دور النشر واللعب على حبل التجارة

الثلاثاء 2017/10/24

تلعب دور النشر دورا بارزا ومهما في صناعة الكتاب والترويج له، مثلما تعلب دورا مهما في إيصال المنتج الوطني إلى الدول الأخرى، وتسعى من خلال ذلك إلى الانتقاء في النشر والتعامل الثقافي والأخلاقي مع المؤلف بهدف الترويج لهذا الكتاب أو ذاك، خاصةً وأن هذه المهمة تعد من المهام الكبيرة التي تؤدّي إلى بناء حضارة البلد.

في السنوات الأخيرة التي تلت عام 2003 في العراق، زادت حركة طباعة الكتب وخاصة للأدباء العراقيين الذين وجدوا في فسحة الحرية ما يمكن أن يجعلهم يصدرون كتبهم في دور نشر عربية أو عراقية.

هذه الدور التي صارت أعدادها كبيرة، سواء في العراق أو البلدان العربية، أصبحت تبحث عن طرق ملتوية لاستغلال المؤلف. فهي دور نشر عبارة عن دكاكين صغيرة، والبعض حتى لا يملك هذا الدكان وحول جهاز اللابتوب إلى مكتبة متجوّلة واسمٍ وشعارٍ ورقمٍ دولي ورقم إيداعٍ محلي، ليتحول إلى دار نشرٍ لها اسم، خاصة إذا ما كان المدير الجديد لهذه الدار أديبا معروفا، أو يقوم صاحب مكتبة لبيع الكتب في شارع المتنبي بالتحول إلى دار نشرٍ أيضا، لأنه يعرف من أين تؤكل أصابع النشر.

إن ما يحصل هو الاتفاق مع دور نشرٍ عربية بحسب العلاقات أو مع المطابع الحديثة بهدف طباعة الكتب وفق أسعار يتم الاتفاق عليها. كل هذا أمر طبيعي، سواء كانت الطباعة داخل العراق أو خارجه، لكن غير الطبيعي هي الأعمال غير الثقافية، ولا أقول غير الأخلاقية، التي تمارس بحق المؤلف من جهة وبحق المتلقي من جهة أخرى، حين يتم التلاعب بعدد النسخ ومرات الطبع العديدة فضلا عن زيادة الأسعار التي يحصل منها صاحب الدار على أرباحٍ كبيرة، لا تتناسب مع الجهد الذي يبذله والذي يبدأ بالتعامل مع المؤلف وإرسال المخطوطة إلى دار النشر الأخرى في لبنان أو سوريا أو مصر أو الأردن، أو مع المطابع الأهلية التي تمتلك آلات حديثة في طباعة الكتب.

إن الأرباح الكبيرة تكمن في اللعب على حبال التجارة الثقافية التي يعتقد فيها المؤلف أنه اتفق مع دار النشر على طباعة 1000 نسخة، وإذا به يتفاجأ ولو بعد حين إنه تم طباعة أقل من 500 نسخة فقط، بل الأدهى من ذلك أن اللعبة التي تمارسها بعض دور النشر، وليس كلها، هي الاتفاق على مبلغ كلي لطباعة الكتاب على أن يكون عدد النسخ 125 نسخة فقط تمنح 100 نسخة للمؤلّف وللدار 25 نسخة المتبقية، وإذا ما تم البيع سيطبع 100 نسخةٍ أخرى على إنها طبعة ثانية، وإذا ما تم بيع النسخ الجديدة سيتم طباعة 100 نسخة أخرى على أنها طبعة ثالثة وهكذا.

وما يمكن أن يسجل على بعض الدور إنها تضحك على المتلقي وخاصة تلك التي تطبع في دور نشر عربية التي يعرف الأدباء إن وصول الشحنة إلى العراق يستغرق وقتا لا يقل عن شهرين في أحسن الأحوال، ولكن المفاجأة إن قراء المتنبي يتفاجأون بنفاذ الطبعة الأولى، وصدور الطبعة الثانية بعد أسبوع، ومن ثم بعد أسبوعٍ آخر يتم طرح الطبعة الثالثة وهكذا، وربما تصل أعداد الطبعات إلى أكثر من سبع طبعات، كما حصل مع إحدى الروايات.

وحين يتم استقصاء الأمر تكتشف أن الدار اتفقت مع المطبعة العربية أو دار النشر العربية مثلا على طباعة 100 نسخة من كل طبعة، وتضع رقم الطبعة على الغلاف الأول وإرسال الشحنة جميعها دفعة واحدة، ويقوم صاحب الدار في المتنبي أو غيرها بعرض كل طبعة أسبوعيا مع استغلال شبكات التواصل الاجتماعي للترويج لهذا الكتاب أو ذاك.

إن دور النشر الآن إذا ما استثنيا بعضها والتي حققت حضورا ثقافيا لافتا، فإنها تستغل الأديب بالخصوص، بطرقٍ ملتوية لا تنم عن شرف صناعة المهنة أو التجارة الصحيحة، ولا تنم عن مقدرة للارتقاء بالكتاب، رغم إن مثل بعض هذه الدور تساقطت وتم اكتشاف ألاعيبها.

كاتب عراقي

14