دورة التدارك تسقط الباكالوريا الجزائرية في هوة الانحدار

تحولت دورة التدارك لامتحان شهادة الباكالوريا في الجزائر، إلى سقوط جديد زاد من اهتزاز مصداقية الشهادة، ووضع الحكومة ووزارة التربية في مأزق جديد، بسبب موجة الانتقادات التي طالتها من طرف الأولياء والمختصين، وتحميلها لمسؤولية فشل الدورة، نظير تحويلها من فرصة لإنصاف المترشحين المتأخرين عن التوقيت اللازم، إلى فرصة مفتوحة لفئات عديدة.
الثلاثاء 2017/07/18
امتحانات الإنصاف

الجزائر – حذر مختصون جزائريون في التربية، من مغبة تحويل فرصة دورة التدارك لامتحان شهادة الباكالوريا، إلى تقليد في مسار وزارة التربية الجزائرية، بعد أن حظي جزء من التلاميذ خلال هذا الموسم بدورة استثنائية، لإنصافهم مما سببه التطبيق الصارم للتوقيت اللازم، لالتحاق الممتحنين بمراكز الامتحان.

وقال الإطار السابق بوزارة التربية ومفتش التربية عبدالقادر فضيل، إن "استجابة القيادة العليا للبلاد، خلال هذا الموسم لنداءات الأولياء، لإنصاف أبنائهم بمنحهم فرصة استثنائية، لتعويضهم قرار الإقصاء المتخذ في حقهم خلال الدورة العادية، بسبب التأخر أو عدم احترام التوقيت اللازم، يجب أن يبقى قرارا استثنائيا وغير قابل للتكرار".

وأضاف فضيل في اتصال لـ”العرب” أن “الرئيس بوتفليقة تعامل بإيجابية مع نداءات الأولياء، وتصرف بمنطق الولي والأب، ولا يجب تحويل ذلك إلى حل من الحلول السهلة لإنقاذ الاستحقاقات الدراسية من ضغط الشارع، أسوة بما كان يعرف بنظام العتبة، لما كانت الوزارة الوصية تلجأ إلى إلغاء جزء من البرنامج السنوي من امتحانات الشهادة، بدعوى عدم اكتمال المقرر الدراسي، بسبب موجة الإضرابات المتكررة".

وأثارت الدورة الاستدراكية المقررة من طرف الرئيس بوتفليقة، جدلا واسعا في الأوساط التربوية والتعليمية، بسبب تعاطي الوزارة الوصية مع القرار، فبعدما كانت موجهة لفئة التلاميذ المقصيين بسبب التأخر في توقيت الدخول لقاعة الامتحان، تم توسيعها إلى المترشحين الأحرار، مما رفع العدد من بضعة آلاف، إلى أكثر من 100 ألف ممتحن.

وسجلت إحصائيات رسمية صادرة عن وزارة التربية، غياب 70 بالمئة من المرشحين عن الامتحان، وهو ما يناهز حوالي 90 ألف مترشح من ضمن 104 آلاف أحصتهم الوزارة للاستفادة من الدورة الاستدراكية، وهو ما حوّل هذه الدورة إلى فضيحة في ظل الصورة الناقلة لأن عدد المنظمين والحراس والوثائق أكثر بكثير من عدد الممتحنين.

وانتقد الإطار السابق بوزارة التربية الوطنية محمد بوخطة، طريقة تعاطي الوزارة الوصية مع الدورة الاستدراكية لامتحان الباكالوريا، وعدم إخراجها في الصورة التي حملها قرار القيادة العليا للبلاد، في التعامل مع نداءات الأولياء من أجل إنقاذ أبنائهم من الغلو في تطبيق القانون الذي أدى إلى إقصاء الآلاف من التلاميذ بسبب التأخر.

الدورة تعرضت إلى التمييع، بسبب فتحها لغير المقصيين من المترشحين الأحرار، وعدم التشاور مع المختصين في التربية

وقال بوخطة في اتصال لـ”العرب”، إن “الدورة تعرضت إلى التمييع والإفراغ من المحتوى، بسبب فتحها لغير المقصيين من المترشحين الأحرار، وأن عدم التشاور مع المختصين والفاعلين في قطاع التربية، أدى إلى هذه النتيجة التي حولت شهادة الباكالوريا إلى استحقاق دراسي هزيل وغير مهم”.

