دوستويفسكي يحضر في العاصمة الأفغانية كابول

التجرؤ على قراءة دوستويفسكي يعتبر مغامرة، ناهيك عن الكتابة عنه أو استدعائه ضمن نص روائي، هذا ما قام به الروائي الأفغاني عتيق رحيمي في روايته "ملعون دوستويفسكي"، الصادرة عن دار "الساقي"، في طبعة جديدة هذا العام من ترجمة صالح الأشمر، إذ نرى أنفسنا أمام رواية تستفيد من تقنيات سرد ما بعد الحداثة لتتداخل الحقيقة التاريخية مع نص الرواية ونص دوستويفسكي، لنكتشف عوالم من القهر والخراب إلى جانب حضور الفساد السياسي والديني وتساؤلات حول الموت والعدالة ومعناهما.
السبت 2015/08/29
القارئ يكتشف عوالم من القهر والخراب إلى جانب حضور الفساد السياسي والديني

تبدأ رواية “ملعون دوستويفسكي”، للكاتب عتيق رحيمي بصوت الراوي وهو يصف جريمة القتل التي ارتكبها رسول وكيف استعاد رواية الجريمة والعقاب أثناء ارتكابه لها، حيث قارن رسول القاتل براسكولينكولف، لتتضح بعدها تفاصيل جريمة القتل العبثي التي ارتكبها رسول.

وبعكس راسكلوينكولف لم يقم رسول بسرقة النقود والمجوهرات من المرابية، بل هرب بعد قتلها خالي الوفاض ليكتشف لاحقا اختفاء الجثة، بعدها، يدخل في هلوسات تلازم تصرفاته، ويفقد صوته ثم يسعى إلى الاعتراف بجريمته طلبا للمحاكمة على فعلته العبثية، حينها تحضر صيغة التهكم المرتبطة بفساد مؤسسات الدولة في كابول مع النزعة الإنسانية المفرطة لدى برويز المحقق الذي يموت شنقا بالمصادفة، وينتهي بعدها رسول مع خطيبته في عالم متخيل لا ندري إن كان موجودا أم لا، وهل فعلا قتل أم هو مجنون يستدعي راسكولينكولف إثر قراءته للرواية، أم هي مجرد خيالات دونها إثر عشقه لصوفيا؟

حقيقة السرد

يستعين رحيمي بحبكة الجريمة والعقاب ليبني الحكاية التي يمكن لقارئ الرواية أن يتوقعها، لكنه يستخدم تقنيات مختلفة لمحاكمة الحبكة نفسها التي قدمها ديستويفسكي كذلك التشكيك بالدوافع الأخلاقية لدى كل من رسول وراسكولينكولف.

فرسول شاب يحب فتاة تدعى صوفيا، أبوها متوفى إلى جانب محاولته مساعدة أمه وأخته التي سيتزوجها أحدهم مقابل المال، فيلجأ للقتل بهدف السرقة، إلا أنه ينفذ الأولى ويفشل في الثانية، آماله وطموحاته مشابهة لتلك التي يمتلكها راسكولينكلوف لكن آلية محاكمة الحدث مختلفة، رسول محاط بالموت، جريمته لا تعني أي شيء لأحد، القتل الذي قام به تلاشت الأدلة التي تثبته، بل أن فكرة الجريمة تتلاشى، ليصبح التشكيك في حقيقة ما يحصل نزعة لدى القارئ والشخصيات المحيطة برسول ضمن السرد، بل إننا نرى أن الراوي نفسه أحيانا يعرف أكثر من رسول، فيحدثه ويسائل تصرفاته، بل حتى أنه يأمره ببعض التصرفات، وهذا ما ينكشف في النهاية.

عتيق رحيمي قادر على التلاعب بالتقنيات السردية مثبتا قدرته كروائي

وكأن الرواية بصوت من يدون القصة في سبيل جعلها منطقية لأنه حتى هو نفسه لا يصدقها، ما يجعل فعل التدوين في حد ذاته تشكيكا في حقيقة ما مر به رسول، فصوته يتلاشى سرديا وحقيقة ضمن الرواية، إذ يفقده ويستعيده عندما تبدأ محاكمته كما نكتشف أن من يدون أقوال رسول في السجن هو كاتب المكتبة.

