دوف غليكمان كبير آل شتيسل الحاخام الساخر الذي يزور البيوت العربية

"آل شتيسل" درس إسرائيلي عربي في الآن ذاته.
الخميس 2021/04/08
حين تتغيّر الصورة النمطية بوسائل أخرى

حتى وقت قريب كان لصورة رجال الدين اليهود تأثير سلبي مباشر على العين العربية، ولم يكن هذا بلا أسباب بالطبع، فتكريس تلك الصورة النمطية العدائية تمّ عبر عقود من الزمن، وأسهم في خلقه طرفا الصراع العربي – الإسرائيلي اللذان استثمرا في تشويه كل منهما للآخر وإشاراته ورموزه.

بالتأكيد، هناك حاخامات متطرفون عبّروا، مثلما “حاخاماتٌ” مثلهم لدى المسلمين والمسيحيين في المنطقة، عن رغبة وممارسة أكيدة في نشر الكراهية والعنصرية والطائفية ورفض الآخر وإلى آخر سلسلة الغرائزيات التي تفتك بالمشرق العربي. غير أن هذا ليس هو القاعدة، فالعالم مليء برجال دين يتعالون على الكراهية، ولا يؤمنون أساساً بوجوب الخطوط الفاصلة بين المجتمعات على أساس ديني، وهم أيضاً يتحدرون من الأديان الثلاثة السعيدة.

لكن أن تكون حاخاماً يهودياً ومستوطناً في القدس وأرثوذوكسيا حسيدياً منغلقاً فهذا يصعّب عليك المهمة. ويصبح موضوع أن تقنع الآخر بأنك منفتح عليه أمرٌ أقرب إلى المستحيل.

الحاخام الحزين المتهكّم شولام، كبير آل شتيسل، المسلسل التلفزيوني الذي أنتجته نتفليكس وعرضت حلقات جديدة من أجزائه الثلاثة مؤخراً، يتصدى لذلك التحدي بشخصية أقرب إلى الشخصيات الروائية، ولكن فيها حرارة الحياة.

شولام ناظر المدرسة اليهودية الدينية التي تعلّم التوراة وفتاواها، والذي ترمّل مبكراً، يعاني من عدم فهم الآخرين له، لاسيما أسرته القريبة وأولاده الذين يعيشون معه في مجتمعه المغلق. وقد لعب دوره باقتدار الممثل الإسرائيلي دوف غليكمان الحاصل على جائزة الأوسكار المحلية مرتين قبل الآن.

غليكمان ولد في تل أبيب عام 1949 لوالدين من المهاجرين العلمانيين الروس، هما شلومو ودفورا اللذان وصلا إلى فلسطين في عشرينات القرن الماضي. التحق بفرقة مسرح حيفا في السبعينات، وكان أول ظهور له على الشاشة في عام 1977 في فيلم “باراتروبرز” للمخرج جود نئمان. وقد عرفه الجمهور من خلال مشاركته في تقديم العرض التلفزيوني الأكثر شهرة والذي استمر عرضه لعشرين سنة متواصلة “زيهو زي”، بالتعاون مع جيدي جوف وموني موشونوف وشلومو بارابا.

نموذج غليكمان في الكوميديا نموذج مختلف، أقرب إلى منهج أنتوني كوين وروبيرت دي نيرو، فالحضور قائم على التهكّم لا على الإضحاك، وفق الفارس ونظائره، والسخرية من المحيط والذات تصبح أكثر إثارة حين تصدر من حاخام متشدّد تلاحقه المحرّمات، ليلاً ونهاراً كما قدّم غليكمان شخصية شولام شتيسل.

عالم المتطرفين المغلق

شولام ناظر المدرسة اليهودية الدينية التي تعلّم التوراة وفتاواها، والذي ترمّل مبكراً، يعاني من عدم فهم الآخرين له، لاسيما أسرته القريبة، وأولاده الذين يعيشون معه في مجتمعه المغلق. (صورة من فيسبوك)
شولام ناظر المدرسة اليهودية الدينية التي تعلّم التوراة وفتاواها، والذي ترمّل مبكراً، يعاني من عدم فهم الآخرين له، لاسيما أسرته القريبة، وأولاده الذين يعيشون معه في مجتمعه المغلق. (صورة من فيسبوك)

الحريديم وأحيانا يسمون أنفسهم الحسيديين، حسب انقسام فرقهم الفكرية، يتحدثون الديشية التي جلبوها معهم من الأوطان التي هاجروا منها في شرق أوروبا، تيارهم الديني نشأ هناك في القرن السابع عشر، ولو قلنا هذا الكلام أمام الحاخام شولام لسألنا على الفور “وفق أي تقويم؟ الميلادي أم العبراني، فأنا لا أتذكر الميلادي؟”.

