دوروثي شيا مفوضة سامية لإحكام قبضة "قيصر" على حزب الله

السفيرة الأميركية تضع خطوطاً حمراء واضحة أمام بعض السياسات الهامة في لبنان، وعلى رأسها البعد الاقتصادي.
السبت 2020/06/06
السد الأميركي في مواجهة إلحاق لبنان بالوصاية الإيرانية

من البديهي القول إن لبنان دولة فاقدة للسيادة بعدما باتت “الدويلة” التي أنشأها حزب الله تتحكم بالمسار العام لعهد وحكومة عاجزين عن اتخاذ أي قرار من شأنه تحديد المسار السياسي العام غير المنسجم مع مصالح “فريق الممانعة”، الأمر الذي يواجه باعتراضات كثيرة من الفريق المعارض لهذه السياسة دون أي قدرة على المواجهة رغم الدعم الكبير “الكلامي” الذي يلقاه من سفيرة الولايات المتحدة في لبنان دوروثي شيا التي يقال إنها متحدرة من جذور لبنانية.

لطالما خضع لبنان للتجاذبات الإقليمية والدولية التي ولّدت ما أسماه الراحل الكبير غسان تويني “حروب الآخرين في لبنان”، فالخلاف على الانضمام إلى “حلف بغداد” الذي كان يؤيده الرئيس الراحل كميل شمعون، فجّر حرباً أهلية “مسيحية – إسلامية” في العام 1958 لم تنته قبل نزول قوات البحرية الأميركية “المارينز” على شواطئ بيروت والبقاء في لبنان لثلاثة أشهر، وهي المدة المتبقية من ولاية شمعون قبل انتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية واستعادة الهدوء والنظام.

كلمة السر

في العام 1975 تفجّر الوضع مجدداً في حرب أهلية استمرت 15 عاماً انقسم خلالها اللبنانيون بين مؤيد للمعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي الداعم للثورة الفلسطينية وبين مؤيد للمعسكر “الانعزالي” الغربي بقيادة الولايات المتحدة والدول الأوروبية الذي كان يريد إنهاء القضية الفلسطينية وترحيل قيادة منظمة التحرير من لبنان، وبالطبع لم تهدأ الأوضاع ويتوقف الاقتتال الداخلي إلا بعد اتفاق الطائف الذي وضع برعاية إقليمية سعودية سورية، ورعاية دولية من قبل الولايات المتحدة الأميركية.

وبعيداً عن الغوص في أسباب “الحروب” اللبنانية تظل الأنظار شاخصة إلى الدور أو الأدوار التي يقوم بها “المفوض السامي” الذي يتبع لهذه الدولة أو تلك من أصحاب القرار. ففي ظل “الاحتلال” السوري للبنان والذي تم بموافقة دولية، كان “والي عنجر” اللواء غازي كنعان ومن بعده اللواء رستم غزالي يتحكمان بمسار السياسة اللبنانية من دون إغفال المصالح الغربية التي كان يرعاها السفراء الأميركيون المتعاقبون على ”عوكر“، مقر السفارة الأميركية في لبنان، من ريان كروكر إلى شيا.

الأحداث التي ترافق تعيين شيا سفيرة لواشنطن في بيروت، تبرز بشكل كبير الدور الرئيس الذي تمارسه في تحديد مسار بعض الملفات “الساخنة”. فبعد وصولها بأيام قليلة تم الإفراج عن عامر الفاخوري، المسؤول السابق عن معتقل الخيام، والمتهم بالعمالة لصالح إسرائيل.
الأحداث التي ترافق تعيين شيا سفيرة لواشنطن في بيروت، تبرز بشكل كبير الدور الرئيس الذي تمارسه في تحديد مسار بعض الملفات “الساخنة”. فبعد وصولها بأيام قليلة تم الإفراج عن عامر الفاخوري، المسؤول السابق عن معتقل الخيام، والمتهم بالعمالة لصالح إسرائيل

لكن الأحداث التي رافقت تعيين شيا سفيرة لواشنطن في بيروت، أبرزت بشكل كبير الدور الرئيس الذي تمارسه في تحديد مسار بعض الملفات “الساخنة”. فبعد وصولها بأيام قليلة تم الإفراج عن المتهم بالعمالة لصالح إسرائيل، المسؤول السابق عن معتقل الخيام الذي قضى في أقبيته العديد من المواطنين اللبنانيين، عامر الفاخوري الذي بعد فراره إلى إسرائيل من جنوب لبنان في العام 1998، قبل الانسحاب الإسرائيلي بعامين، والذي صدر في العام ذاته حكم غيابي بحقه بالسجن لمدة 15 عاما مع الأشغال الشاقة، لاتهامه بالعمالة لإسرائيل، والذي هاجر بعدها إلى الولايات المتحدة الأميركية ونال جنسيتها.

