دوسان ماكافييف أول من تحدى"تابو" الجنس في يوغسلافيا السابقة

الأحد 2015/05/24
دوسان ماكافييف شغلته العلاقة بين القهر العاطفي والجنسي والقهر الاجتماعي

دوسان ماكافييف Dusan Makavejev هو أحد الأسماء الكبيرة التي برزت في السينما اليوغسلافية في الستينات، في عصر ازدهار الحركات الجديدة في السينما العالمية من خلال أفلامه الشهيرة “الإنسان ليس طائرا” (1965)، و”علاقة حب” أو “قضية اختفاء عاملة تليفون” (1967)، ثم “ألغاز الكائن الحي” (1971).

ولكن مشكلة ماكافييف أنه كغيره من كبار فناني السينما في العالم، الذين يعبرون عن رؤاهم الذاتية للعالم من خلال أفلامهم، أراد دائما أن يستخدم السينما كما يستخدم الشاعر الورقة والقلم، وكما يستخدم الرسام الريشة والألوان واللوحة، من أجل التحرر من قيود الشكل، والانطلاق نحو التعبير عما يؤرقه شخصيا. وخلال هذا السعي إلى التحرر من قيود المضمون، كان لا بد أن يشق طريقه نحو التحرر من قيود الشكل، أي أن يحطم لغة الفيلم السائدة.

انطلق ماكافييف من البحث في العلاقة بين القهر العاطفي والجنسي، والقهر الاجتماعي والسياسي، إلى أن وصل في أفلامه، إلى رفض المؤسسات الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة في يوغسلافيا في الستينات، رافضا في الوقت نفسه منهج “الواقعية النقدية” أو “الواقعية الاشتراكية”، مفضلا الإبحار في اللامعقول والعبث، ووصل بالتالي إلى حدود الفوضوية مضمونا، والسوريالية شكلا.

ولكن لأن الفيلم يختلف عن الكتاب وعن اللوحة، فهو يحتاج إلى دعم مالي كبير ويخضع على نحو ما، لسوق توزيع ذات مواصفات محددة، كان طبيعيا أن تصطدم طموحات ماكافييف الخاصة بالعقليات السائدة التي تهيمن على المؤسسات السينمائية وشركات الإنتاج في الشرق كما في الغرب.

في يوغسلافيا السابقة، حيث بدأ ماكافييف عمله السينمائي وأخرج أفلامه الأولى في الستينات، اصطدمت إرادته وطموحاته مع الأسس والمقاييس البيروقراطية التي كانت تحكم نظرة الأجهزة الحزبية والسياسية المسؤولة التي استشعرت خطرا من اتجاهه إلى تصوير تفاصيل عن العلاقة بين الجنس والتمرد ورفض القوانين المفروضة، التي تعلي من شأن المجموعة وتغفل وجود الفرد واحتياجاته في المجتمع.

كان فيلمه الأول “الإنسان ليس طائرا” (1965) أقرب إلى السوريالية منه إلى الجودارية (نسبة إلى جودار)، وكان من الممكن أن نرى فيه أيضا شذرات من عالم لوي بونويل، أعظم السينمائيين السورياليين، ومن منهج بريخت في “المسرح الملحمي”. وقد تأكد أسلوبه هذا في فيلمه التالي “اختفاء عاملة تليفون” الذي يعتمد على المزج بين التسجيلي والروائي، وعلى المحاضرات الخطابية الساخرة، والتحرر الكبير في تصوير الجنس والجسد الإنساني في مشاهد عري كامل، لم تكن مألوفة حينذاك في سينما أوروبا الشرقية، مما سبب إحراجا كبيرا للسلطات، ومن هنا بدأت متاعبه مع الرقابة في بلاده.

مشكلة ماكافييف أنه كغيره من كبار فناني السينما في العالم، الذين يعبرون عن رؤاهم الذاتية للعالم من خلال أفلامهم، أراد دائما أن يستخدم السينما كما يستخدم الشاعر الورقة والقلم

مشاكل لا تنتهي

إلا أن متاعب ماكافييف الحقيقية بدأت مع فيلمه “ألغاز الكائن الحي” الذي صور جزءا كبيرا منه في الولايات المتحدة. هنا يصل نقده اللاذع إلى ذروته في التعبير عن رفض المؤسسة السياسية الاجتماعية بأسرها، مؤسسة الدولة وسلطة الحزب في النظام الشيوعي، ومؤسسات المال والإنتاج بالجملة في المجتمع الرأسمالي، وقد وضع كل تلك المؤسسات التي تحدّ من حرية الإنسان، في سلة واحدة، مدافعا عن فكرة الحرية الفردية، حرية التعبير والحب والجنس بلا قيود ولا حدود.

