دور العبادة في مصر.. هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يصيح

مشهد صومعة مسجد تجاور صليب كنيسة، هو مشهد يوحي بإمكانية تجاور دور العبادة، ويشي بأن هذه المدينة أو تلك تفخر بالتنوع الديني والحضاري الخلاق وتحتوي عليها، لكن حين يتحول هذا التجاور إلى تنافس دور العبادة، وبالتالي تنافس المسلمين والمسيحيين، على البناء والتشييد، في سعي للهيمنة على المجال وإثبات الحضور الجمعي، فإن هذا التجاور يصبح دالا على التعصب لا على التنوع المحترم للآخر.
الخميس 2017/03/02
تنافس على افتكاك الفضاء العام

يسود الآن في مصر، تنافس محموم على قدم وساق، بين المسلمين والمسيحيين، على بناء دور العبادة، وإصرار على أن يجاور المسجد الكنيسة، والكنيسة المسجد، ما يرفع من حدة الاحتقان، ويدفع إلى الفتنة، ويرى مراقبون أن الصراع في الأساس هو صراع هُوية يعكس صراعًا مجتمعيا، وما لم يسارع المجتمع إلى تطويق المسألة بالحزم، من خلال تشريعات صارمة، فإن النار الراقدة تحت الرماد لن تظل نائمة لوقت طويل.

مشهد غريب، يراه المارون من الطريق الدائري المحيط بمحافظة القاهرة والجيزة، حيث قام صاحب أحد المباني، ببناء عدة مآذن لمسجد في أعلى البناية، وبعد أسابيع قليلة قام صاحب المنزل المجاور بوضع صلبان وبناء برج كنيسة أعلى بنايته أيضا.

مئذنة تحتضن صلبانًا، وصوت آذان يمتزج بدق الأجراس، هذا يصلي في المحراب مرتلاً القرآن الكريم، وذاك يناجي ربه أمام المذبح ويترنّم للمسيح، تجاور لطالما كان تكريسا للوحدة الوطنية والتآلف، ودليلاً على طبيعة النسيج المصري المتماسك، لكنه الآن تحول إلى خطوط تماس، بين كتلتين من النار، وكأنه “صراع على رضى السماء”، ينطلق من دوافع دينية، وتعصب وصراع على الهوية.

تلك المظاهر، زادت ملامحها في فترة الرئيس المصري الراحل أنور السادات، التي ساهمت في أن يكون التجاور ساحة للتسابق، فما إن يرفع المسيحيون أعمدة كنيسة بمكان ما، حتى تجد المسلمين يعلنون تحويل قطعة الأرض المقابلة لها إلى مسجد، مع مباركة من الأجهزة الأمنية وقتذاك، وكأن المنطقة بأكملها لم يعد بها مكان خال لإقامة الجامع سوى أمام الكنيسة أو بجوارها.

آمنة نصير، الأستاذة بجامعة الأزهر، وعضو مجلس النواب، أكدت أنه ما من شك في أن قوة مصر تكمن في تعانق الصليب مع الهلال، حيث تعايش الإسلام مع المسيحية في مصر لقرون عديدة دون أي مشكلات طائفية أو دينية، فالشعب المصري متسامح ومتدين بطبعه، وظل هكذا، إلى أن ظهرت الجماعات الإسلامية المتشددة، وأثارت نزعات الكراهية ضد الأقباط والتضييق عليهم في بناء دور العبادة، ولذلك أصدر البرلمان قانون بناء الكنائس لحل تلك المشكلات.

نصير أوضحت “للعرب”، أن الدين الإسلامي يضمن أماكن العبادة لغير المسلمين، خاصة أهل الكتاب من المسيحيين، بل وحمايتها من أي اعتداءات، واعتبرت أن ما يقوم به البعض من إعاقة الأقباط عن بناء كنائسهم بحجة أن مصر إسلامية مخالف للشريعة ولسنة الرسول.

حوادث التاريخ أكدت أن استقرار مصر يرتبط بقوة العلاقة بين عنصري الأمة وبصلابة النسيج المجتمعي، وضمان حرية العبادة وهو ما يكفله الدستور المصري.

آمنة نصير نددت بمحاولات البعض تعمد بناء المساجد إلى جوار الكنيسة لاستفزاز الأقباط والتشويش عليهم من خلال مكبرات الصوت، وتساءلت ما الذي يضير البعض من بناء كنيسة طالما أن المسلم مكفول له بناء مسجد؟

الأزمة منبعها الثقافة المصرية لدى طرفي الأمة، فكلاهما يتعامل من منطلق أن ديانته هي الأصح، وأن الآخر سيدخل النار

لكن الملاحظ في الفترة الأخيرة، أن الأقباط أيضا بدأوا يتوسعون في بناء الكنائس بشكل كبير، خاصة بعد إصدار قانون بناء الكنائس، فبعد أن كان يتم بناء المسجد إلى جوار الكنيسة، تحول الأمر إلى التنافس المتبادل في البناء المتجاور، للكنيسة بجوار المسجد.

