دور مصر يتصاعد في سوريا.. وسيط معترف به من قوى فاعلة في الأزمة

أعلنت وزارة الدفاع الروسية الخميس التوصّل إلى اتفاق في القاهرة حول إنشاء منطقة ثالثة لتخفيف التوتر في سوريا شمال مدينة حمص السورية. ويأتي هذا الاتفاق بعد زمن قصير من رعاية مصر لاتفاق آخر بين روسيا والمعارضة السورية يخص منطقة الغوطة الشرقية، ضمن خطوات تسلط الضوء على الدور المصري الصاعد في الملف السوري.
الجمعة 2017/08/04
تدخل مزدوج الأهداف

لم تكن القاهرة راغبة في القيام بأي دور فاعل في الأزمة السورية على مدار السنوات الماضية، واكتفت بمراقبة الأوضاع عن كثب، وعندما سقط نظام الإخوان في مصر وتبيّنت الكثير من مخاطر الإرهاب الذي ضرب سيناء تأكدت أن ما يجري في سوريا له انعكاسات قوية على الأمن القومي لمصر.

وبدأت القاهرة تمد بصرها لمزيد من الاقتراب، لكنه اقتراب طفيف، وظل حذرا، وهي السمة الرئيسية التي كانت علامة بارزة وتتحكم في مفاصل السياسة الخارجية لمصر فترة من الوقت، إلى أن ظهرت تصريحات واضحة لعدد من المسؤولين صبّت في صالح مساندة نظام بشار الأسد، مع اعتراف بحق الشعب السوري في اختيار قيادته.

بقي الدور المصري مثيرا للحذر الزائد والتريث الفائق عن الحد، إلى أن بدأ الاستقرار يتضاعف في مصر، ويتم تطبيع العلاقات مع قوى خارجية متباينة سلمت بالأمر الواقع الجديد في البلاد، وتخلت عن شعارات ما يسمى بدعم “شرعية الإخوان”، ووصف ما جرى في 30 يونيو 2013 على أنه “انقلاب عسكري”” وقتها أعادت القاهرة ترتيب الكثير من أوراقها، أملا في أن تسترد عافيتها الإقليمية، ومن خلال البوابة السورية.

جرت مياه كثيفة، بعضها ظاهر ومعظمها خفي، بشأن موقف مصر من الأزمة، الذي فهمه كل طرف حسب المربع الذي يقف داخله، مؤيد للنظام السوري أم مؤيد للمعارضة؟

في ظل هذا التقسيم، استفادت القاهرة لأن حذرها مكّنها من تحقيق مكاسب نوعية، وقلل درجة عداواتها، باستثناء القوى التقليدية، المتطرفين وقطر وتركيا، وتحوّلت إلى وجه مقبول، أو غير مرفوض على الأقل، من جانب قوى كثيرة وفاعلة في الأزمة.

لذلك عندما تهيأت الظروف وجرى البحث عن لاعب إقليمي يصلح لدور الوسيط، لم تجد روسيا، وهي فاعل أساسي في الأراضي السورية، والولايات المتحدة وهي فاعل ثان، ولكل منهما حلفاء، غير مصر للدخول على هذا الخط، الأمر الذي بدا واقعا حقيقيا عندما نضج الاتجاه الرامي إلى التهدئة، وتطورت علاقات مصر مع السعودية، وأصبحت الأزمة السورية من أهم نقاط التوافق بعد أن كانت في مقدمة عناصر التنافر.

اتفاقا حمص والغوطة الشرقية لم يشملا جبهة النصرة وفيلق الرحمن بسبب رفض مصر التعامل مع أي تنظيمات متطرفة

اتفاقان مهمان

يتناسب دور الوسيط مع مصر، ووجد انسجاما لافتا في سياستها الخارجية على مدار أكثر من عقدين، وهو ما ظهر بوضوح (ولا يزال) في القضية الفلسطينية، بالتالي فاستدعاء القاهرة كوسيط في البعض من جوانب الأزمة السورية يتسق مع التاريخ والجغرافيا والسياسة والأمن أيضا.