غير أن الفاخوري عاد فجأة إلى لبنان عبر مطار بيروت الدولي في 13 سبتمبر 2019 ولدى وصوله إلى المطار لاحظ عنصر الأمن العام المكلف بالتدقيق في جوازات سفر الواصلين إلى بيروت أن حامل جواز السفر الأميركي هذا مطلوب للتوقيف. وأظهر التدقيق في ما بين يديه أن قرار التوقيف بحقه “مسحوب”. لذا سمح للفاخوري بدخول البلاد، بعد حجز جواز سفره. لكن القضاء العسكري اللبناني أصدر مذكرة توقيف جديدة بحق الفاخوري ليحال إلى المحكمة العسكرية والبدء بإجراءات محاكمته وجاهياً، لكن التقارير الطبية التي كان يبرزها وكيله كانت تفضي إلى تأجيل موعد البدء بالمحاكمة.

وظلّ الفاخوري سجيناً “مميزاً” حيث تم نقله إلى أحد المستشفيات الخاصة بسبب وضعه الصحي، وكثرت الضغوط الدبلوماسية الأميركية في سبيل تأمين إعادة الفاخوري إلى أميركا، وتم ذلك بعد أيام قليلة على وصول شيا إلى بيروت. فقد أصدرت المحكمة العسكرية قرارا أسقطت بموجبه التهم الموجهة إلى الفاخوري، لمرور الزمن، وكفت عنه التعقبات، وأعلن بعدها رئيس المحكمة العسكرية العميد حسين عبدالله تنحيه عن مهامه على خلفية حملة التخوين والتشهير التي تعرض لها إثر إصداره قرار الإفراج عن الفاخوري. وتداول ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لطائرة أميركية قالت إنها قادمة من قبرص وحطت في مقر السفارة الأميركية في عوكر وقامت بنقل الفاخوري ومغادرة لبنان.

قانون "قيصر" الذي سيصبح ساري المفعول اعتباراً من منتصف يونيو الحالي، سيكون للسفيرة شيا حتماً دور كبير في تطبيقه، في ظل اقتراب العقوبات الجديدة التي ستفرضها وزارة الخزانة الأميركية على شخصيات لبنانية تدعم حزب الله انطلاقاً من هذا القانون

وفي خطوة “تمثيلية” استدعى وزير الخارجية اللبناني ناصيف حتي السفيرة شيا، واستمع منها إلى شرح حول حيثيات وظروف إخراج الفاخوري من السفارة الأميركية في عوكر إلى خارج لبنان. لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب شكر في تصريحات إعلامية، الحكومة اللبنانية على تعاونها مع واشنطن للإفراج عن الفاخوري، مشددا على أن أولوية الحكومة الأميركية هي حماية مواطنيها، في إشارة إلى أن الفاخوري يحمل جنسيتها وإلى أن المهمة التي أوكلت إلى شيا نفّذت بنجاح.

بالمقابل، لم يبالغ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله المعني الأول بملف الفاخوري عندما وصف الضغوط الأميركية التي مورست على لبنان بشأن إطلاق سراح العميل الإسرائيلي عامر الفاخوري بأنها “قوية وشملت أعلى المسؤولين في الحكومة”، لكن هذه الضغوط بلغت أوجها عندما اقترحت السيناتورة الأميركية جين شاهين من ولاية كارولينا الشمالية، والسيناتور تيد كروز، من ولاية تكساس، فرض عقوبات بتأييد من الحزبين الجمهوري والديمقراطي على كبار المسؤولين اللبنانيين الضالعين في اعتقال الفاخوري، خصوصاً أن لبنان استفاد من مساعدات أميركية، قُدرت بأكثر من ملياري دولار منذ العام 2005.

ويعتبر إطلاق الفاخوري صفعة قوية وجهّت إلى حزب الله الذي لم يسلم من الانتقادات القاسية التي وجهت إليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي من داخل بيئته “الشيعية” الحاضنة، وانتصاراً أولاً لشيا.

بين تونس والقدس وبيروت

اعتراضات الفريق المعارض تبدو دون أي قدرة على المواجهة، رغم الدعم ”الكلامي” الكبير الذي يلقاه من السفيرة شيا التي يقال إنها متحدرة من جذور لبنانية
اعتراضات الفريق المعارض تبدو دون أي قدرة على المواجهة، رغم الدعم ”الكلامي” الكبير الذي يلقاه من السفيرة شيا التي يقال إنها متحدرة من جذور لبنانية

حصلت شيا على العديد من جوائز الشرف والأوسمة الرفيعة في مجرى حياتها المهنية. كما أنها، بالإضافة إلى دراساتها العسكرية، حصلت على شهادات من جامعة فرجينيا وجامعة جورج تاون، وهي تتكلم اللغتين الفرنسية والعربية. وهي موظفة في الكادر العالي في السلك الدبلوماسي مع خبرة ثمانية وعشرين عاما. تمت تسميتها من قبل الرئيس ترامب كسفيرة لدى لبنان منتصف فبراير الماضي.

وقد عملت سابقا، كنائب لرئيس البعثة في السفارة الأميركية في القاهرة. كما عملت أيضا نائباً للمسؤول الرئيسي في القنصلية الأميركية العامة في القدس. وقبل ذلك، تولت إدارة دائرة آسيا والشرق الأدنى في “مكتب وزارة الخارجية الأميركية لشؤون السكان واللاجئين والهجرة”.