ماكافييف يرى علاقة وطيدة بين قمع الأنظمة الستالينية في أوروبا الشرقية للفرد، وبين قمع المؤسسات الاقتصادية في الغرب للإنسان بطريقة أخرى. فعلى حين أن الإنسان مجرد ترس في آلة بيروقراطية ضخمة هي آلة “الحزب” في المجتمع الشيوعي، فهو في المجتمع الرأسمالي مجرد “مسمار” صغير في آلة الإنتاج الرأسمالي.

وقد بلغت مشاكل ماكافييف مع السلطات ذروتها بعدما شرع في تصوير فيلم “فيلم لطيف” في بلغراد عام 1973، وقد ضيقت السلطات عليه الخناق، فلم يتمكن من استكمال العمل في الفيلم، فرحل إلى الغرب حيث رحبت به في البداية الأوساط السينمائية التي كان قد أصبح معروفا لديها كواحد من أوائل المتمردين على قوالب سينما الدعاية السياسية الرسمية في أوروبا الشرقية، لكنه سرعان ما واجه المشاكل في الغرب أيضا بسبب ما اعتبر جرأة تتجاوز كل الحدود في تصوير الجنس، ولم يتمكن من إكمال تصوير فيلمه إلا بعد ترحال طويل من كندا إلى هولندا ومنها إلى فرنسا. ولكن الفيلم منع في عدد كبير من الدول الأوروبية، ومازال ممنوعا حتى يومنا هذا. وفي عام 1981 نجح ماكافييف في إخراج فيلم “مونتنغرو” (1981) في السويد، معيدا تذكير الجمهور بموهبته السينمائية المتألقة وأسلوبه الخاص في التعبير السينمائي. ومن السويد يطرق ماكافييف الأبواب هنا وهناك إلى أن جاءته فرصة إخراج فيلم “طفل الكوكاكولا” The Coca Cola Kid في أستراليا عام 1985، وإن لم يصل بالطبع إلى جرأته المعروفة في الشكل والمضمون، التي بلغها في “ألغاز الكائن البشري”، الذي يعد الفيلم الأكثر رسوخا في ذاكرة عشاق السينما في العالم حتى يومنا هذا من أفلام ماكافييف.

رغم جرأة ماكافييف السياسية ظلت افكاره النقدية تدور في محور أخلاقي

في الولايات المتحدة التي استقر بها، أخرج ماكافييف فيلم “مانيفستو” (1988) عن رواية لإميل زولا، بعد أن أعاد صياغة أحداثها وشخصياتها وجعلها تدور في إحدى بلدان أوروبا الشرقية التي يحكمها دكتاتور. وبعد انهيار المنظومة السوفيتية في شرق أوروبا في أوائل التسعينات، أخرج ماكافييف فيلم “الغوريلا تستحم عند الظهر” (1993). وتدور أحداثه في ألمانيا بعد سقوط جدار برلين، وفيه يرصد الحالة العبثية لضابط سوفيتي يفشل في اللحاق بالقطار الذي يحمل الجنود السوفيت العائدين من برلين إلى الاتحاد السوفيتي، فيبقى في برلين ويصبح رجلا هائما على وجهه، يستدعي ماضيه عندما كان الاتحاد السوفيتي قوة عظمى.

في عام 1994 عاد ماكافييف إلى يوغسلافيا لكي يصور فيلمه التسجيلي “ثقب في الروح” الذي يتأمل خلاله، في مسار حياته وعمله السينمائي، ثم أخرج جزءا بعنوان “حلم” في الفيلم الدنماركي “الدنماركيات لا يخفين شيئا” (1996) وكان هذا آخر ما أخرجه قبل أن يتفرغ لتدريس السينما في الولايات المتحدة.

غير أن أحد أهم أفلامه هو الفيلم التسجيلي الطويل “براءة لا حماية لها” (1968) الذي فاز بجائزة الدب الفضي في مهرجان برلين السينمائي في ذلك العام. هذا الفيلم الذي يتخذ الشكل التسجيلي، يدور حول أول فيلم ناطق صنع في صربيا عام 1942 أثناء الاحتلال النازي، وهو فيلم تم تجاهله طويلا إلى أن أعاد ماكافييف له الاعتبار.

الفيلم يتخذ شكلا دراميا من حيث البناء، إذ يتضمن الكثير من لحظات المرح والسخرية وتعدد الأساليب، وهو يشمل لقطات بالأبيض والأسود والألوان، بالشاشة العريضة والصورة العادية، مشاهد فلاش باك ومشاهد وثائقية لهتلر وحاشيته، وفيه يظهر صانعه ليعلن أنه المسؤول الأول عن ظهور السينما اليوغسلافية. وعن الفيلم كتب الناقد الأميركي الراحل روجر إيبرت يقول “أكثر من أي مخرج آخر منذ جان لوك جودار، يتمكن ماكافييف من الانتقال إلى الأمام والعودة إلى الوراء، منتقلا عبر الخط الذي يفصل الفيلم عن الواقع. هذا فيلم داخل فيلم، ولكنه أيضا فيلم عن فيلم هناك فيلم في داخله. وقد يبدو هذا هراء، لكني أعني ما أقوله حرفيا. إن ماكافييف يعمل في عالم من صنعه الخاص”.

