دور المخيِّلة والخيال في بناء جمالية العوالم الشعرية

الخميس 2014/03/27
يميز "كانط" في نظريته الجمالية بين "الجميل" و"الجليل"

لقد اعتاد الناس العاديون، وربما المثقفون أيضا، على التمييز، أو لنقل الفصل التعسفي، بين الخيال وبين العقل وكأنهما مجرتان بعيدتان عن بعضهما البعض بملايين السنوات الضوئية، ولكن الدراسة تكشف لنا عما يناقض تماما هذا الزعم.

في كتابه “التصوير الشعري”، الصادر عن “الدار العربية للنشر والتوزيع”، الذي نقدم لمحات عنه هنا نجد الدارس الباحث عدنان حسين قاسم قد خصص جزءا معتبرا منه لدور المخيلة والخيال في بناء العوالم الشعرية مبرزا أن كلاّ منهما قوة “تعمل على استثارة الرصيد الثقافي”، وعلى “استرجاع الحالة الشعورية التي انبعثت عن التجربة وصاحبتها”، وزيادة على هذا فإن الخيال “يقوم بخلق نوع من العلاقات الخاصة بين الأشياء الخارجية وينتقي الأحداث، ويختار المواقف”، و”ينسقها” في صور جديدة، إلى جانب توفير “الأشكال الفنية، ويصبها في صور مترابطة ومنسجمة”.

إنتاج المعرفة


قبل عرض بعض الأفكار حول دور الخيال والمخيلة في الفكر والفنون أرى أنه ينبغي التذكير بأن الشاعر التونسي الشابي (1909-1934) كتب منذ عقود عديدة، وهو في ريعان شبابه، كتابه “الخيال الشعري عند العرب” الذي هو في الحقيقة مقارنة بين الخيال الشعري عند الشعراء العرب و بين الخيال عند الشعراء الغربيين ولكن جهد الشاعر الشابي بقي يتيما حيث أنه لم يستكمل ويطوّر في النقد العربي المعاصر بدراسات متخصصة لها ركائز مؤسسة على علم جمال إنتاج المخيلة.

وفضلا عن هذا فإننا لا نجد أعمالا فلسفية عربية معاصرة نسقية ومتكاملة مكرسة لبناء نظريات بخصوص دور المخيلة والخيال في الفن الشعري وفي جماليات المعمار، وفي كل المجالات الحيوية في مجتمعاتنا بما في ذلك التخيل الجمالي السياسي.

ففي الفلسفة الغربية وكذلك الفلسفة الإسلامية القديمة هناك اهتمام كبير بدور الخيال والمخيلة في إنتاج المعرفة وفي بناء التجربة الشعرية. في هذا السياق نقدم في ما يلي بعض أفكار الفلاسفة والنقاد على النحو التالي: يعتبر إيمانويل كانط (1724-1804) أن المخيلة ليست ملكة مستقلة عن ملكات العقل الأخرى بل هي مكملة للملكات: الفاهمة، والحساسية والتخطيطية.

وهكذا فإن دور المخيلة ضمن إطار عمل العقل يتمثل في تعاونها مع الفاهمة لتأليف “المجتمع الحسي” وجعله موضوعا مفردا قابلا للتعيين المفهومي” حسب تحليل “كانط” وكما يوضح الباحث الفلاحي في رصده للتناقض بين الإمام الغزالي وبين “كانط” بخصوص مكانة المخيلة ضمن عمارة العقل البشري. كما نعرف فإن الأنا التي نفكر لا تفكر في العدم، بل إنها تفكر في الرسوم الذهنية التي تقيمها الذات عبر المخيلة لأجل خلق وسائط بين المفاهيم القبلية وبين التمثيلات الحسية، كما يقول الباحث عبد الحق منصف في معرض دراسته لنظرية كانت في مفهوم وعمل العقل البشري الكوني بالمقارنة مع الإمام الغزالي.


الجميل والجليل


وهكذا ندرك أن ملكة الفهم عند الإنسان تعتمد على المخيلة في تعقل وإدراك وتصنيف ما تقدمه الحساسية الخارجية، وبذلك نفهم أن المخيلة تنتمي إلى مجال الحس الداخلي للإنسان، ودونها لا يمكن إنجاز، أو تحقيق المعرفة أو الإبداع الشعري والفني.

لا بدّ من التذكير هنا أن كانط يميز في نظريته الجمالية بين “الجميل” وبين “الجليل” أو الجلال كما يرصد علاقة كل واحد منهما بالمخيلة. وفي هذا السياق يوضح وفقا لشروح الباحث زكريا إبراهيم أن «المتعة التي يولدها لدينا “الجميل” نجدها قائمة على التوافق ألانسجامي بين المخيلة والفهم».