درست شيا في الكلية الحربية الوطنية، متخصصة في إستراتيجية الأمن القومي. وشغلت منصب كبير الموظفين في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، حيث غطت قضايا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعينت مستشارة الشؤون السياسية والاقتصادية في السفارة الأميركية في تونس.

مناصبها الحساسة السابقة شملت توليها مركز المسؤول السياسي في السفارة الأميركية في تل أبيب، حيث عملت على موضوع “عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية”؛ وقد كان أول منصب لها في الخارج في جوهانسبرغ، جنوب أفريقيا، أثناء انتقال ذلك البلد من نظام الفصل العنصري إلى الديمقراطية. وحاضرت في جامعة ويتواترسراند في جوهانسبرغ، وألّفت كتابًا حول موضوع “لجنة الحقيقة والمصالحة” في جنوب أفريقيا.

قيصر وتحذيرات شيا

في جانب آخر من مهمتها على ما يبدو، فإن السفيرة شيا مارست دوراً رئيسياً في الدفاع عن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي يريد العهد العوني ومن خلفه حزب الله تحميله مسؤولية الانهيار الاقتصادي والمالي الذي وصل إليه لبنان، وقد قالت في مقابلة تلفزيونية مع محطة “أو تي في” التابعة للتيار الوطني الحر إنه “لا يصح اتخاذ أي شخص أو مؤسسة ككبش فداء عن انهيار لبنان الاقتصادي”، وذلك ردا على سؤال عن دور سلامة الذي أكّدت أنه يحظى “بثقة كبيرة في المجتمع المالي الدولي“.

 وقالت شيا إن “الولايات المتحدة عملت عن كثب شديد مع سلامة على مدى سنوات” مشدّدة “إذا كان المجتمع المالي الدولي لا يملك الثقة في قيادة كبرى المؤسسات المالية في حكومتكم فأعتقد أنكم لن تشهدوا تدفقات الاستثمار التي يحتاجها الاقتصاد بشدة”.

لا توفر شيا، في انتقاداتها، الحكومة التي يرأسها حسان دياب، حيث تؤكد على أنه “يتعين على الحكومة اللبنانية تحويل أفكارها الإصلاحية إلى حقيقة واتخاذ خطوات ملموسة لكسب الدعم الدولي”، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة “ما زالت تقيّم الحكومة التي تشكلت بدعم من جماعة حزب الله الشيعية المدعومة من إيران والتي تدرجها واشنطن على قائمة المنظمات الإرهابية“.

وتضيف شيا “عبرت الحكومة عن حسن النية لمحاربة الفساد وإلزام نفسها بالإصلاحات. وهي الآن بحاجة إلى نقل هذا الالتزام إلى المستوى التالي والبدء في تحويل هذه الأفكار إلى حقيقة. هل هم مستعدون لدفع هذه الإصلاحات قدما؟ لم نصدر بعد حكما نهائيا في هذا”.

لا مساعدات

الأنظار تبقى شاخصة إلى الأدوار التي تقوم بها شيا، فكما كان “والي عنجر” السوري يتحكم بمسار لبنان، يرعى السفراء الأميركيون من ”عوكر“ المصالح الغربية.
الأنظار تبقى شاخصة إلى الأدوار التي تقوم بها شيا، فكما كان “والي عنجر” السوري يتحكم بمسار لبنان، يرعى السفراء الأميركيون من ”عوكر“ المصالح الغربية

وبعد كلام شيا التي أعلنت موقف إدارتها الواضح من سلامة والحكومة اللبنانية، لن تستطيع الحكومة بجميع مكوناتها ورئيسها بعد اليوم تجاوز هذا الموقف، لا بل عليهم التصرف بناء عليه، هذا ما أكّدت عليه مصادر مالية لبنانية لـ”العرب“.

وتضيف المصادر ”إن الكلام الأميركي والواضح والصريح والمباشر وغير المشفّر يعني بوضوح لمن يعنيهم الأمر في لبنان أنه لن تتم مساعدة لبنان بدولار واحد في حال المسّ بسلامة”.

وإلى هذين الملفين، يبرز قانون “قيصر” الذي وقّعه الرئيس الأميركي في ديسمبر الماضي وسيصبح ساري المفعول اعتباراً من منتصف يونيو الحالي، وسيكون للسفيرة شيا حتماً دور كبير في ظل اقتراب العقوبات الجديدة

التي ستفرضها وزارة الخزانة الأميركية على شخصيات لبنانية تدعم حزب الله انطلاقاً من هذا القانون. ومع ذلك كله، لا يمكن تبرير التدخل الأميركي الفاضح في السياسة الداخلية للبنان، إذ أنه بجميع المقاييس يعتبر انتهاكاً “للسيادة” اللبنانية، لكن لا يمكن بالمقابل إطلاقاً السماح لإيران بواسطة حزب الله فرض مصالحها على حساب الشعب اللبناني بأكمله، أو أن تتخذ “نيابة” عنه قرارات لا تصب في مصلحته بل في مصلحتها التي تتضارب مع تاريخ لبنان وعلاقاته في محيطه العربي الطبيعي.

12