أزياؤهم الأوروبية الشرقية صممت خصيصاً لتميزّهم عن غيرهم، معطف أسود طويل وقبعة. وتستكمل الخصلتان المتدليتان قرب الأذن الهيئة مع اللحية التي يحرّم قّصها أو تشذيبها. أما النساء، فهنّ في عالم شديد التعقيد، كبيرات السن منهن ترتدين البرقع والنقاب والحجاب، والأحدث سناً تلتزمن بالباروكات لتغطية الشعر، مع قيود تحريمية لها أول وليس لها آخر.

يعرض المسلسل حياتهم الاجتماعية، حيّة، وإن كان البعض قد اطّلع عليها قبل ذلك من القراءات والأفلام الوثائقية، إلا أنك تراهم هنا وهم يعانون من حياة معقدة صعبة، تكاد تتطابق مع المعاناة التي يكابدها من يعيشون في مجتمعات إسلامية أو مسيحية متطرفة أيضاً. كل شيء ممنوع. الحداثة والدراسات العلمية والفنون والغناء والرقص والرسم، حتى تحديد النسل. فكل شيء يجب أن يبدأ وينتهي بسؤال “المفتي”، الحاخام الذي سيعود إلى التوراة ويجلب لك النص الملائم وإن لم يجد يخترعه ليزيد من التضييق عليك.

بيئتهم تبدو فقيرة للغاية، بل أقرب إلى الزهد والتقشف والفاقة، وسبب ذلك أن تقاليدهم تحرّم عليهم العمل قبل سن الأربعين، ولكنها تفرض عليهم الزواج المبكّر من أجل العفّة، فيبقى الرجل يتعلّم ويأخذ نزراً يسيراً من المال كل شهر، ولا يسمح له بالعمل في السوق ولا المشاركة في الجيش ولا في أيّ نشاط تقوم به الحكومة الإسرائيلية.

المهم أن يعيش اليهودي في هذا المجتمع منعزلاً، حائراً بين الخوف من الرب، والحياة ذاتها وما تتطلّبه من أبسط الأشياء، وهي المفارقة التي قام عليها المسلسل، الذي لا تكاد تخلو حلقة منه من انتقاد الصهاينة حرفياً. حتى أن منوخيم شقيق شولام يكرّر ذلك ليصل إلى القول “لا تسلّموا أبناءكم للصهاينة”. وهذا يظهر الفارق العقائدي والاجتماعي بين النمطين. بالمثل يوجّه أبطال المسلسل النقد للعلمانيين اليهود، ولن يسلم أيضاً من ذلك التمييز، الاجتماعي، اليهود القادمون من الجزائر على سبيل المثال، حيث نشأت قصة حب بين يوسي، حفيد شتيسل، وشيرا الطبيبة اليهودية الجزائرية، فرفض أمه غيتي مجرّد التفكير بالموافقة على هكذا خرق للجدار الكتيم.

لماذا هذا المجتمع بالذات؟

Thumbnail

قد يتبادر إلى ذهن البعض أن هدف إنتاج هذا المسلسل إنما هو نوع من غسل صورة اليهودي المتطرّف في أعين المشاهدين حول العالم، ولاسيما العالم العربي الذي يتمكن من مشاهدته على منصة نتفليكس بسهولة. إلا أن هذا لا يختصر الإجابة، فالواقع أن هذا المجتمع المغلق الذي لا يعرف عنه العرب شيئاً هو المجتمع الأكثر تزايداً سكانياً في إسرائيل، بنسبة تتجاوز الـ25 في المئة من الولادات في إسرائيل. وقد شكلت نسبة تزايدهم الـ72 في المئة من مجمل الزيادة السنوية في عام 2001 وحده.

تقول الإحصاءات إن كل عام يشهد تزاوج 5 آلاف شاب وفتاة من الحريديين، وسوف ينجب كل منهم 7 وأحياناً 9 أبناء. وهنا مربط الفرس، وهنا مصبّ اهتمام صنّاع “آل شتيسل” فهذه القنبلة السكانية ذات التقاليد المنغلقة غير المؤمنة بإطار الدولة الإسرائيلية التي قامت على الحركة والفكر الصهيونيين سوف تشكّل بعد قليل غالبية سكانية، متماسكة وذات تأثير كبير، وقرارها موحّد ومركزي.

