دور تركيا المؤثر في المنطقة يتراجع

السبت 2014/07/05
تركيا تنكفئ نحو الداخل بينما تتوسع الحرب على طول حدودها الجنوبية الشرقية

أنقرة – لم يجد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان-الطلق اللسان في العادة- الكثير ليقوله بينما كان المقاتلون المتشددون من ذوي العقيدة القريبة من تنظيم القاعدة يتوسعون من سوريا إلى العراق على طول الحدود الجنوبية الشرقية لتركيا في الشهر الماضي.

احتلت التصريحات التركية الصريحة المناهضة للحملة الأمنية للنظام السوري على المعارضة عناوين الصحف العالمية في الوقت الذي فتحت فيه أنقرة حدودها مع سوريا وضخت المساعدات عبرها للاجئين ومقاتلي المعارضة على حد سواء. لكن بعد مرور ثلاث سنوات تحول الوضع عند عتبة تركيا إلى كابوس أمني وإنساني امتد حاليا إلى العراق المجاور.

وطغى تقدم المقاتلين المتشدّدين وأزمة الرهائن الأتراك في العراق على حملة أردوغان ليصبح أول رئيس منتخب مباشرة من الشعب في تاريخ تركيا في الشهر المقبل.

جاء رد فعل أردوغان على الأزمة العراقية خافتا وخاليا من الخطاب الرنان أو الدعوات الدولية لاتخاذ خطوات عملية كان قد استخدمها في أزمات المنطقة السابقة مما يعتبر مؤشرا على السياسة التجريبية الجديدة في المنطقة والتي قد تترتب عليها أصداء واسعة. ودعا في موقفه إلى تجنب الضربات الجوية على المقاتلين المتشددين من دون أن ينعتهم بالإرهابيين.

وقال أوزغور أونلوهيسارسيكلي، من صندوق مارشال الألماني إن “لدى تركيا اليوم مخاوف أمنية لم تكن لديها قبل عامين، لهذا فإن شغلها الشاغل في سياساتها الخارجية اليوم هو ضمان أمنها الخاص عوضا عن محاولة تغيير المنطقة“.

وخفتت تصريحات أردوغان بشأن سوريا مؤخرا مقارنة مع دعواته في السابق إلى التدخل العسكري هناك إثر حملة أمنية شنها نظام الرئيس السوري بشار الأسد على معارضيه السنة عام 2011 وكذلك انتقاده اللاذع السابق للجيش في مصر الذي أطاح بالرئيس الإسلامي المنتخب محمد مرسي في العام الماضي.

وفي حين قد يخفف الانكفاء على السياسة الخارجية قدرا من التوتر المتصاعد في المنطقة لكنه قد يعني فترة خطرة من عدم وضوح الرؤية في وقت يتزايد فيه تهديد الأمن التركي، بسبب غياب السلطة، والذي يزداد اتساعا عند الحدود الجنوبية والشرقية.

بات اختطاف 80 مواطنا تركيا بينهم القنصل العام على أيدي مسلحي تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” -التي بات اسمها لاحقا “الدولة الإسلامية”- في 10 يونيو عرضة للانتقادات بينما يخوض أردوغان حملته الانتخابية.

وقال عثمان بهادير دنسر، الخبير في شؤون الشرق الأوسط في منظمة الدراسات الاستراتيجية الدولية في تركيا، إن “تأثير تركيا على قوة التغيير الداخلية في العراق اليوم محدود إلى أقصى الحدود ولا يمكنها اتخاذ أي خطوة ذات أهمية”.

لعب تركيا دورا أكثر ليونة يجعلها أقل عرضة للانقسامات مع الجيران ويتناغم مع الناخبين الرافضين للمغامرات الإقليمية


العقيدة


يقول المحللون إن أسلوب أنقرة الحذر حيال الأزمة العراقية يمثل نهاية حقبة كانت تتفوق فيها العقيدة على البراغماتية واتبع خلالها أردوغان خليطا مسموما من السياسات الخارجية والمحلية رغبة منه في أن يبدو قويا أمام قاعدته الشعبية المتحفظة ذات الأغلبية السنية.

لكن سياسة “انعدام المشاكل مع الجيران” تعثرت وحلت محلها علاقات متدهورة مع مصر وسوريا والعراق وإيران، بالاضافة إلى الولايات المتحدة والشركاء الأوروبيين.

وقال سفير تركيا لدى العراق بين عامي 2007 و2011 إن أنقرة انزلقت إلى خصومة شبه طائفية مع إيران خسرت بسببها إلى الأبد سمعتها كقوة غير متحيزة في المنطقة.

وقال السفير مراد أوزليك في جلسة إعلامية في أنقرة “قبل ثلاث سنوات كانت تركيا تعتبر قوة إقليمية مدهشة تستخدم قوتها الناعمة في العراق وكان جميع إخواننا في الشرق الأوسط يتطلعون إلينا”.