وأضاف أن “غياب أكثر من ثلثي المترشحين، أضر كثيرا بالدورة وهز مصداقية الشهادة، وحوّل قرار قيادة البلاد لإنقاذ الموقف، إلى جدل متجدد حول المنظومة التربوية ومشروع الإصلاحات، وإلى قلق للأولياء حول مصير أبنائهم في ظل هذه الاختلالات المتكررة في كل موسم دراسي”.

وطبقت وزارة التربية منذ قدوم نورية بن غبريت، سلسلة من الإصلاحات والتنظيم الداخلي، بما فيها الحد من ظاهرة الغش وتسريب الأسئلة، واتخذت لأجل ذلك عدة تدابير صارمة، يأتي على رأسها وقف شبكات التواصل الاجتماعي، وفرض توقيت معين للدخول إلى مراكز ومقاعد الامتحان، لتلافي أي لبس بين المتأخرين وبين المسربين، ولجأت إلى أسلوب الإقصاء حتى لمجرد التأخر لبضع دقائق.

وحمّل محمد بوخطة وزارة التربية مسؤولية فشل الدورة الاستدراكية للامتحان، بسبب ما أسماه بـ”التمييع وإفراغ المحتوى”، بفتحها لفئة غير المتأخرين، وعدم التعاطي معها بنفس جدية وأبوية القرار، وأنه كان بالإمكان إجراء دورة استثنائية للامتحان كما يحدث في كل دول العالم، لكن أن تنتهي إلى هذا الشكل فهو أمر خطير.

وتابع “الصور المتداولة حول الشغور الرهيب في مراكز الامتحان، لا تعكس البتة نوايا قيادة البلاد، ولا التكلفة المادية والبشرية التي سخرت لها، وهو نوع من أنواع التسيب وسوء التسيير”.

وتناقلت مصادر مطلعة، أن وزيرة التربية نورية بن غبريط، لم تكن راضية تماما عن قرار الدورة الاستدراكية، المتخذ من طرف الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة والمعلن عنه من طرف رئيس الوزراء عبدالمجيد تبون، خاصة أنه سبق لها أن صرحت في أعقاب الدورة العادية بأنه “لا مجال لأي دورة استدراكية”.

وأضافت المصادر أن “الغياب اللافت لوزيرة التربية عن الفعاليات الرسمية للدورة الاستدراكية، وفتحها أمام المترشحين الأحرار، يعكس خلافات بين الطرفين حول القرار، وحتى فشل الدورة كان مقصودا من طرف الدوائر الرافضة لها”.

وشدد الإطار السابق في وزارة التربية محمد بوخطة، على ضرورة طي صفحة هذه الدورة، وعدم فتح المجال أمام تسييس شهادة الباكالوريا كما كان معمولا به خلال الحكومات الماضية، والبحث عن بدائل ناجعة تكفل للامتحان النزاهة وعدم الغش وأنسنة الحالات الاستثنائية للتأخر، من أجل غلق الباب أمام أي محاولة لتحويل الدورة الاستثنائية إلى تقليد، كما جرى مع نظام العتبة، الذي طبق لسنة أو سنتين فتحول إلى تقليد طيلة سنوات كاملة تحت ضغط الشارع.

وصرح رئيس فيدرالية جمعيات أولياء التلاميذ أحمد خالد، بأن “وزارة التربية مطالبة بفتح أبواب التشاور والحوار مع الشركاء والفاعلين في الاستحقاقات الدراسية الهامة، لتلافي الوقوع في هذه الإخلالات، التي تحولت إلى ظاهرة مزمنة في المنظومة التربوية”.

وحذر خالد في اتصال لـ”العرب” من “تكرار التجربة تحت أي ظرف من الظروف، لأن ذلك سيسبب مفعولا عكسيا لدى المترشحين، ويؤدي بهم إلى التراخي وعدم الاجتهاد، والتعلق بذرائع التأخر والقرارات التأديبية للاستفادة من فرصة ثانية، كما حدث في سنوات ماضية مع نظام العتبة”.

وأضاف “لو بقيت الدورة في المترشحين المتأخرين، لكانت دورة استثنائية شكلا ومضمونا، لكن بعد أن ميّعت بأكثر من 100 ألف مترشح، فالنتائج تتبع الأسباب، والمهم الآن هو غلق الباب بإحكام، أمام تكرار تجربة مماثلة مهما كانت الضغوطات، وعلى الوصاية مراجعة الكثير من الآليات لسحب الذرائع الممكن توظيفها في النيل والمساس أكثر بشرف ونزاهة ومصداقية شهادة الباكالوريا”.

17