دور الحضانة بمصر تستغل الظروف القاسية للمرأة العاملة

تمثل دور حضانات الأطفال طوق نجاة للكثير من الأسر في مصر لرعاية أبنائها، والمساعدة في مهام التعليم، من قراءة وكتابة وسلوكيات، وباتت أسر كثيرة بين ثلاثة خيارات، جميعها “مُرة”، حيث الارتفاع الكبير في أسعار الحضانات الأجنبية، وندرة دور الحضانة الخاصة الرسمية، والإهمال الشديد الذي يشوب غير الرسمية المنتشرة في معظم المدن والقرى.
الجمعة 2016/09/09
آليات الرقابة على دور الحضانة لم تزل قاصرة

القاهرة – أمام الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها قطاع كبير من المصريين، أصبحت الكثير من السيدات غير قادرات على أخذ عطلة لمدة عامين لرعاية الطفل بعد الولادة كالمعتاد، تحاشيا لحدوث أضرار داخل الأسرة، ويُجبرن أمام وطأة حاجات الأسرة على النزول إلى العمل، بمجرد انتهاء إجازة الولادة الرسمية البالغة ثلاثة أشهر في مصر، وحينها ليس ثمة بديل أمامهن سوى الحضانات لرعاية أطفالهن وقت العمل.

وتنتشر في مصر أعداد كبيرة من الحضانات الأجنبية، إلا أن أسعارها قفزت بصورة قياسية لتتراوح بين عشرة آلاف دولار و33.3 ألف دولار للطفل في العام، بينما تتراوح أسعار الحضانات الرسمية بين ألف دولار وأربعة آلاف دولار، وأعدادها قليلة، بينما تظل الحضانات التي لم تحصل على تراخيص رسمية الأكثر انتشارا، رغم سوء الخدمة.

وتشتكي السيدات العاملات في مصر، من أن معظم الحضانات صغيرة المساحة، ولا تتناسب مع الأعداد الكبيرة التي تستقبلها من الأطفال، إلى جانب اعتمادها على التلقين والحفظ، وغياب الإشراف التعليمي من الدولة، مما يمثل خطورة شديدة على الأجيال المقبلة.

وتشن السلطات المصرية حملات متتالية، منذ تظاهرات 30 يونيو 2013 والإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين على الحضانات غير الرسمية، وجرى غلق العشرات من دور الحضانة التابعة للجماعة، وأحالت أصحاب نحو 500 أخرى إلى التحقيق، بتهمة التحريض على العنف، والمدهش أن المئات من الحضانات التابعة لتنظيم الإخوان لا تزال تعمل حتى الآن، خاصة في القرى والنجوع النائية في أنحاء مصر.

المناهج التي تطبقها دور الحضانة تحاول أن تخلق إنسانا منزوع العواطف، لا ينتمي إلى أسرته، ومستعدا للتخلي عنها

كانت مصر شهدت حالة من الجدل بعد تداول مقطع فيديو لمشرف حضانة يلقن الأطفال مبادئ المذهب الشيعي، في سابقة خطيرة، إلى جانب تعرض طفل للجلد 50 جلدة من صاحب دار حضانة بالقاهرة، الأمر الذي دفع السلطات الرسمية إلى شن حملة على الدور التي لم تحصل على تراخيص بالمزاولة في عدة محافظات، لكنها عاودت الانتشار من جديد بعد هدوء العاصفة.

وقالت شريحة كبيرة من الأسر إن بعض الأطفال قد يصابون بالعدوى داخل الحضانات، فالمشرفات يستخدمن نفس الأدوات في إطعام الأطفال، علاوة على غياب الأنشطة الترفيهية التي تقتصر على بعض الأغاني التي يحفظها الأطفال من كثرة ترددها اليومي، مما ينفرهم من الحضور، على النقيض من الحضانات الأجنبية التي توفر برامج للرسم والمسرح والكمبيوتر واللغات والتنمية البشرية.

