دوغلاس كينيدي المفتون بالجزائر يتذكر"أعراس في تيبازا"

الخميس 2014/01/09
دوغلاس كينيدي: في الجزائر نعود إلى جمال العالم الطبيعي

بعد مرور 20 عاما على الزيارة الأولى التي أدّاها إلى الجزائر، دعي الكاتب الأميركي المعروف دوغلاس كينيدي، المولود عام 1955، لحضور فعاليّات الدّورة السادسة لمهرجان الأدب العالمي الذي انتظم في شهر يونيو الماضي في العاصمة الجزائرية. وقد كتب كينيدي الذي يعيش بين برلين وباريس ولندن وأميركا نصا استعرض فيه انطباعاته حول هذه الزيارة.

كتب دوغلاس كينيدي عن الشريط البحري الرّابط بين العاصمة وضاحية "تيبازا" التي خلّدها ألبير كامو في نصّ بديع، يقول: "أتبع الشّاطئ باتّجاه تيبازا، مفتونا بالمدينة ووجدتّ نفسي، مفتونا أيضا بهذا السّاحل الذي اكتشفه، كما أكتشف مهابة الشاطئ الصّخريّ المشرّم، والمنارة المنتصبة فوق أنف جبل، يبدو وكأنّه خارج من لوحة لإدوارد هوبّر، ووعورة الطرّيق المتناسقة والتي تذكّرني بركن "ماين" حيث أقيم في أميركا".

ويضيف قائلا: "وتيبازا ميناء كبير للصّيد البحريّ، كما أنها محطّة حمّامات استشفائيّة يأتيها الجزائريّون المترفّهون لكي يستنشقوا الهواء البحري، ويستعيدوا علاقتهم بالجمال الخام للخلق. اجتزت شاطئا كانت فيه عائلات تتخبّط في الماء، وتبني قصورا من الرّمل، وتنعم بحرارة شمس الصّيف. ثمّ محاذيا جرفا مسببّا للدوار، اقتدتّ إلى مَعْلَم متواضع ينتصب أمام البحر وعليه نحتت الجملة التّالية:"أنا أفهم هنا معنى ما نسميّه المجد: الحقّ في أن نحبّ من دون حدود".

صاحب هذه الجملة هو ألبير كامو بطبيعة الحال، وهو من "السّيقان السّوداء" غير أنه يعتبر هنا كاتبا جزائريا بالمعنى الكامل للكلمة. ومرافقي يعلمني أن هذا الجزء من الشّاطئ كان المكان المحببّ لكامو عندما كان يقيم في الجزائر العاصمة، ويهيئ نفسه لكتابة "أعراس في تيبازا"، ذلك التّأمّل العظيم في علاقته الشّخصيّة بالطّبيعة ، وبالتاريخ لبلاد أحبّها كثيرا. ومتخيّلا إيّاه واقفا على الجبل البحري، فكّرت:عندما نعود إلى جمال العالم الطبيعيّ فلأننا نرغب بالخصوص في الهروب من التعقيدات والمعارك والابتذالات والنّزاعات المدمّرة بالنسبة إلى كلّ جزء يميّز جيّدا الطبيعة البشريّة.

وقلت في نفسي بأنه ليس من العجيب في شيء أن هذا العمل الأدبي لكامو في سنوات شبابه (1936) احتفى بشغف كبير بالبعد الوجودي الذي يكمن في هذا الجزء من السّاحل الجزائري، يقول: "مع ذلك، غالبا ما قالوا لي: إذا ما كان هناك شيء يدعو للفخر، وإذا ما كان هناك سبب: هذه الشمس، وهذا البحر، وقلبي المتوثّب بالشباب، وجسدي الذي له مذاق الملح، والدّيكور الهائل للحنان والمجد وقد التقيا عند الأصفر والأزرق".

ولم يغفل دوغلاس كينيدي عن زيارة حيّ "القصبة" الشهير بصحبة مرافق يدعى حبيب، وهو رجل في الستّين، أنيق، ويعيش حياته بحريّة.

وهو يصف الحيّ المذكور بـ"المتاهة" لتتعدد أزقته وتعرجاته. وعنه يكتب قائلا:"شعرت أننّي بعيد عن أسواق مرّاكش أو القاهرة بألوانها المحلّية المعروضة على السياح، وبعيدا عن الباعة المتجوّلين وهو يعرضون سجّاداتهم، أو بضاعاتهم المحليّة الأخرى على المصطاف على طول الشواطئ التونسيّة. الجزائر العتيقة تظلّ عالم الحرفييّن، والعائلات الفقيرة، حيث تتقاطع آلاف المصائر في حياة، آه كم هي صعبة . مع ذلك كانت هناك هشاشة مضاعفة، بحساسيّة جماليّة، ملموسة في المنازل البديعة المتخفية في عمق الشارع الضيق، وفي البعض من المنازل الأخرى التي رممّت بشكل بديع، وفي البوابات البربرية من الخشب المنحوت، وفي المناهل المبلّطة بإتقان، وهو تناقض ملفت للانتباه إزاء الفقر الذي تراه عيناي أحيانا عبر هذا التّشابك المعماريّ. إنها متاهة، نعم، غير أن مرافقي حبيب يتّحكّم في المفاجآت بحذق واضع الخرائط الخبير.

غصنا، ودائما بعيدا، سالكين المنعرجات بين مناضد باعة الخضر، ودكاكين الجزارين التي تتدلّى الذّبائح في واجهاتها. وبعد أن دلّني على ممرّ ضيّق يعشّش فيه مسجد صغير جدّا، ثمّ شارع تصطفّ على جانبيه حمّامات، التقى حبيب بالصدفة بأحد أصدقائه، وهو إمام له نفس سنّي تقريبا وعانقه بحرارة وبعد أن قدّمني مرافقي، قال الإمام: " نبيّنا قال بأنه علينا أن نرحّب دائما بجيراننا المسيحيّين، فأهلا وسهلا بك".

14