تدخل الخرافة ضمن الرواية ما يجعل كل تصرفات رسول تخضع للتشكيك وكذلك التشكيك في الراوي نفسه، فرسول يتعاطى الحشيش وشبه مشرّد، والجريمة التي ارتكبها لا شهود عليها لا جثة ولا دماء كل شيء اختفى، لتبرز هنا الحقيقة العبثية واللاجدوى التي أصابت رسول بالشلل وكأنه لم يفعل شيئا وكأنّ كلّ ما حدث وليد خياله، ليصبح ضحية نفسه.

تحضر كذلك القصص الشعبية التي نسمعها والتي نظنها فقط حكايات لا واقعية نرى جزءا منها يحصل، كقطع الرؤوس وبيع أشلاء الفتيات كلحم للطعام، كل هذا يصيب رسول بما يشبه الصرع، كيف يتصرف؟ القتل الذي جربه مرة يفشل في تكرار تنفيذه مرّة ثانية، فهل حقيقة هو الذي قتل العجوز ليساعد خطيبته، وهل التي رآها تهرب بالجواهر من بيت المرابيّة هي حقيقة أم من محض خياله أم هو ببساطة يمزج هلوساته مع رواية الجريمة والعقاب التي كان بصدد قراءتها.

رواية عن الحرب وعبثية القتل

انهيار المؤسسات

يسعي رسول لكي يحاكم في محاولة لتبرير ما اقترفه نراه ينسحب نحو رغبته في تبرير حياته في ظل الموت المجاني المنتشر حوله، لكن هذا ما لا يحصل بسهولة، فبنية نظام العقاب والمحاكمة التي تقدمه الرواية والمرتبط بالحرب الأهلية في أفغانستان التي أطاح فيها المتشددون بالحكم الشيوعي.

اعتراف رسول لا يؤكد حصول الجريمة، بل على هذا النظام أن يقرّ بأنك قاتل بالشكل الذي يناسبه، وإلا لو ارتكبت مجزرة فلن يحاسبك إن لم تناسب تكوينه، وهذا ما حصل، تلفق تهمة سخيفة لرسول -سرقة الحمام من مزار أحد الأولياء- ما يثير الاهتمام بقضيته ويجعل كل ما قام به مبررا أمام هذه التهمة.

القتل غير مهم، النظام يحاكم حسب ما يراه مناسبا، وهذا ما يجعل الغروتيسك يبرز في الرواية لتكون المأساة مضحكة لشدة سخريتها، حيث يتهكم رحيمي على النظام السياسي والحكم الديني في أفغانستان، لتتحول تهمة القتل إلى تهمة سخيفة أمام سرقة حمام من مزار، والتساؤل الذي يطرحه رسول “ما العمل؟” والذي يفعّل التناص مع كتاب لينين “ما العمل؟” يبدو عبثيا أما سلسلة الأحداث والهلوسات التي تمر برسول، وكأنه ارتكب جريمة لا يعلم بها أحد غيره، ما يجعل أطيافا من “المحاكمة” لفرانز كافكا تحضر أيضا بعوالمها الغرائبية الساخرة.

الكثير يمكن أن يكتب عن ملعون دوستويفسكي، عتيق رحيمي صاحب “حجر الصبر” قادر على التلاعب بالتقنيات السردية مثبتا قدرته كروائي، واستعادة حكاية راسكولينكولف يؤكد على انتصار التقنية أمام الحكاية، وهذا ما يعتبر أساسا في السرد ما بعد الحداثي، فالحقيقة التاريخية والحقيقة الروائية تتداخلان، ليكون الانتهاك والتشكيك في فعل الكتابة وتمثيل التاريخ والأحداث كلها مجتمعة مصدرا جديدا للشعرية التي تتجاوز الأشكال التقليدية، وهذا ما نشهده في القليل من الروايات العربية التي تعتمد على هذه التقنيات بعيدا عن الشكل التقليدي.

16