دور أصدقاء مصر

الاثنين 2014/06/23

المؤتمر الذي دعـا إليـه الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيـز لمساعـدة مصـر، لم يعد منتدى اقتصاديا فقط، بل أصبح مؤتمرا سياسيا بامتياز، وسوف يحمل توقيت انعقاده والحاضرين والغـائبين، الكثير من المعاني والدلالات، وسيكشف علانية، من مع مصر ومن ضدها في هذه المرحلة. لذلك فالإعداد له قد يستغرق وقتا، لأن الدعوة خرجـت عن إطارها الصريح، وأضحت تنطـوي على أطر استراتيجية عميقة.

كانت فكرة المؤتمر واحدة من القضايا التي ناقشها الملك عبدالله مع الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال زيارته القصيرة للقاهرة يوم الجمعة الماضي، ولم ترشح معلومات مؤكدة حول طريقة الإعداد له، لكن التوقعات والتكهنات المتوافرة تقول إن مجرد انعقاده سيكون فرصة عملية لتدشين دور مصر على الساحة الإقليمية، فالشق المادي يبدو معروفا، واحتياجات مصر للخروج من عثراتها الاقتصادية لم تعد خافية، حيث تلقت القاهرة خلال الفترة الماضية مساعدات كبيرة، من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت، ساهمت في تجاوز العقبات العاجلة، ولم تضطر مصر إلى الرضوخ لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين، وفوتت بالتالي على بعض القوى الدولية فرصة لابتزازها والضغط عليها وإجبارها على إجراءات هي في غنى عنها.

اليوم طغى العنوان السياسي، في ظل أوضاع إقليمية متدهورة، وأزمات متراكمة، ووسط رغبة مصر في القيام بدور يعيد إليها مكانتها المفقودة، ربما تكون أسماء الدول الحاضرة لهذا المؤتمر ودرجة مساهمات كل منها، دلالة مباشرة أو غير مباشرة على القبول بهذا الدور، وسوف أذهب أبعد من ذلك وأقول إنه لن يخلو من رغبة لتشجيع اقتراب مصر من بعض الأزمات الملتهبة، تحت ذريعة البحث عن حلول عاجلة لها، خاصة أن جميعها، في سوريا والعراق وليبيا واليمن وفلسطين، كانت أحد أسباب الانفلات الحاصل في أوضاعها غياب القيـادة الإقليمية، وكثرة اللاعبين من داخـل المنطقـة وخارجهـا، علاوة على تضارب الأجندات وصدام المصالح والأهداف، فكان من الطبيعي أن تصل إلى هذه المرحلة من الانفراط الأمني والانسداد السياسي وفقدان البصيرة الاستراتيجية. المؤتمر تحوّل من فكرة طرحها الملك عبدالله للتعبير عن مساندته الرمزية والماديـة لمصـر، إلى واقع تتدارسه الكثير مـن الجهات الإقليمية والدولية، وتقوم بفحص تداعياته السياسية، وربما يكون هذا المؤتمر واحدا من الملفات التي سيبحثها جون كيري وزير خارجية أميركا أثناء جولته في المنطقة الأسبوع الجاري، فواشنطن التي تتعامل مع القاهرة بميزان حساس، تريد أن تعيد ترتيب أمورها، وتحاول الإمسـاك بزمام بعـض القضـايا التي بدأت تفلت من بين أيديها، بسبب أخطائها الفادحة، أو جرّاء قدرة الآخرين على مناطحتها في بعض الجوانب الفاصلـة، المهم أنها قد تتخذ هذا المؤتمر لافتة أو مدخلا لتصويب مسار علاقاتها مع مصر، وربما تستثمره كأداة لضرب مجموعة من العصافير السياسية في المنطقة.

إذا كانت مبررات التصويب مفهومة، بعد أن مرت العلاقات بين مصر وأميركا بمطبات وعرة خلال الفترة الماضية، فإن استثمار التصويب كأداة في حاجة إلى مزيد من التوضيح، فواشنطن لا تريد التورط مباشرة في الأزمات الإقليمية الراهنة، وبدت مواقفها متذبذبة من وقت إلى آخر، وغالبية القوى المتماسكة والتي لديها مؤهلات القيام بدور، ولو شكلية، مثل تركيا وإيران، أصبحت متورطة، أو لديها مصالح حيوية على الأقل تفقدها قدرا من الحياد الظاهر والمطلوب، في عدد من الأزمات، والاعتماد عليها يمكن أن يتسبب في مزيد من المشكلات وليس العكس. من الواضح أن مصـر، الأقـل تـورطا، تمتلك مجموعة من الخيوط السيـاسية، جعلتهـا منفتحـة على عـدد كبير مـن الأطـراف المؤثرة في غالبية الأزمـات الـراهنة، لذلك قد يتم توظيف هذا الرصيد في تحريك بعض القضايا لجهة الحلول السياسية.

ففي سوريا مثلا، تمسك مصر العصا من منتصفها، فهي تساند المعارضة معنويا، وتتعاطف مع ثورة الشعب السوري ماديا، وضد قيادته الرسمية سياسيا، وفي جميع الحالات تحتفظ بمسافة لم تمكن أحدا من ضبطها متورطة، بما يجعلها خصما أو حليفا لأي من هذه الأطراف، وتمارس التوجه نفسه تقريبا في حالة العراق، وتحاول تطبيقه مع ليبيا، غير أن خصوصية الأخيرة بالنسبة إلى مصر اضطرتهـا أحيانا إلى فقـدان قدر من حيادها.

المرحلة السابقة فرضت على البوصلة المصرية السير وفقا لمنهج محدد، قادها في النهاية إلى الابتعاد عن الأزمات الإقليمية، والانكفاء على مشكلاتها الداخلية، لكن المرحلة الحالية مختلفـة، فقد تمكنـت القاهـرة من عبور جزء معتبر من خريطة الطريق السياسية، ولديها رئيس منتخب، ولديها طموحات عالية لاستعادة عافيتها الإقليمية، وتوجد قوى صديقة (المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات) تعول عليها في فك شـفرات بعـض الأزمـات الوعـرة، وهناك جهات دولية ترغب في الاستفـادة منهـا، لضبـط إيقـاع لاعبين خرجوا عن القواعد التي حددها فاعلون أساسيون.

المعضلة أن التطورات بهذه الصورة السطحية، تبعث على التفاؤل بشأن دور مصر الإقليمي، لكن الأمر يحمل في أحشائه وجوب الحذر، خوفا من أن يتحول مؤتمر المانحين إلى قناة متعمدة لتضخيم دور القاهرة في المنطقة، وسواء كان ذلك بحسن نية أو بخبث من جانب البعض، فهناك مؤامرت ربما تنصب لها للحد من تمددها إقليميا في المستقبل، ويجد أصدقاء مصر الحقيقيون أنفسهم في خندق الأعداء، لذلك يجب الفصل بين مساعدتها اقتصاديا والزج بها منفردة في أتون الأزمات المشتعلة.


كاتب صحفي مصري

9