دور الثقافة

الاثنين 2014/06/23

يبدو المشهد الثقافي العربي في حالة من اللبس حيال ما يحدث في الشارع العربي من حراك ثوري يهز أعمدة الديكتاتورية، بل ويطيح بها تأسيسا لديمقراطية ظلت نادرة لعقود في الحياة العربية.

مجمل الثقافة العربية عوض أن تتصدر المشهد الثوري.. بل وتكون هي صانعته ومُحرِّكه، تقف اليوم باهتزاز مترددة ما بين البلاط والشارع. وكأن الهتاف الصادح بالحرية الذي يتردد في أرجاء المعمورة ليس حقيقة تداهم الأسوار وتكسر قيود القمع والتكبيل.

دور الثقافة أن ترمي على المشهد قميص اليقين. وهو أقل ما يمكن أن تفعله طالما أنها أول من يحرّك الحراك كما نشهد في أكثر من مكان، قطاعات جماهيرية مسحوقة أهلكتها مناهج القهر والقمع والعوز والتوريث.

ما يطفح على وجه المشهد؛ أن هناك خللا ما بين الحراك الثوري الذي نشهده اليوم والثقافة العربية. الحراك المشدود إلى كرامة إنسانية مفقودة لأزمان طويلة، وثقافة عربية ترابض على مستنقعات آسنة عاجزة عن اقتناص اللحظة التاريخية تأسيسا لحداثة تجاوزها كوننا إلى ما بعد بعد الحداثة. وكأن ثقافتنا السائدة كُتب لها أو هي خطّت لنفسها أن تظل هامشية تتسم بالسلبية تجاه قضايا حارّة.

ولكن في نفس الوقت؛ هل يمكن تحميل فنون الكتابة وخاصة القصيدة أكثر من طاقتها؟ أو الدفع بها لتنزاح عن دورها أو وظيفتها في مجمل المشهد الثقافي والاجتماعي؟.. وذلك لأن القصيدة في محصلة بديهية ليست رغيف خبز في متناول الجياع، أو طلقة رصاص في يد ثائر موجهة إلى جباه الطغاة. ولكن بعملية إبداعية خالصة قد تتحول القصيدة والفنون الأخرى إلى كل تلك المعطيات، كوسيلة مساهمة وأداة فعّالة في عملية هدم هياكل الاستبداد.

في الحراك الجماهيري المتنقل من مدينة عربية إلى أخرى كثير من الورود التي يمكن ان تغني المشهد الثوري لو تلامسها رؤى المبدعين وعقولهم. بل حريّ أن تلامسها؛ لأن هذا هو دور الثقافة البديهي والطبيعي في إغناء الحياة وفي الخلق الجوهري لمسألة الحرية.

على الثقافة أن لا تكتفي بمراقبة مشهد الحراك العربي من شرفتها العالية، وعليها أن تنزل إلى الشارع وتزج بأقصى طاقاتها المتمثلة في الفكر والإبداع وبما يمكّنها من اختراق وتفكيك المحنة المزدوجة للمثقف والسلطة، لصالح الحراك الشعبي ومطالبه: المساواة والعدالة والكرامة.

الثورة كما تصنع هتافها فهي تصنع ثقافتها، وبعد ذلك لا حجة للمثقف التنويري إن لم يتقدم إلى المواقع لدك حصون الديكتاتورية والتخلف، وإنزال من صعدوا إلى الشجرة في غفلة بسلالم من الشعوذة للإبقاء على الشقاء وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء!


كاتب من فلسطين

15