دور عبادة تقرب بين الشباب الباحثين عن الزواج

جلسات تعارف جماعية في ظل الشرعية الدينية، ولجوء الشباب إلى دور العبادة لاختيار رفيق أسري مناسب يعكس التمرد على الأشكال النمطية للتعارف والارتباط.
الأحد 2018/12/09
أساليب بسيطة لكنها تلاقي الرضا

بدأت فئة من الشباب في عدة دول عربية باللجوء إلى المسجد أو الكنيسة لاختيار الشريك المناسب، بعيدا عن وصاية الأهل وشروطهم الاجتماعية والمادية، وتبرهن الفكرة في مجملها على امتعاض الشباب من طقوس وعادات وتقاليد المجتمع الخاصة بمراحل الارتباط عموما، سواء في فترة التعارف أو الخطبة أو الزواج.

القاهرة – بدأت فكرة تدخل دور العبادة للتقريب بين الشباب والفتيات الباحثين عن الزواج، تأخذ منحى تصاعديا بعد إخفاق مكاتب الزواج التقليدية في المهمة، وتحول بعضها إلى تجارة، وأحيانا تقوم بعمليات نصب، ومع رفض أكثر الشباب اللجوء إليها، أصبحت المساجد والكنائس بديلا أكثر ثقة وأمانا.

ويرتبط تقبل الأهل لفكرة لجوء الأبناء إلى دور العبادة للبحث عن شريك حياة، بالنضج الفكري والثقافي، والتخلّي عن عقدة عرضهم كسلعة تُباع وتُشترى، كما أن تمسك الشباب باختيار الرفيق الأسري بهذه الطريقة، يظل رهينا لشجاعتهم وقدرتهم على تجاوز التقاليد والأعراف التي تحكم الزواج في مجتمعات شرقية تعتبر أن توافق الأسرتين فكريا واجتماعيا يبقى في المرتبة الأولى، ويأتي قبول الشباب والفتاة لبعضها في مرتبة ثانية.

ريهام محمود (35 عام)، مهندسة مصرية من أسرة ثرية تعيش في حي الزمالك الراقي في قلب القاهرة، أقنعتها إحدى صديقاتها بالذهاب إلى أحد المساجد التي تقدم خدمة التعارف للتوفيق بين الشباب والفتيات، كأحد حلول أزمة تحقيق رغبات كل طرف في الشخص الذي يرغب في الارتباط به.

وقررت ريهام خوض التجربة دون الالتفات إلى الفوارق المادية والاجتماعية وتوافقت مع شاب كان قد تقدم إلى إدارة المسجد للغرض نفسه، ويمتهن التدريس في أحد المدارس الخاصة، ولم تهتم بكونه يعيش حياة بسيطة، ويعمل في مهنة لا تساعده على الوصول إلى مستواها الاجتماعي، ووافقت على الارتباط به، دون اكتراث بالعادات والتقاليد التي تتمسك بها أسرتها وتشترط الزواج من شاب لديه مستوى مادي مرتفع.

هناك أزمة يدفع ثمنها الشباب، تكمن في فرض المجتمع المحيط بالشاب والفتاة لآرائه ووجهات نظره في الحياة الشخصية حتى في الزواج

قالت ريهام لـ”العرب” إن الثراء ظل عقبة أمام زواجها، لأن الشباب كانوا يترددون في التقدم لخطبتها خوفا من أسرتها، وشروطها التي يُتوقع أن تكون خارج قدراتهم، لكنها قررت تحطيم القيود العقيمة من أجل شاب مناسب وقررت اللجوء إلى التعارف عن طريق إدارة أحد مساجد القاهرة، لافتة إلى أنها “فكرة جيدة تحظى بثقة الكثير من الشباب الآن”.

والتقت عددا من الشباب في المسجد، من أصحاب المستويات الاجتماعية المختلفة، فهناك أطباء ومهندسون ومعلمون وحملة ماجستير ودكتوراه، وجميعهم كانوا على استعداد للتضحية بالموروثات والعادات والتقاليد ونظرة المجتمع، للحصول على شريكة حياة توافقهم.

