دورة حياة النميمة

الجمعة 2013/09/27

النميمة من أكثر الصفات المحببة لقلوب البعض، نساء ورجال، من دون استثناءات عنصرية، بعد أن أثبتت الدراسات العلمية ميل الرجال أيضا إلى الوقوع غير الآمن في شراك هذه الآفة الاجتماعية الظريفة.

وتمثل النميمة ظاهرة سلوكية عامة تعرفها وتمارسها المجتمعات البشرية بجميع أشكالها وألوانها وبدرجات متفاوتة منذ فجر التاريخ.. وحتى يومنا هذا، لكنها أوسع انتشارا في المجتمعات التي تعيش تحولات اقتصادية واجتماعية كبيرة، بسبب انهيار أو تصدع الأنظمة السياسية الذي يتبعه، بالتأكيد، تغيير وتشويش في صور القيم والمفاهيم الأخلاقية.

لغويا تصنف النميمة كتعبير مرادف للوشاية، حيث يتم من خلالها نقل الحديث ونشر الأخبار الكاذبة على وجه الإفساد والوقيعة والبغضاء والفتنة بين الناس، فالنم خلق ذميم؛ لأنه باعث للفتن وقاطع للصلات، وزارع للحقد ومفرق للجماعات.

منذ عقود وربما قرون والنميمة مرتبطة بالمرأة اعتمادا على جملة من التكهنات والتقديرات المجتمعية التي تنظر إليها باعتبارها كائنا على علاقة طيبة مع الحسد ومسكونا بالغيرة من الآخرين أو الأخريات بمعنى أكثر تحديدا.. هذه الغيرة بالذات هي التي تغذي جلسات النميمة وتضفي عليها بعدها العدواني.

إلا أن علماء النفس الاجتماعي، رجالا ونساء، يؤكدون على أن الرجل أكثر استخداما للنميمة من المرأة، بسبب طبيعة عمله وشبكة اتصالاته الاجتماعية المهولة وغيابه المستمر عن المنزل، سواء بداعي العمل أو الواجبات الاجتماعية التي يحاول إضفاء صبغة الأهمية على تفاصيلها، وهي في حقيقتها لا تتعدى كونها مجالس نميمية، بحتة يتم من خلالها إطلاق الشائعات و التحدث عن عباد الله بسوء من دون علمهم وبغيابهم وتناقل الأخبار بجميع صورها؛ ابتداء بأخبار الحروب والمجازر البشرية، وليس انتهاء بأخبار تدهور أقطاب اقتصادية مهمة في هاوية بورصات أسوق المال.. مرورا طبعا بالأقاويل والفضائح الاجتماعية بما في ذلك اختلاق الحكايات غير الواقعية واختراع شخوص لا وجود لهم للاستعانة بأسمائهم في حال انكشاف مصدر ومحل حدوث النميمة.. ولا يوجد هنالك ما يردع الرجل، بحسب علماء الاجتماع، عن التطرق لأدق خصوصيات الناس أو تجاوز أي من الخطوط الحمراء، وهو في ذلك يتفوق على المرأة التي تنحصر جلسات النميمة، التي تشارك فيها على الوشاية بجارة، أو الكشف عن آخر عملية تجميل ارتكبتها حماة، يدفعها إلى ذلك غيرة وحسد، وربما ساعات مملة من وقت الفراغ تقضيها مع حماتها للوشاية بجارتها والعكس دائما صحيح.

السؤال الأهم في هذا النطاق هو: هل يقع معظم الرجال في فخ النميمة؟ ربما ولكن إلى أي حد.. وكيف تأخذ النميمة أبعادها ضمن دائرة اهتمام الرجل؟ وأيهما أكثر ضررا في نتائجها على الأفراد والمجتمع عموما.. نميمة الرجل أم نميمة المرأة؟

يقول علماء الاقتصاد بأن جلسات النميمة التي تشارك فيها المرأة، تتسبب في خسائر اقتصادية غير هينة، تحسب بلترات الشاي والقهوة المستهلكة، إضافة إلى علب السجائر وأطباق المعجنات والحلويات والمكسرات والسلطات وأقراص المحلى الصناعي قليل السعرات.. كذلك كميات لا يستهان بها من مساحيق التجميل والعطور التي تتزين بها المدعوات في جلسات النميمة، وهي كفيلة وحدها، في حالة تكرارها وأتساع رقعتها الجغرافية، بتقويض ركن من أركان الاقتصاد المحلي.

أما جلسات النميمة الرجالية الخشنة، فقد تستخدم في بعض الأحيان أداة لمنافسة غير قانونية، ذات صبغة عدوانية تجاه الآخرين، مثل محاولة الوشاية بأحدهم بهدف إقصائه من منصبه في مجلس إدارة شركة بترول للفوز به بوضع اليد.. أو تبادل شائعات مغرضة واختلاق فضائح وهمية للإطاحة بأحدهم في محاولة لزحزحته عن مقعده في البرلمان.. والخسارة هنا تحسب ماديا بتسريح الضحية مع حاشيته لإضافة أرقام جديدة في قائمة البطالة.. أما الخسارة المعنوية فتتحملها الشعوب المنكوبة بطيب خاطر بمجرد بلوغ نمّام محترف أحد مقاعد البرلمان من دون جهد يذكر.. عدا عن جهوده الحثيثة في اختلاق حكايات غير واقعية عن الغد المشرق، وحلول غير منطقية للمشكلات المستجدة والاستعانة بأبطال معارك وهميين لتحقيق النصر المؤّزر، سيتم استخدامهم لاحقا في رقعة الشطرنج التي تعد اللعبة المفضلة للبرلمانين في أول جلسة فراغ نميمية تتبع نجاحهم في الانتخابات.

21