ألغاز الكائن الحي

أما الفيلم الذي ظل عالقا في أذهان عشاق سينما الفن في العالم حتى يومنا هذا، فهو فيلمه “ألغاز الكائن البشري” الذي أخرجه عام 1971، والذي أثار وقت ظهوره ضجة كبرى بسبب جرأته الشديدة في اقتحام موضوع شديد الصعوبة، إذ كان يوجه نقدا عنيفا ساخرا للستالينية ويتبنى دعوة الفيلسوف الألماني فيلهلم رايش، الذي عرف بكتاباته التي تربط بين القمع السياسي والقمع الجنسي، والذي انتهى الأمر إلى إحراق كتبه على أيدي أتباع المكارثية في الولايات المتحدة التي كان قد استقر بها، ثم حكم عليه بالسجن وظل فيه إلى أن قضى نحبه.

بلغت مشاكل ماكاييف مع السلطات بدأتن ذروتها بعدما شرع في تصوير فيلم "فيلم لطيف" في بلغراد عام 1973، وقد ضيقت السلطات عليه الخناق، فلم يتمكن من استكمال العمل في الفيلم، فرحل إلى الغرب

بطلة فيلم “ألغاز الكائن الحي” فتاة يوغسلافية، مؤمنة تماما بشعارات الحزب الشيوعي ومبادئه، تقع ذات يوم في غرام نجم روسي استعراضي متخصص في الرقص على الجليد، وتسعى بشتى الطرق لمخاطبة الجانب الإنساني العاطفي فيه وإثارة غريزته الجنسية كرجل، بحكم فتنتها وقدرتها على الإغواء، لكن كل محاولاتها تبوء بالفشل، فهو نتاج لآلة القهر السوفيتية التي أفقدته إنسانيته، بل ومارست عليه نوعا من “الإخصاء” النفسي، وعندما يرضخ في نهاية الأمر للإغواء، ينهي الأمر بمأساة، فهو يعجز فيقوم بقتلها وفصل رأسها عن جسدها، وفي المشرحة التي توضع فيها جثة الفتاة ورأسها المقطوعة، تبتسم الفتاة في اللقطة الأخيرة من الفيلم في إشارة إلى أن المشاهدين سيدركون الحقيقة يوما ما.

يستخدم ماكافييف في فيلمه لقطات كثيرة من الأفلام السوفيتية التي تمجد “ستالين”، تتقاطع هذه اللقطات، مع تعليقات لبطلة الفيلم، أو العامل اليوغسلافي الذي يتردد على مسكنها، معبرا عن سخريته من تلك الصور النمطية السطحية الدعائية الزائفة لستالين، والتي تصوره كنصف إله، ويمزج ماكافييف هذه المشاهد مع لقطات لممارسة الجنس، والحديث المتحرر كثيرا حول الرغبة، في إشارات واضحة تصل إلى التشكيك في قدرات ستالين الذكورية.

في أحد المشاهد تقف البطلة على سلم المنزل، وفي خلفية اللقطة نرى زميلتها في السكن وهي تمارس الجنس مع شاب، وتبدأ البطلة في الحديث عن معنى الحرية، وتحديدا الحرية الجنسية، إلى أن يخرج الجيران من مساكنهم المجاورة، فيشتركون جميعا في مشهد احتجاج جماعي صاخب يصل إلى ذروة السخرية السوداء.

هناك تعارض دائم بين التقليدي والمتحرر، المتزمت والمنطلق، المحافظ والليبرالي، سواء في طريقة أداء الشخصيات أو في ملامحها الخارجية وملابسها وحركاتها والحوار الذي يأتي على ألسنتها. وينحاز ماكافييف طوال الوقت، إلى الطرف الثاني في مواجهة الأول، إلا أنه يعبر أيضا، وعلى نحو ما، عن ذلك التناقض بين الرؤيتين، لذلك نجد هنا ملامح من مسرح “السيكودراما”.

ورغم جرأة ماكافييف السياسية إلا أن أفكاره النقدية تدور في معظم أفلامه على محور أخلاقي واضح، وهو لا يفوت الفرصة لتقديم صرخة احتجاج أخلاقية ضد ما يحدث في العالم من قهر، وربما لهذا السبب واجه فيلمه هذا غضب الكثير من الجماعات المؤيدة والمتعاطفة مع أفكار فيلهلم رايش، الذين رأوا أن ماكافييف يقدم مفهوما أحاديا لأفكار الفيلسوف الألماني، تنطلق كلها من زاوية الربط بين التحرر السياسي والتحرر الجنسي على نحو مجرد، وأنه يتعامل بالتالي، مع جانب واحد فقط من طروحات رايش خلال الفترة الأخيرة من حياته.

16