لكن أسرة ريهام قررت مقاطعتها، لأنها اختارت الزواج من شاب لا يناسبها ماديا واجتماعيا، وهي إشكالية تواجه الكثير من الشباب الراغبين في كسر القواعد الاجتماعية، كي يتحرروا من القيود والعادات التي حرمت كثيرين من تكوين أسرة قائمة على التفاهم والمحبة، وأجبرت البعض على خوض تجارب زواج فاشلة مسبقا إرضاء لرغبات الأهل.

ويقول الكثير من الشباب إنهم مقتنعون بمبدأ خاص بهم معتبرين أن الحياة بحرية والانفتاح على العلاقات العاطفية دون قيود أمر لا علاقة له بقرار الزواج، فعندما يقدم هؤلاء على اختيار شريكة للزواج يكون الوضع مختلفا، حيث يختار غالبيتهم الفتاة المحافظة، ولن يجد أي منهم أفضل من أماكن العبادة، مسجدا أو كنيسة، على اعتبار أن المترددات على هذه الأماكن لديهن قدر من التقديس للحياة الزوجية. في مشهد يعكس ازدواجية أفكار الشباب في الالتزام بالقيم الاجتماعية.

ظاهرة عربية

سرية تامة على الجلسات
سرية تامة على الجلسات

تعد السعودية من أولى الدول العربية التي نشرت التوفيق بين الشباب والفتيات عن طريق الجمعيات الخيرية التابعة لإدارات المساجد، وأنشأت مشروع التوفيق الخيري لراغبي الزواج، لمساعدة الشباب على اختيار شريك الحياة المناسب، مع مراعاة الضوابط الشرعية والأعراف الاجتماعية، ومن بعدها انتشرت الفكرة في مصر والسودان على نطاق واسع، ودخلت فيها الكنائس بجوار المساجد.

وظهر تنامي دور العبادة في تعارف الشباب والفتيات في مصر والسودان، مع زيادة أعداد اللاجئات السوريات، ولجوء بعضهن إلى طلب الاقتران بمصريين وسودانيين بشكل شرعي، دون شروط ترتبط بالمزايا المادية والمهور، شريطة الجدية والأمانة والصدق، وتطورت الفكرة إلى تقريب الجنسين من أبناء البلد الأم، لمعالجة أزمة تأخر الزواج.

وقال أحمد صابر، إمام أحد المساجد في القاهرة، لـ”العرب”، ويشارك في جلسات التقارب بين الشباب والفتيات، إن “ما يميز الكثير من الأجيال المعاصرة، عدم التشدد في اختيار شريك الحياة، وهو تطور لافت في فكر ووعي وثقافة الشباب، وقد تجد مهندسا صاحب مستوى اجتماعي راق، يستقر على الارتباط بفتاة من أسرة بسيطة، ولا يفكر سوى في الاستقرار”.

وأضاف “ظاهرة لجوء الكثير من الأجيال الجديدة التي تعيش التحضر وشغوفة بمحاكاة الحياة الغربية، إلى الزواج بأساليب بسيطة ينفي الصورة المأخوذة عن الشباب بأنهم يميلون للانحراف ولا يتحملون المسؤولية، ولا يزال الاستقرار ضمن أولوياتهم، شريطة يقين المجتمع المحيط بهم، أنهم أحرار في الاختيار، وقادرون على تحديد مسار الحياة دون التقيد بنمط محدد”.

ويرى شباب وفتيات تقدموا لمكاتب في دور العبادة للبحث عن شخص مناسب، تحدثت “العرب” مع بعضهم، أن أهم ما يميز هذه الأماكن المصداقية والانضباط والشرعية الدينية التي توفر رفيقا أكثر أمانا، وتضفي سرية تامة على الجلسات التي تعقدها بين الطرفين، ولا تفصح عن المعلومات الخاصة إلا بعد التوافق.

