دوستويفسكي والإرهاب

دستويفسكي سبح ضد التيار مثلما هو حاله دائما وأبدا. وفي النهاية كسب الرهان، ذلك أن التاريخ الروسي والعالمي أثبت أن الإرهاب لا يقود إلا إلى المزيد من المآسي.
الثلاثاء 2018/06/12
الإرهاب لا يقود إلا إلى المزيد من المآسي والفواجع

فجر يوم الثاني والعشرين من شهر أبريل 1849، داهمت الشرطة القيصرية الغرفة التي كان ينام فيها الطالب الشاب فيودور دوستويفسكي لتقوده إلى السجن مع مجموعة من رفاقه بتهمة إعداد مؤامرة لاغتيال القيصر نيقولا الأول. وفي نهاية المحاكمة، حُكم عليه بالإعدام. لكن قبل لحظات من تنفيذ الحكم المذكور، صدر عفو قيصري على دستويفسكي، وأرسل إلى سيبيريا ليمضي فيها أربعة أعوام بين عتاة اللصوص والمجرمين. وسوف يكون للتجربة السيبيرية هذه، والتي سيخلدها في عمله “ذكريات بيت الموتى” تأثير حاسم على مساره الفكري والإبداعي. وسوف تكون أغلب الروائع التي سوف يكتبها انطلاقا من العام 1860، مثل “الجريمة والعقاب”،و”الأبله”، و”الإخوة كارامازوف”و”الشياطين”، وغيرها موسومة بمرارة وجراح تلك التجربة المريرة والقاسية التي أعادته إلى الإيمان بالله ، وإلى المسيحية الأورثوذوكسية.

والحقيقة أن دستويسفكي لم ينتسب إلى مجموعة إرهابية بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولم تكن له أبدا نية اغتيال القيصر. كل ما في الأمر أن الفشل الذريع الذي مني به في بدايات مسيرته الإبداعية، دفعه إلى ارتياد الحلقات الثورية السرية التي كانت تناقش أطروحات وأفكار الفلاسفة والمفكرين والمنظرين الاشتراكيين الذين برزوا في ذلك الوقت، والذين كانوا يدعون إلى الثورة على النظام القيصري، رمز الظلم والاستبداد بالنسبة إليهم.

وبداية من عام 1850، شرعت السلطات الروسية في التحرك للبطش بالمعارضين لها، مُظهرة قسوة شديدة في قمعها. وبسبب المطاردات والملاحقات التي كان يتعرض لها المناضلون الثوريون، والمترددون على الحلقات السرية، ظهرت تيارات متطرفة تدعو إلى ما أسمته بـ”العنف الثوري”، وعليه تحرض بهدف الإطاحة بالنظام القيصري. وكان باكونين الذي أمضى الشطر الأكبر من حياته متجولا عبر البلدان الأوروبية، محرضا على الثورة العنيفة.

ولأنه ارتاب في أمر أحد المنتسبين إلى المنظمة التي كان يشرف عليها ظانا أنه قد يكون جاسوسا للنظام القيصري، فإنه لم يتردد في قتله، وإلقاء جثته في أحد المستنقعات. وكان لذلك الحادث المأساوي الأليم بالغ الأثر على فيدور دسويفسكي. لذا سارع بجعله الموضوع الأساسي لروايته “الشياطين” التي عالج من خلالها مسألة الإرهاب الذي استفحل في روسيا تلك الفترة.

ومثلما هو الحال في مجمل أعماله الروائية، أظهر دستويفسكي في “الشياطين”،أنه روائي الأفكار بامتياز. لذا فإن الشخصيات في هذه الرواية لا تخضع إلى القوانين السايكولوجية التي تفرضها الحياة الاجتماعية مثلما هو الحال عند بالزاك أو ديكنز، وإنما “هي ترضخ إلى الأفكار التي تحركها، ومن خلالها يتجلى مصيرها”. وقد حرص دستويفسكي على أن تكون روايته من البداية إلى النهاية ردا واضحا على أطروحات الثوريين الاشتراكيين الروس الذين كانوا يعتقدون أن خلاص روسيا، والشعب الروسي، لا يمكن أن يتم إلا بالإطاحة بالنظام القيصري، وبتقويض السلطة الروحية التي تمتلكها الكنيسة الأرثوذوكسية.

وقبل أن يشرع في كتابة “الشياطين”، كتب دستويفسكي إلى أحد أصدقائه يقول “سأقول كل شيء في روايتي القادمة. ومن البداية إلى النهاية”. وفعلا كان الأمر كذلك. فقد فضح صاحب “الجريمة والعقاب” المنظمات واالتيارات الثورية الروسية التي كانت تشرع الإرهاب آنذاك، منتقدا إياها بشدة متناهية. وبذلك أثبت أنه روائي فذ وشجاع. ففي تلك الفترة العصيبة من تاريخ روسيا، كانت مواجهة مثل تلك التيارات أمرا خطيرا.

لذا كان أغلب المثقفين والكتاب والمفكرين يسعون إلى تفادي ذلك، بل إنهم كانوا يسعون لتبرير ما كانت تقترفه من أعمال وجرائم باسم الثورة والشعب، محاولة لكسب ودها. أما دستويفسكي فقد سبح ضد التيار مثلما هو حاله دائما وأبدا. وفي النهاية كسب الرهان، ذلك أن التاريخ الروسي والعالمي أثبت أن الإرهاب لا يقود إلا إلى المزيد من المآسي والفواجع.

14