دورين الزين تطلق العنان لتحولات الأنسجة الحية

بعد المشاركة بعدة معارض جماعية في دبي ولبنان تقيم الفنانة التشكيلية والمُتعددة الوسائط دورين خناميريان الزين المولودة في بيروت، معرضها الفردي الأول في صالة “أجيال” بالعاصمة اللبنانية بيروت بعنوان “متاهات”، مقدمة فيه لوحات مشغولة بعدة مواد وبأحجام كبيرة يتشارك فيها عامل الصدفة مع التخطيط المتعمد حتى إنشاء عالم مجهري على قيد التوسع والانكماش الدائم والاندماج في منظومة واحدة تثير القلق في نفس المُشاهد.
الجمعة 2017/06/23
مستنقعات مجهرية بألوان خادعة

بيروت – تعتمد الفنانة اللبنانية دورين خناميريان الزين في كل لوحاتها المعروضة حاليا في صالة “أجيال” البيروتية على ألوان “باستيلية” هادئة تتراوح ما بين الأبيض والسكري والوردي الشفاف والأخضر الفاتح والأزرق الذي هو في معظمه على وشك الاضمحلال.

كما تعتمد التشكيلية في معرضها الفردي الأول والمعنون بـ”متاهات” على بناء جدلية غنائية ما بين الشفافية الرقراقة والكثافة اللونية الخالية من أي أدنى بريق.

ولعل أجمل لوحاتها تلك التي يتكثف فيها اللون السكري كقطع أو متكسرات لا بريق لها من ضمن خطوط شائكة، وكأنها أغصان أشجار سحرية وبرّاقة تشكلت من حولها، كما يتكون الكريستال مغلفا أغصان الأشجار في أشد الليالي برودة. وبعض اللوحات تذكر بباقات ورود وكأنها رئات تتنفس ببطء، ولكن حين الاقتراب منها لأجل تفحص تفاصيلها لن يعثر المُشاهد على وردة واحدة، بل مجموعة من البراعم المعقودة على سرها وسرّ حضورها في هذه اللوحات.

وتشكل الفنانة، في معظم اللوحات، متاهات سئمت من ذاتها، أي سئمت من عملية تضليل المُشاهد، لذلك ما إن تدور أو تمتد إلى ما لا نهاية حتى تعترضها أغضان دقيقة تشلّ من حركتها وتثبتها واضحة أمام الناظر إليها. وتأخذ الزين بمتاهاتها “السكّرية” تلك المُشاهد إلى تخوم هدوء قدري تأتى من تحلل القلق المُزمن وتحوله إلى خطوط دقيقة لم تعد قادرة على إيذاء صاحبتها، أي الفنانة، وبالتالي على إيذاء زائر معرضها المشدوه أمام عذوبة ألوان تخفي أكثر مما تفصح عنه.

والخطوط الدقيقة التي تتشابك لتكوّن “متاهات” الفنانة تظهر مُتلبدة وثقيلة حينا ورقيقة ومتفككة حينا آخر، وأغلب ما يميز حضورها في هذه اللوحات ليس أنها تُذكر بطريقة تموضعها بالنسيج القطني المشغول بتقنية “الكروشيه” الذي كانت تبرع فيه جدة الفنانة، بل لأنها تظهّر قدرة الفنانة على استخدام ألوان بالغة الهدوء لتعبر عن قلق دفين قد اعتاد ذاته، فخرج إلى علنية لوحاتها بعذوبة تحدث بما تكتنزه نفسها من قدرة على التروي وتحويل كل سالب إلى موجب.

دورين الزين تدمج في أعمالها الفنية الضوء مع الخطوط المرسلة بعيدا في تراكم طبقات لا تغيب عنها الشفافية

تستلهم أعمال الزين مشاهدها من الخيال العلمي، حيث يندمج الضوء مع الخطوط المرسلة بعيدا في تراكم طبقات لا تغيب عنها الشفافية، مغاور تنضح بالضوء وليس العتمة يقف أمامها المُشاهد حائرا، هل هي تجمعات لأنسجة عضوية نابضة بالحياة؟ هل هي شعيرات رئوية لكائن غرائبي ما؟ أم هي صدى ضوئي لها بعد أن تلاشت من الوجود؟

أيضا، كما في الكهوف القديمة تبرز تنقيطات في لوحات الفنانة وكأنها مستنقعات مجهرية انحدرت منها الخطوط المُتشابكة صعودا ونزولا والتفافا حتى تشكيل استدارات غير متجانسة فيها الكثير من فعل الاحتضان لأجنة غريبة هي قيد التكوين البطيء.

وتذكر أعمال الزين بفن التجهيز بالورق، وقد يرقى فنها إلى مستوى عال جدا من الجاذبية إذا ما أدخلت الفنانة لوحاتها إلى هذا العالم، حيث الأبعاد الثلاثة وفعل الضوء المتحول على هوى التصميم المُسبق.

وتكاد أعمالها المرسومة تكون امتدادا لعمل نحتي ورقي، فهي في فضاء صالة “أجيال” تنطق برغبتها في أن تكون أعمالا تجهيزية من ورق يلفحه هواء يُسمع هبوبه حينا ويخفت حينا آخر تحت حفيف الأوراق.

وأكثر ما يشي ببراعة الفنانة في التعامل مع المستويات المختلفة في قلب اللوحة الواحدة، هو أن الناظر إلى لوحاتها يستطيع أن يتعرف على أبعاد متلاحقة، ولكن بانسيابية مرهفة جدا إلى درجة تصعب معها معرفة متى يبدأ البعد الثاني أو الثالث؟ ومتى ينتهي أو يتلاشى؟ كما يتلاشى الضوء الصباحي الخجول تاركا الساحة لوهج الشمس القابض على كل الأشكال.

هذا التداخل بين الأنسجة الحيوية التي ترسمها دورين الزين يأخذ أشكال خطوط باهتة الألوان تحشد المعنى في كل نبرة أو التفاتة من التفاتاتها دون الكثير من الجلبة أو الضجيج اللوني والشكلي، لذلك ينتشر جوّ من الرضوخ القدري وتناغم عجائبي ما بين فعل البناء وفعل الهدم بشكل واضح جدا، تناغم لا يشوبه أي توتر، بل قبول بمعنى الوجود الشامل.

معرض “متاهات” هو قبل أي شيء آخر ذوبان لقوى الطبيعة بمفاعيل التجارب الشخصية وهي تتفجر في هدوء شعري على سطح لوحات تتحدى مفهوم الزمن/المكان، ليس لها هدف إلا أهمية مواصلة الرحلة، رحلة العين، ورحلة القلب والعقل.

17