دور المذنب وقناع الضحية

الدراما والرواية والأدب من أدوات الصراع، ولا بدّ لكلّ طرف تعزيز عدّته بسرديّاته كي لا يكون المجال مفتوحاً أمام الجاني لتقديم نفسه بدور الضحيّة المستعذب.
الاثنين 2018/10/08
السردية الإسرائيلية موظّفة للاستغلال السياسيّ والابتزاز التاريخي

يدبّج الإسرائيليّون سرديّاتهم للأحداث بحسب ما تخدمهم، لا بحسب ما يجب أن تكون، فسرديات الضحايا التي يستعرضونها ويعيدون إحياءها نوعاً من أنواع النفخ في كير الأحقاد التاريخيّة وإبقائها مستعرة، والتحريض من خلالها على ضحايا أبرياء، والانتقام منهم، بذريعة أنّهم قد يعيدون اقتراف ما تمّ بحقّهم من مجازر على يد النازيين.

السردية الإسرائيلية موظّفة للاستغلال السياسيّ والابتزاز التاريخي، والعاطفيّ كذلك، من خلال تجديد الشعور بالإثم لدى أولئك الذين لم يشهدوا المحارق والمجازر، والتذكير بأنّ ما تمّ في الماضي القريب يبقى مستعراً لديهم، وأنّه يحقّ لهم من أجل الحؤول دون تكراره تحصين أنفسهم، ولا مانع من قتل من يعتبرونهم أعداء من الفلسطينيين، ومن غير الفلسطينيين، طالما لا يذعنون للسرديّة الصهيونية الانتقامية.

أنتجت شركة نتفليكس فيلماً بعنوان “الحلّ الأخير” المستوحى من حكاية اعتقال القيادي النازي أدولف أيخمان الذي كان يعيش متخفّياً باسم مستعار في الأرجنتين، والذي يصوّر ملابسات الاعتقال وعملية التخطيط والتنفيذ التي جرت سنة 1960، وكيف تمّت بطريقة مخابراتية تظهر قدرة الموساد “الخارقة” على التغلغل في المجتمعات وتجنيد القوى لصالح أهدافها.

برغم محاولة الفيلم في بعض المشاهد تصوير الجانب الإنساني من شخصية أيخمان، كأب وإنسان ومأمور كان ينفّذ ما يملى عليه، إلّا أنّه احتفى بالسردية الإسرائيلية وضخّمها، وأظهر عناصر الموساد أناساً حسّاسين، يتعاطف بعضهم مع أيخمان في بعض المواقف، بحيث وظّفها درامياً لتجديد التعاطف مع الدولة العنصرية بذريعة مآسيها التاريخية.

ركّز الفيلم على بطولات عناصر الموساد في سياق سردية الضحية المصدّرة، ولم يركّز على المحاكمة، بل تناولها في سياق الخاتمة، وكيف أنّها حقّقت “العدالة” بمحاكمة النازي المجرم، وحرق جثمانه ونثره في البحر.

وبالحديث عن أدولف أيخمان، يمكن الاستئناس بالكتاب الشهير “أيخمان في القدس – تفاهة الشرّ” للمؤرخة والفيلسوفة حنّة أرندت التي كانت حاضرة في محاكمة أدولف أيخمان سنة 1961 كمراسلة لصحيفة نيويورك، ونشرت وقائع المحاكمة ملخّصة في الجريدة، ثم عادت لتتوسّع بها في كتابها الذي أثار ضجّة كبيرة حين صدوره سنة 1963.

أظهرت أرندت التجيير الدعائي من قبل بن غوريون للمحاكمة الشهيرة التي أرادها محاكمة عصر، وكيف سعى إلى تقديم نفسه كضحية تنشد العدالة، لا الانتقام، وكيف أريد تحويل المحاكمة إلى مسرحية يظهر فيها قادة إسرائيل بدور البطولة، ودعاة للحق والعدالة.

ليس غريباً على الصهاينة استغلال السرديّات التاريخيّة وتحويرها بما يخدم مصالحهم وأهدافهم، وبرغم مساعيهم إلى تضخيم الوقائع بما يتعلّق بمآسيهم، وتقزيمها بما يتعلّق بالمآسي التي يتسبّبون بها لمَن يعتبرونهم أعداءهم، وبخاصّ’ الفلسطينيين، فإنّ سرديّات الفلسطينيّين وحكاياتهم ورواياتهم بدورها ستكون صافعة لتلك السرديّة الصهيونيّة، ومظهرة إيّاها عارية من الرداء الذي تحاول به إخفاء جرائمها.

لا يخفى أنّ الدراما والرواية والأدب من أدوات الصراع، ولا بدّ لكلّ طرف تعزيز عدّته بسرديّاته كي لا يكون المجال مفتوحاً أمام الجاني لتقديم نفسه بدور الضحيّة المستعذب الذي يجني عبره مكتسبات دائمة.

15