عندما أعلن عن نجاح وساطة مصر في الغوطة الشرقية بالتنسيق مع روسيا الشهر الماضي، قيل إن هذا الدور لن يتجاوز هذه الحدود ثم يتلاشى، لكن “العرب” نشرت منذ أسبوع أنه سيكون لمصر دور أكبر في سوريا، تستعد للقيام به بالتنسيق مع أطراف إقليمية ودولية.

وعندما تم الإعلان عن هدنة في شمالي حمص (دخلت حيز التنفيذ ظهر الخميس 3 أغسطس 2017)، بدأ الحديث يتزايد عن هذه المسألة، التي تتجاوز الحدود الظاهرة إلى كثير من التحليلات، فهو يأتي ضمن انسجام وتوافق مع قوى مؤثرة، ويتوافق مع مجمل الأهداف الاستراتيجية التي يهدف إليها الرباعي المصري والسعودي والإماراتي والبحريني.

وكانت محادثات عقدت في القاهرة في 31 يوليو الماضي بين ممثلي وزارة الدفاع الروسية وفصائل من المعارضة السورية، تكوّنت من ممثلين عن جيش الإسلام وحركة أحرار الشام، علاوة على وفد رسمي يمثل النظام السوري، وتم التوصل إلى اتفاق حول نظام عمل منطقة خفض التصعيد الثالثة، شمالي مدينة حمص، وتضم 84 بلدة، والمنطقة تضم مناطق يسكنها نحو 150 ألف شخص. ويتقاتل في حمص 4 قوى رئيسية، هي: أحرار الشام وجيش الإسلام (يبلغ عدد مقاتليهما نحو 30 ألف عنصر) وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) فضلا عن تواجد ضعيف لعناصر تنتمي إلى تنظيم الدولة الإسلامية.

ونجحت القاهرة في 22 يوليو الماضي في الوساطة وتوقيع اتفاق هدنة في الغوطة الشرقية بالتنسيق مع وزارة الدفاع الروسية. وتضمن الاتفاق وقف جميع أنواع العمليات القتالية من قبل الجيش السوري وقوات المعارضة.

وتتمركز الشرطة العسكرية الروسية في نقاط مراقبة عند مدخل الغوطة الشرقية لمراقبة مدى الالتزام بوقف إطلاق النار.

لم يشمل اتفاقا الغوطة الشرقية وحمص جبهة النصرة وفيلق الرحمن بسبب الرفض المصري القاطع للتعامل مع أيّ تنظيمات إرهابية ومتطرفة مدعومة من قوى إقليمية، فأحد أهداف القاهرة تجفيف المنابع التي تعتمد عليها الدوحة في المنطقة وكشف ألاعيبها.

مصر تتحرك في سوريا بموجب تفاهم وتعاون وتنسيق مع كل من السعودية والإمارات والبحرين، يعني ضمن التحالف الرباعي الصاعد وليست منفصلة عنه كما يتصوّر البعض

وأشار اتفاق حمص إلى وقف الأعمال القتالية والعدائية والسماح بوجود ممرات أمنة وإدخال المساعدات والمعونات الإنسانية من قبل هيئات دولية والتعهد بالابتعاد عن جبهة النصرة، بل وقتالها حال ظهورها.

ورفضت مصر الطلب الذي تقدّم به وفد كل من أحرار الشام وجيش الإسلام والخاص بوجود ضمانات للهدنة من قبل تركيا وقطر، لأن القاهرة لا تريد أن يكون لكليهما أي دور في الوساطة التي تقوم بها بالتنسيق مع روسيا لفتح الطريق أمام تسوية حقيقية.

حسابات وتقديرات

ما يجري بخصوص الوساطة المصرية عملية معقدة تدخل فيها حسابات وتقديرات مختلفة، ربما يكون الدور الروسي مفهوما بحكم العلاقات الوثيقة بين موسكو والقاهرة، والتي تمتد وتشمل قضايا وملفات تتعدى حدود سوريا، لكن هناك ثلاثة عوامل تلعب دورا مهما في تعزيزه خلال الفترة المقبلة.

