرين في الدورات المؤهلة للزواج من عينة الشيوخ أصحاب اللحى والواعظات المنقبات، وهؤلاء يتحكم الدين في حياتهم وعلاقاتهم بالآخرين، أي أنهم لا يمتلكون الحد الأدنى من الخبرة في مجال العلاقات الأسرية والنفسية لتدريب الشباب والفتيات على بناء علاقة تقوم على المشاركة والتفاهم وليس المغالبة.

وأكد عادل السيد، وهو باحث ومتخصص في العلاقات الأسرية ومدرب تنمية بشرية، أن ترك الساحة للسلفيين مرة أخرى لتعريف الناس بنمط الحياة الزوجية دون رقابة حكومية، يمهد لتأسيس قوام أسري مشوه، لا يراعي التطورات الحياتية الحديثة، ويجعل من المرأة كائنا يعيش في سجن أبدي، وخادمة لزوجها فقط، وينشأ الأطفال داخل أسرة منغلقة تعادي الرفاهية وتكره الانخراط مع أسر أخرى من خارجها.

وأوضح لـ”العرب”، أن السلفي الذي يحاضر للشباب سوف يكون كلامه نسخة مكررة من نمط حياته الذي يطبقه في منزله على زوجته وأبنائه، وليس بناء على دراسات وأبحاث اجتماعية ونفسية وسلوكية أعدها خبراء وأكاديميون وعلماء اجتماع وأساتذة في التنمية البشرية، لأن هذه الفئات في نظر السلفيين سبب التحرر والانفلات المجتمعي والاقتناع بآرائهم ونهجهم، من المحرمات.

ولا يعترف هؤلاء بأن للمرأة شخصية ووجود وحقوق داخل المنزل، بل يزرعون في أذهان الشباب ثقافة رجعية، وقد يكون بعضهم شغوفا بتطبيق ذلك على زوجته في المستقبل، كما أن الشيخ الذي يعتبر جسد المرأة عورة والنقاب فريضة على الزوجة سيجد شبابا ذا آذان صاغية، يؤمن بأفكاره ويطبقها باعتبارها من بديهيات الحياة الأسرية، ما يتسبب في وقوع خلافات أسرية حادة تصل لحد الطلاق، إذا طبّق أحد الزوجين الدروس السلفية بحذافيرها.

21