ولكن العلاقات المتوترة بشكل متزايد مع حكومة نوري المالكي -التي يغلب عليها الشيعة- بالإضافة إلى مزاعم قيام تركيا بدعم الجماعات المعارضة السنية في سوريا أذكت الشكوك بأن أردوغان بدأ يهجر مبادئ السياسة الخارجية التركية التقليدية القائمة على العلمانية والديمقراطية وتعزيز الروابط التجارية.

وأضاف “لو تمكننا من العودة إلى الوسطية فلن يكون هناك سبب يمنعنا من أن نصبح أصدقاء من جديد مع الشيعة ونسترد احترامنا في المنطقة. في الوقت الحالي لا أعتقد أن لتركيا قدرة كبيرة على التأثير الإيجابي والفعلي على مجريات الأحداث في العراق أو في المنطقة”.

من جانبه أكّد سنان أولجن، رئيس مركز الدراسات الاقتصادية والخارجية في اسطنبول، أن شعور أنقرة بالإحباط تجاه تخلي الولايات المتحدة وغيرها من الحلفاء الغربيين عنها -وهو موضوع معتاد في خطابات السياسة الخارجية التركية- جعل من تركيا الخيار الأقل ترجيحا لقيادة جهود التصدي لعدم الاستقرار في المنطقة.

وقال “من الأكيد أن انكفاء تركيا سيعود بالضرر على المنطقة ولكن الجزء الأكبر من هذا الانكفاء هو بسبب سياسات الكونغرس في واشنطن”.

يقول المحللون إن أسلوب أنقرة الحذر حيال الأزمة العراقية يمثل نهاية حقبة كانت تتفوق فيها العقيدة على البراغماتية


العودة إلى السياسة الواقعية


يقول المحللون إن التحديات الداخلية المتصاعدة في تركيا مثل الانتخابات والاقتصاد المترنح والاستقطاب المتنامي قد تعني العودة إلى السياسة الواقعية لحزب التنمية والعدالة في سنوات تأسيسه الأولى.

فسّر ذلك سنجيز أكتر، الباحث البارز في مركز اسطنبول للسياسات قائلا إن “الحكومة لا تتمتع بالرفاهية للعب دور مؤثر في المنطقة بعد الآن. بات أردوغان أكثر انشغالا بسياساته الرئاسية من مصير الأسد”.

ورأى أحد الدبلوماسيين أن أنقرة يمكنها العودة إلى السياسة الخارجية البراغماتية التي يحركها المال والتي أدت إلى ازدهار الأعمال التركية في المنطقة وخصوصا في عراق ما بعد الحرب.

وقال الدبلوماسي “ما هي المصالح التركية اليوم؟ الرخاء وتأمين الطاقة الرخيصة وعدم امتداد الإرهاب إلى أراضيها ولهذا فإن الأتراك مستعدون لفعل أي شيء لتحقيق هذا حتى لو كان بغيضا. لا يهم”.

لكن اتباع مثل هذه السياسة البراغماتية لن يمر دون تحديات، إذ أن أحد الموضوعات الشائكة سيكون ما إذا كانت تركيا ستدعم قيام دولة كردية في شمال العراق وسط تصريحات متناقضة للمسؤولين الحكوميين الأتراك حيال هذا الأمر.

فبعد خوضها حربا امتدت عقودا مع الانفصاليين الأكراد على أراضيها والتي قتلت أكثر من 40 ألف شخص حتى أطلق أردوغان مفاوضات لوقف إطلاق النار في العام الماضي قد تجد تركيا إعلان دولة كردية مستقلة في العراق خطوة محفوفة بالمخاطر.

لكن في الوقت ذاته أرست أنقرة في السنوات الأخيرة الماضية أفضل العلاقات مع إقليم كردستان شبه المستقل ووقعت اتفاقات قيمتها مليارات الدولارات معه لتوليد الطاقة في واحدة من النقاط المضيئة القليلة في سياساتها الخارجية الإقليمية.

وقال أولجن إن ذلك ربما سيشجع الأتراك (الأكراد العراقيين) “على الحصول على المزيد من الاستقلال الذاتي إذا لم يتحقق الاستقلال، مع العلم أن أنقرة تشكك في هذا الموضوع لكنها لن تحاول أن تتخذ خطوات عملية لإيقافه”. وأضاف “من وجهة نظر الدولة الإسلامية في العراق والشام فإن موقف تركيا الأقل تدخلا وعدائية (تجاه ما يحصل في العراق وسوريا) هو نعمة بالتأكيد”.

غير أن لعب تركيا دورا أكثر ليونة ربما يجعلها أقل عرضة لانقسامات مدمرة مع الجيران وعلى الأرجح يتناغم جيدا مع مزاج الناخبين الذين باتوا أقل تقبلا للمزيد من المغامرات الإقليمية.

وحذر دنسر من أن تركيا ستصارع للتأقلم مع الواقع المتغير وسط تسارع الأحداث بوتيرة مذهلة في المنطقة.

وقال “نحن نتكلم عن منطقة حرب على طول الحدود الجنوبية لتركيا التي تزداد الأمور تعقيدا بالنسبة إليها يوما بعد يوم وحتى صناع القرار فيها لا يملكون خططا حقيقية. إنهم في حالة من العجز".

7