أما في ما يخص جمالية الجليل في الإبداع الفني والشعري منه بالخصوص فلها وضع مختلف تماما حيث يوضح هذا الدارس أن الجليل أو«الجلال الحقيقي لا يكمن في الطبيعة، بل في الذهن. ونحن نطلق لفظ “الجليل” على ذلك الشيء الذي يبدو كل ماعداه بالنسبة إليه صغيرا أو ضئيلا. ولكن المحيط الهائل الذي تثور فيه العواصف ليس في حد ذاته “جليلا” وإنما هو بالنسبة إلينا مجرد مناسبة لتنشيط مخيلتنا، ودفعها إلى تصور اللامتناهي».

نظرا لمركزية الخيال والمخيلة في العملية الإبداعية والمعرفية نجد الشاعر والناقد الأنكليزي الشهير صمويل تايلور كولردج يولي أيضا أهمية جد حيوية لملكة المخيلة في الإبداع الشعري، الدارس العربي عدنان حسين قاسم خصّص مساحة مهمة في كتابه المذكور أعلاه، يبرز فيها النظرية الرومانتيكية قائلا بأن “الخيال الشعري يمكن أن يفعل فعله في المادة التي يجمعها”.


الإدراك والتحليل


وفقا لتحليل الدارس عدنان حسين قاسم في كتابه “الخيال التصويري” فإن الخيال حسب نظرية كولردج “ينقسم إلى نوعين: القسم الأول منه يقوم بوظيفة الإدراك والجمع، أما القسم الثاني فيقوم بوظيفة التحليل والنشر والتجزيء لكي يخلق من جديد”. أما الناقدة إليزابيث درو فترى أن مهمة المخيلة الشعرية تتمثل في “تنسيق الواقع وجزئياته في صور فنية جديدة”.

ففي التراث الفلسفي الإسلامي نجد اهتماما بالمخيلة والخيال عند ابن سينا وعند ابن رشد والفارابي وغيرهم. فابن رشد على سبيل المثال يميز بين “قوة المخيلة وبين قوة الظن وبين الحس الخارجي الذي يتمثل في نشاط الحواس الخمس”.

المخيلة تشتغل على المستوى الباطني، ولهذا السبب يخلص هيوم إلى استنتاج مفاده أن الخيال يؤثر في العواطف

في هذا السياق يرى أن المخيلة “ليست مركبة من كلا الظن والحس”، وفي الوقت نفسه نجده يؤكد على الصلة بين الحس وبين التخيل. فالتخيل عند ابن رشد وحسب استنتاج الدارس ماجد فخري “لا يوجد منفصلا عن الحس، بينما قد يوجد الحس منفصلا عن التخيل في الحيوانات الدنيا”.

أما ابن سينا فله رأي مهمّ وطريف في الكيفية التي يدرك بها التخيل وذلك بعد تمييزه عن إدراك الوهم، وإدراك الحس وإدراك العقل. بعد القيام بهذا التمييز بين هذه الأركان الثلاثة فإننا نجده يبرز بوضوح أن إدراك الحس يكون عندما “يأخذ الحس الصورة عن المادة بحيث لا يحتاج في وجودها فيه إلى وجود المادة، وإن غابت أو بطلت فإن الصورة تكون ثابتة الوجود في الخيال، إلا أنها لا تكون مجردة من اللواحق المادية.

جهد الشابي بقي يتيما حيث أنه لم يطور في النقد العربي المعاصر بدراسات متخصصة

. كما نلاحظ أيضا أن ابن سينا يفصل الخيال عن العقل خلافا للفيلسوف الألماني “كانط”، و مع ذلك فإنه يسلم بدوره الأساسي في إنتاج المعرفة المخالفة تماما لإدراكات الوهم لأن الوهم كما يقول ابن سينا لا يتعامل إلا مع “المعاني التي ليست هي في ذاتها مادية”.

على ضوء ما تقدّم فإن المخيلة تشتغل على المستوى الباطني، وربما لهذا السبب يخلص الفيلسوف ديفيد هيوم (1711- 1776) في كتابه “في الطبيعة البشرية” إلى استنتاج مفاده أن الخيال يؤثر في العواطف، وأن الاثنين أي الخيال والعاطفة معا يتأثران بما يحدث لأيّ منهما، وذلك بسبب علاقة الوحدة الرابطة عن قرب بينهما.

15