ترى العديد من المشاهد في المسلسل وهي تصوّر المواجهات، المقابلات التي يعدّها الخطّابون والخطّابات عبر الأهل لأولادهم وبناتهم، حيث يجري ترتيب الزيجات، ولم يسلم شولام نفسه من هكذا مواقف، بل إنه وقع في حبّ الخطّابة ذاتها، لكنه تراجع بعد فترة، وفاء لكرى زوجته الراحلة، تلك الذكرى التي لم تمنعه من التفكير في مينوخا التي ربحت بطاقة اليانصيب وكسبت 3 ملايين شيكل.

انفتاح الرؤية

المشاهدون الإسرائيليون لا يتعرّفون وحدهم، على مجتمع شتيسل، إنما يجد المشاهدون العرب أيضا، في الكتلة السكانية الأكثر نمواً في إسرائيل، والتي تؤشر إلى المستقبل، جوانب مثيرة جديرة بالتوقف عندها. (صورة من فيسبوك)
المشاهدون الإسرائيليون لا يتعرّفون وحدهم، على مجتمع شتيسل، إنما يجد المشاهدون العرب أيضا، في الكتلة السكانية الأكثر نمواً في إسرائيل، والتي تؤشر إلى المستقبل، جوانب مثيرة جديرة بالتوقف عندها. (صورة من فيسبوك)

يبذل الحاخام شولام كل جهد ممكن كي يكون مستقيماً، لكنّ الظروف لا تساعده، فكل ما يفعله ينقلب ضدّه، حتى برّه بوالدته لم يثمر، فبعد أن رعاها طول السنين التي كان شقيقه منوخيم فيها مهاجراً إلى بلجيكا قامت بنسيانه تماماً، وكتبت في وصيتها أن يرث بيتها منوخيم لا شولام. حتى أنها لم تعد تتذكر شولام حين تراه، بينما تعرف كل شيء عن منوخيم، ما زاد من كآبة العجوز. أما مينوخا فقد وقعت في حب أخيه وتركته بعد أن جاءت إلى موعده الغرامي وكان نائماً يشخر، ولم يوقظه أخوه ليبقى مستفرداً بها.

تغرق شخصية شولام في الحزن، وتعود فجأة إلى التهكّم، وهو ما برع فيه غليكمان من قبل حين لعب في التسعينات دور البطولة في “أفرايم كيشون”، أو حتى في فيلم الكوميديا السوداء “ذئاب مسنّة وسيئة” الذي أنتج في العام 2013، وحصد عنه غليكمان جائزة أفضل ممثل في مهرجان فانتاسبورتو في البرتغال. وكان ملهماً لشاسا بارون كوهين، الممثل البريطاني الكوميدي، الذي أنتج له مسلسلاً كتبه غليكمان بنفسه مطلع الألفية، استوحاه من حياته المهنية. ومن عرض “زيهو زي” التي تعني بالعربية “هذه هي!”، وبين أعماله الجديدة دور وزير التجارة في فيلم “نورمان” للمخرج جوزيف سيدار، وكذلك دوره في فيلم “أناتومي آينيس” كواحد من الناجين من الهولوكوست.

لا يتعرّف المشاهدون الإسرائيليون وحدهم، على مجتمع شتيسل، إنما يجد المشاهدون العرب، وغيرهم حول العالم، في الكتلة السكانية الأكثر نمواً في إسرائيل، والتي تؤشر إلى المستقبل، جوانب مثيرة جديرة بالتوقف عندها. خاصة حين يجري الحديث عن الانفتاح على الآخر.

وما كان صعباً تناوله في الماضي، بسبب الحساسيات والتعصّب، تتيحه الدراما اليوم بصورها العديدة، ولن تتمكن حتى الآلة المركزية في التفكير داخل إسرائيل من منع نقل صورة الصراع مع اليهود الأرثوذوكس. وهم أيضاً الصندوق الانتخابي الذي يبقى السياسيون يراهنون عليه. ففي حين يخطبون ودّهم يتمنّون لو أنهم لا يرون واحداً منهم في الحياة العامة الإسرائيلية، لأنهم يشكلون التهديد المباشر للدولة، بفضل قوة خطابهم الداخلي والتزامهم بتقاليدهم.

“آل شتيسل” درس إسرائيلي عربي في الآن ذاته، وشولام ناظر المدرسة الذي صفع أحد تلاميذه، ليفاجأ بأن تلميذاً آخر كان يصوّر المشهد وينشره على الإنترنت، يجسّد عين المشاهد أيضاً، وورطة اليهودي أمام عالم لم يعد يقبل الانغلاق.

12