العامل الأول: أن مصر تتحرك في سوريا بموجب تفاهم وتعاون وتنسيق مع كل من السعودية والإمارات والبحرين، يعني ضمن التحالف الرباعي الصاعد وليست منفصلة عنه كما يتصوّر البعض، الأمر الذي يفسر التقدم الذي أحرزته حتى الآن.

وعلمت “العرب” من مصادر سياسية في القاهرة أن لقاءات وزراء خارجية الدول الأربع لا تقتصر فقط على الأزمة القطرية وطرق مواجهتها وأدوات ردع الدوحة، فالاجتماعات التي عقدت في كل من القاهرة وجدة والمنامة مؤخرا، تطرّقت إلى حزمة قضايا إقليمية، أبرزها الأزمة السورية، والتي ليست بعيدة عن مجال المواجهة مع قطر، وجرى الاتفاق على أن تكون القاهرة رأس الحربة في هذا التحالف والتمهيد للتسوية، بحكم مؤهلات كثيرة تملكها مصر حاليا.

سوريا مفتاح حقيقي للدور الإقليمي لمصر، والنجاح في الوساطة يمكن أن يكون مقدمة لأدوار أخرى أكثر أهمية في المنطقة

العامل الثاني: أن الرئيس السوري بشار الأسد يرتاح لدور مصر التي أعلنت أكثر من مرة مساندتها لوحدة الدولة السورية وتأييدها للجيوش الوطنية وعقدت سلسلة طويلة من الاجتماعات في القاهرة ودمشق، حضرتها وفود أمنية رفيعة المستوى من الدولتين، ومعظمها لم يتم الإعلان عنه، والقليل تم الكشف عنه، وقدّمت مصر مساعدات فنية وخبرات أمنية كبيرة لسوريا.

وقالت المصادر لـ”العرب” إن قبول وارتياح دمشق لدور القاهرة كان الفيصل في نجاح اتفاقي الغوطة ثم حمص، لأن الأسد يدرك أن مصر حليف رئيسي له، ولديهما قواسم مشتركة تعزز أواصره، كما أن الإدراك التاريخي أن أمن مصر يبدأ من سوريا يسيطر على التقديرات الإستراتيجية للجيش المصري، لذلك يتم الدفاع، بوسائل مختلفة، عن عدم سقوط النظام السوري، خوفا من انهيار مكونات الدولة، ووصول تداعياتها للعمق المصري.

العامل الثالث: لدى المصريين اعتقاد جازم أن سوريا مفتاح حقيقي للدور الإقليمي لمصر، والنجاح في الوساطة يمكن أن يكون مقدمة لأدوار أخرى أكثر أهمية في المنطقة، وكل تقدم معنوي يتحقق للقاهرة يمثل مكسبا له ويساعد على توسيع نطاق دور بلاده.

لهذه الأهمية أصبح الملف السوري في حوزة الرئيس عبدالفتاح السيسي شخصيا ويولي له اهتماما خاصا، ويأمل أن يصل الآخرون لقناعات بأن مصر وسيط يستطيع تذليل الكثير من العقبات، ليس من واقع الخبرة في هذا الفضاء فقط، لكن بحكم الدراية بتفاصيل عديدة في سوريا، والرغبة في تطويق ارتدادات الأزمة هناك على المنطقة، من خلال عمليات نشر الإرهاب وعودة المتشددين من سوريا، والتي تجد من يرعونها ويقدمون الدعم اللازم لها.

وتظل التحديات التي تواجه القاهرة، وتتمثل في القوى الرافضة لتواجدها (تركيا وقطر والفصائل الإرهابية التي تدور في فلكهما) عاملا جوهريا في تحديد مصير الدور المصري في سوريا.

كاتب مصري

7