الأهل يضعون شروطا مرفوضة من الشباب، ومع الوقت تحولت هذه القيود إلى قوانين عائلية، كان ضمن ضحاياها، الباحثون عن شريك حياة في مسجد

ويقول هؤلاء إن “أكثر الشباب الذين يسلكون طرقا غير تقليدية للوصول إلى شريك الحياة، كانوا ضحية الرضوخ لرغبات الأسرة وتقاليد المجتمع التي لم تجن لهم سوى التعاسة، بدليل ارتفاع نسبة العنوسة، مقابل شغف هؤلاء بالبحث عن الاستقرار الأسري، هناك أزمة يدفع ثمنها الشباب، تكمن في فرض المجتمع المحيطة بالشاب والفتاة لآرائه ووجهات نظره في الحياة الشخصية حتى في الزواج”.

من هذه الفئة، أحمد سعيد، وهو شاب من القاهرة، يبلغ من العمر 32 عاما، ظل لسنوات يتمنى الزواج من فتاة سورية، وكان يريد البحث عن زوجة غير مصرية، لكن أسرته وقفت ضد رغبته، بدعوى أنها (أي الفتاة السورية) بلا عائلة، حتى ذهب ذات يوم إلى مسجد الحصري في مدينة 6 أكتوبر، في جنوب غرب القاهرة، وحدد رغبته في الزواج من سورية دون تحديد مواصفات مثالية.

كشف أحمد لـ”العرب” أن إدارة المسجد سهلت له المهمة، بعد فترة طويلة من الذهاب إلى مكاتب الزواج التقليدية دون فائدة، وتعّرف على فتاة عشرينية من سوريا، كانت تقدمت للمسجد لذات الغرض، وقرر خطبتها دون خضوع لرأي أسرته.. هنا الميزة (يقصد المسجد)، أنه يقدم الفتاة الأمينة الملتزمة الشغوفة بالاستقرار دون شروط مجحفة تسببت في عزوف أكثر الشباب عن الزواج.

يصعب الوصول إلى إحدى إدارات دور العبادة التي تقدم خدمة التقارب بين الشباب والفتيات بسهولة، لأنها تحافظ على صورتها ومصداقيتها إلى أقصى درجة، ويخشى العاملون من الأشخاص الذين لا يعرفونهم، ويرون أن أهم ما يميز هذا النوع من الزواج، الأمانة في الاختيار والتوفيق المبني على المعرفة المسبقة والسيرة العطرة، ما يطمئن الشباب.

وتحدث أحد الشباب الذين خاضوا التجربة لـ”العرب” عن طقوس تلك المنظومة، فالوصول إلى أحد مكاتب الزواج بإحدى دور العبادة يتطلب “توصية خاصة” من شخص كثير الإقدام على أحد المساجد ليصبح الترشيح أكثر ثقة ومنطقية.

ووقع الاختيار على مسجد الرحمن، صاحب المئذنتين والثلاث قباب، في مدينة 6 أكتوبر، ويمتاز بمساحته الكبيرة في منطقة منشأة حديثا تجمع طبقات عليا ومستويات اجتماعية راقية، كما تشهد حضورا لافتا لأبناء الجالية السورية.

جلسة خاصة

الأمانة في الاختيار والتوفيق المبني على المعرفة المسبقة والسيرة العطرة
الأمانة في الاختيار والتوفيق المبني على المعرفة المسبقة والسيرة العطرة

لا تقتصر جلسة التعارف التي يحددها إمام المسجد على طرفين فقط، بل يتم تنظيم تجمع يضم عشرة شباب ومثلهم فتيات، حضروا جميعا لذات الغرض، وتجمعوا بدار المناسبات الملحقة بالمسجد.

يبدأ الإمام بتوزيع أوراق مرقمة على الحضور، وعلى كل مشترك التحدث لدقائق في الموضوع المطروح. وتهدف تلك الأحاديث بحسب إمام الجامع، إلى كسر الجمود والتوتر وتعبير كل شخص بشكل صادق عن آرائه من أجل التقريب بين الحضور، ومحاولة لمس نقاط إعجاب خاصة بين الشباب والفتيات.