كمال مغيث، أستاذ التاريخ، رأى أن الأزمة منبعها الثقافة المصرية لدى طرفي الأمة، فكلاهما يتعامل من منطلق أن ديانته هي الأصح، وأن الآخر سيدخل النار، وكلٌ يباهي الآخر بما لديه من إمكانيات وبتبرعات الجانبين؛ المسلم والمسيحي، لكي يقوم كل فريق بزيادة ارتفاع ما لديه في مواجهة الآخر، لإثبات أنه يمكن لبرج الكنيسة أن يجابه المئذنة، وللمئذنة مناطحة البرج، وهكذا يتحول أفق السماء إلى مرتع للأقوى. هذا التنافس يولد المزيد من الاحتقان، ما يؤدي إلى نشوء العديد من المشكلات الدينية والمجتمعية، في ظل تصاعد الخطاب الديني المتشدد ونفي الآخر.

وقال أستاذ التاريخ لـ”العرب”، إن قانون بناء وترميم الكنائس، الذي أصدره البرلمان المصري في العام الماضي، أتاح بشكل كبير حرية بناء الكنائس المصرية، بعد أن كان يتم بناؤها بطريقة غير قانونية، وهو ما كان يدفع الأهالي إلى مقاومتها وإيقافها، ومن ثم ينشأ العنف الطائفي.

والأمر المعتاد، هو أن يُضيّق المسلمون المتشددون على المسيحيين وليس العكس، وهو ما أوضحه لـ”العرب” القس ميخائيل ويصا، وضرب مثلًا على ذلك، بأنه في أرض الجنينة، بمنطقة عزبة النخل في القاهرة، توجد كنيسة العذراء مريم وأبوسيفين، فقام المتشددون ببناء مسجد الخلفاء الراشدين ملاصقا لها، على الرغم من أن المنطقة تسكنها غالبية مسيحية، كما أن هناك مسجدا آخر على بعد شارعين فقط من الذي تم بناؤه. وقال ويصا إنه تم تخصيص الأرض لبناء الكنيسة، أواخر عام 1975 ، قبل بناء المسجد المجاور لها، ولكن عندما علم أحد الأئمة بذلك، سارع إلى بناء المسجد قبل الشروع في تشييد الكنيسة، وهو ما ترتب عليه فيما بعد العديد من المشكلات، كزيادة أعداد المصلين بالمسجد أثناء إقامة الشعائر بالكنيسة، أو إلقاء بعض الأئمة خطباً تحريضية، قبل أن توحد وزارة الأوقاف خطبة الجمعة مؤخرا، وهذا التلاسن أوجد حالة من الاحتقان.

الشمّاس جرجس بيشوي (الشماس هو من يساعد على تأدية الصلوات بالكنيسة) صرح لـ”العرب” بأنه حفظ الكثير من القرآن عن ظهر قلب، بسبب تعدد المساجد حول المطرانية، وإطلاق مكبرات الصوت، وإذاعة التواشيح الإسلامية قبل الأذان والصلاة، وتبرز المشكلة عند تزامن تلك التواشيح مع حفلات ومسابقات تنظمها الكنيسة للأطفال في الإنشاد.

ما يحدث في ربوع محافظات مصر، من التحدي والتنافس، دعا شيخ الأزهر الشريف، أحمد الطيب، إلى أن يؤكد على أنه “يرفض التضييق على المسيحيين، وأن بناء المساجد في مقابل الكنائس هو نوع من التضييق عليهم، كما أنه عبث بالعبادة وجذورها”، وشدد على أن “أرض الله واسعة ويمكن أن يُبنى المسجد في أي مكان”.

الباحث السياسي نبيل عبدالفتاح اعتبر أن التنافس في بناء دور العبادة، يعود بشكل كبير إلى الصراع بين المسلمين والأقباط على تحديد هوية مصر، فالمسلمون يرون أنها إسلامية وعربية، وأن المساجد الكبيرة والمآذن الشاهقة تعكس تلك الهوية، بينما يرى الأقباط أن هوية مصر فرعونية وقبطية وأن الكنائس والصلبان ضرب من الحفاظ على تلك الهوية.

الباحث القبطي عماد توماس اعتبر أن التنافس بين المسلمين والمسيحيين في بناء دور العبادة غير مجدٍ للمجتمع المصري الذي يواجه أزمات طاحنة، ويعاني من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتضخم الأسعار، نتيجة لتراجع العملة المحلية أمام الدولار، بعد قرارات الإصلاح الاقتصادي وتعويم الجنيه.

13