وأكد مسؤولون بوزارة التضامن الاجتماعي أن آليات الرقابة على دور الحضانة لم تزل قاصرة، بسبب عدم وجود لوائح أو قوانين تضبط عملية إنشاء دور الحضانة، قبل وضع قواعد لبنائها عام 2012، فضلا عن عدم وجود موارد مالية كافية للقيام بعمليتي الرقابة والمتابعة. وأوضحوا أن معظم أصحاب الدور غير مؤهلين تربويا للتدريس أو التعليم أو التعامل مع الطلاب، كما أن هناك قطاعا غير صالح صحيا لتواجد الأطفال.

برأي عبدالحميد طايل، رئيس مركز الحق في التعليم، أن القطاعات المهمشة في المجتمع تعاني الأمرين، خاصة المرأة، فهي مجبرة على النزول للعمل للمساعدة في تحسين دخل الأسرة، ومحاولة العثور على دار حضانة تناسب الظروف الاقتصادية للأسرة، وسط تفاقم أعباء الحياة وارتفاع الأسعار.

ووفقا للتقارير الرسمية، فإن عدد دور الحضانة المرخص يبلغ نحو 12.5 ألف حضانة فقط، بالتالي فهي لا تستطيع مواجهة الزيادة المطردة في أعداد المواليد التي سجلت مليون مولود خلال الستة أشهر الأخيرة من عام 2015.

وأضاف طايل، لـ“العرب”، أن الارتفاع الكبير في أسعار الحضانات الأجنبية يأتي ضمن اتجاه عالمي للاستثمار في التعليم الذي أضحت أرباحه ربما تفوق السيارات بنحو ثلاثين ضعفا، باعتبار أن جمهوره يمثل نحو مئة بالمئة من إجمالي السكان.

ويشير طايل إلى أن المناهج التي تطبقها دور الحضانة بمصر تحاول أن تخلق إنسانا منزوع العواطف والأحاسيس، لا ينتمي إلى أسرته، ومستعدا للتخلي عنها.

وتطبق معظم الحضانات الأجنبية منهج “مونتسوري”، الذي يعتمد على التنمية البشرية بتعزيز اعتماد الطفل على النفس، بدءا من عمر عامين، رغم أن أربع حضانات في مصر فقط معتمدة من هيئة مونتسوري الدولية، والبقية تطبقه دون حصولها على اعتماد وبصور خاطئة في معظم الأحيان.

معظم الحضانات الأجنبية تطبق منهج (مونتسوري)، الذي يعتمد على التنمية البشرية بتعزيز اعتماد الطفل على النفس، بدءا من عمر عامين

أما منهج الـ“يو سي ماس” الصيني، فتطبقه أعداد قليلة من دور الحضانة، ويعتمد أساسا على ثماني عشرة قاعدة لتعليم المهارات الحسابية، إلا أنه لا يلائم إلا شريحة المتفوقين في الرياضيات، ويعرض الكثير من الأطفال للشعور بالإحباط، نتيجة عدم قدرتهم على مجاراة تعقيداته الحسابية.

وأوضح كمال مغيث الخبير بالمركز القومي للبحوث التربوية، أن بعض الحضانات والمدارس الأجنبية قد تطبق نظما تعليمية لا تتماشى مع طبيعة المجتمع وأوضاع الأسر المصرية، وتزيد العزلة بين العائلة والأطفال، كما تتجاهل قرار وزارة التعليم بتضمين مناهج اللغة العربية إلى جانب التربية الوطنية والدينية. وأضاف مغيث لـ”العرب”، أن هناك مساعيَ لقصر التعليم على الطبقات الغنية فقط، والدفع بأبناء الطبقة الوسطى إلى التعليم المتوسط، ويتشكل هذا الاتجاه بدءا من الحضانة و”تنفير” الأسرة من التعليم.

وأصبحت حضانات الأطفال تلعب دورا أساسيا في حياة الأسرة المصرية، لكن أعباءها تتزايد يوما تلو الآخر، ومشكلاتها تزداد تعقيدا، وتشابكا في ظل غياب رقابة صارمة من المؤسسات التعليمية القومية، وتعامل أصحاب الحضانات الخاصة مع التعليم قبل الابتدائي بوصفه “بيزنس” قابل للنمو، والاستثمار، والاستغلال المباشر للأسر المختلفة.

21