لا تستغرق الجلسة أكثر من ساعة، تنتهي بتوزيع ورقة أخرى يكتب فيها كل شخص من أثار إعجابه بتدوين رقم أو اثنين أو أكثر من الأرقام التي وضعت على رداء الحاضرين، وتوضع في صندوق خاص. ولاحقا يتم التواصل معهم من إدارة المسجد في حال تناسق الأرقام المختارة معا.

وإذا وقع اختيار الرقمين معا، يدعو العاملون بالمسجد الطرفين لجلسة ثنائية، يلتقيان لتبادل أطراف الحديث والتعارف بشكل أكبر ويصاحبهما أحد الأقارب، لتنتهي مهمة المسجد عند تلك النقطة.

وأكد محمد سعد، وهو شاب في نهاية العقد الثالث، تزوج منذ عامين عبر أحد المساجد، أن تلك الطريقة العصرية أضحت تناسب الشباب الجاد في الزواج، حيث تلعب دور العبادة دورا مميزا، بتسهيل التقارب بين جيران الحي الواحد ولا يسمح بدخول الغرباء. وتوفر شريك حياة ملتزما، ويتحلى بصفات خاصة، والميزة الأكبر أن الشخص من يختار ولا يُفرض عليه.

التقارب المبني على أسس دينية قد يقصر التلاقي على هذا البعد ويقصي الفئات الأخرى التي تكنّ العداء لفكرة الوصاية الدينية

يرى خبراء علم الاجتماع أن لجوء الشباب إلى دور العبادة لاختيار رفيق أسري مناسب، يعكس التمرد الواضح لدى الأجيال المعاصرة على الأشكال النمطية للتعارف والارتباط، وغياب الثقة في اختيارات الأهل، وسعيهم إلى تحمل مسؤولية اختياراتهم، كما أن الأمر يحمل في طياته استعداد الشباب المعاصر للاستقرار الأسري لكن بحاجة إلى تسهيلات بسيطة.

وأشار هؤلاء إلى أن الفكرة في مجملها تبرهن على امتعاض الشباب من طقوس وعادات وتقاليد المجتمع الخاصة بمراحل الارتباط عموما، سواء في فترة التعارف أو الخطبة أو الزواج، لأن الأهل يضعون شروطا مرفوضة من الطرف المستهدف (الشاب والفتاة)، ومع الوقت تحولت هذه القيود إلى قوانين عائلية، كان ضمن ضحاياها، هؤلاء الباحثون عن شريك حياة في مسجد.

وقالت وفاء سعيد، أستاذة علم الاجتماع بجامعة الإسكندرية (شمال القاهرة)، إنه رغم عصرية الفكرة وبساطتها، لكنها تحمل قدرا من المخاطرة، فقد تفاجأ الفتاة بأنها تعرضت لخديعة، لأن إدارات دور العبادة لن تبحث في نوايا الشاب، وكثيرا ما يفصح كل طرف على الجانب المميز لديه فقط، ويخفي عيوبه.

وأضافت لـ”العرب” أن نجاح الخطوات المترتبة على التعارف يتطلب تواجد متخصص أو خبير اجتماعي ونفسي يتولى عملية التوفيق بين الطرفين وشرح الطرق الصحية للتعارف والوئام، لأن غياب الخبرة والجانب العلمي التربوي الصحيح في تلك المناسبات الاجتماعية يعرض أصحابها لنتائج عكسية.

ورغم حالة القبول النسبي وتشجيع بعض من خاضوا تجارب ارتباط ناجحة عبر تلك المكاتب، إلا أن البعض شكك في قدرتها على تقديم خدمة نزيهة للشباب، لأنها لا تخضع لرقابة حكومية، كما أن التقارب المبني على أسس دينية قد يقصر التلاقي على هذا البعد ويقصي الفئات الأخرى التي تكنّ العداء لفكرة الوصاية الدينية.

19