دولة الأهلي المصري

الاثنين 2017/12/04

الانتخابات التي جرت على رئاسة النادي الأهلي المصري الخميس الماضي، كانت لها دلالات سياسية كثيرة، تتجاوز حدود ما هو ظاهر من مضامين ومعان رياضية.

ربما كثيرون سمعوا عن بطولات فريق كرة القدم والمنافسات التي يخوضها النادي وصولاته وجولاته الأفريقية، لكن قليلين خارج مصر، يعرفون الارتباط بين الجمهور الذي يتجاوز نصف سكان مصر، وبين فريق كرة قدم أصبح تقريبا مرادفا في شعبيته للمنتخب القومي، لأن ثلثي قوام منتخب الفراعنة من أبناء هذا النادي، ناهيك عن السعادة التي يضفيها الانتصار على عموم المصريين بصرف النظر عن انتماءاتهم الرياضية.

كرة القدم لم تعد لعبة رياضية فقط، فقد دخلت فيها السياسة منذ زمن من أبواب مختلفة، والأهلي المصري ليس استثناء، لكنه يزيد عليها أن قيادته الجديدة أصبحت نموذجا مصغرا لما يتمناه الكثير من المواطنين، من حب وجدية وقيمة والتزام وتفوق وحسن إدارة وشعبية وتشبث بالأمل والانتصار والرغبة في مستقبل أفضل.

المسألة ببساطة أن الانتخابات بين رئاسة النادي جرت بين شخصين أحدهما يمثل القيمة والأخلاق، وهو اللاعب السابق محمود الخطيب (بيبو)، والآخر يمثل رأس المال والنفوذ، وهو رجال الأعمال محمود طاهر، وكل مرشح وقف خلفه طابور من المؤيدين وأمامه طابور آخر من المعارضين.

الجمعية العمومية للنادي الأهلي هي الوحيدة التي لها حق التصويت، وعددها نحو 140 ألف عضو، ذهب منهم حوالي 38 ألف عضو في انتخابات الخميس الماضي، لكن تابعها الملايين عبر شاشات الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، التي نقلت الحدث أولا بأول وأشعرت قطاعا كبيرا من الناس كأنها انتخابات على رئاسة الجمهورية وليست على رئاسة ناد.

حال مصر السياسي الآن يبدو مشدودا بين القيمة وسطوة رأس المال، الأولى تراجعت أو توارى جانب كبير منها على مستويات عديدة، والثانية أصبحت طاغية وتهيمن على مفاتيح أمور متنوعة، لكن الموقف لا يخلو من حالات نادرة وناصعة في أماكن مختلفة، كأنها تقدّم برهانا على أن هناك من لا يزال يعتدّ بالقيمة.

الأوضاع الحالية في مصر توحي أن هناك صداما وتناقضا بين القيمة ورأس المال، بعد أن تحوّل الثاني إلى غول يلتهم كل شيء أمامه، ودخل الإعلام والسياسة بصورة واضحة، وبدت النماذج التي يقدّمها بعض رجال الأعمال بعيدة عن المعيار السليم.

لذلك جرى تقسيم المصريين إلى فسطاطين، أحدهما يتمسك بفكرة القيمة بمعناها الواسع، في السياسة والأمن والحريات وحقوق الإنسان والإعلام والثقافة والاقتصاد، وبين من يؤيدون الفساد والفهلوة والبلطجة والاستحواذ والسيطرة وغيرها من المعاني القاتمة.

مع الاحترام والتقدير لرجل الأعمال محمود طاهر، المنقضية ولايته في رئاسة النادي الأهلي، ولقي هزيمة ساحقة أمام محمود الخطيب، غير أن كثيرين اعتبروه رمزا للفسطاط الثاني، بينما نظروا إلى منافسه على أنه عنوان للفسطاط الأول.

قالها صديقي بحسم يوم الانتخابات، إذا فاز “بيبو” ستكون مصر بخير وأن ثمة أملا في النهوض، والعكس صحيح، كان صديقي يقصد أن الانتصار ضرورة لدعم فكرة القيمة، التي غابت عن الكثير من القطاعات في مصر في الآونة الأخيرة.

بالطبع هناك مسافة شاسعة بين النادي الأهلي ومصر كبلد، لكن المعنى الذي حمله كلام صديقي يلخص الموقف السياسي العام، لأن انتخابات الأندية تجري بشفافية افتقدتها الكثير من الانتخابات في مصر، على مستوى الرئاسة والبرلمان وحتى الاستفتاء على الدستور، فصوت كل عضو في النادي يعتد به فضلا عن الحرص على الحضور من قبل أعضاء الجمعية العمومية، لأن كل شخص فيها يعلم أن صوته أمانة.

انتخابات الأندية الرياضية والنقابات المهنية، يهتم بها المصريون بكثافة ويثقون في نزاهتها أكثر من الانتخابات السياسية، لأنها بمثابة تعويض عن افتقادهم لذلك خارجها، وهو ما التفتت إليه مبكرا أحزاب وقوى سياسية، وكان حرص جماعة الإخوان المسلمين على التغلغل في جسد النقابات بداية انتشارها وتكوين قاعدة واسعة لها تمددت خارجها.

عندما مدت الجماعة بصرها إلى الأندية الرياضية، كان الأهلي في المقدمة لما يتمتع به من شعبية طاغية، لكنها اصطدمت بكثير من الحوائط، أبرزها أنه ناد الطبقة الواعية، وانتخاباته لا تتم بمن حضر مثل النقابات المهنية، ولم تتمكن الجماعة من النفاذ إليه تاريخيا عبر كوادرها، وتصورت أن وصولها للحكم قد يمكنها من استمالة عناصر مؤثرة.

الفشل الذي واجهها، جعلها تفكر في إحداث شرخ في النادي وتفتيت أعضائه وخلق فتنة بينه والمؤسسة العسكرية القوية في مصر، ودبرت الجماعة مذبحة في أثناء مباراة للأهلي وفريق المصري البورسعيدي في فبراير 2012، راح ضحيتها 72 من مشجعي النادي، ولا تزال تمثل جرحا غائرا في نفوس محبيه، ومع ذلك أخفق الإخوان في السيطرة على الأهلي.

النادي الأهلي، قدّم نموذجا سياسيا لإمكانية إدارة الانتخابات بطريقة ديمقراطية، والعزوف الذي يروّج له البعض على أنه دليل على عدم النضج ليس حقيقيا، فعندما تتوافر الظروف الإيجابية يُقبل الناخبون على التصويت، وما حدث في مصر من إقبال شعبي في الاستفتاء على التعديلات الدستورية عقب ثورة 25 يناير 2011، ثم انتخابات الرئاسية التي جرت في يونيو 2012، كان مؤشرا على أن الأجواء المواتية تحدد مدى الإقبال والعزوف.

الدروس التي قدّمتها انتخابات رئاسة الأهلي، جعلت قطاعا من المواطنين يتمنى أن تدار مصر بعقلية تعي أهمية الدور الذي يقوم به النادي في وجدان الناس، وأنه مؤسسة تملك رؤية علمية، وإذا اقتربت منه العشوائية لفترة ينتفض للتخلص منها ويتم الإصلاح قبل أن تتدهور الأوضاع، لتمضي المسيرة على وتيرة تدرك المعنى التاريخي لناد حقق الكثير من الإنجازات والبطولات المحلية والقارية.

الأهلي المصري، يتجاوز حدود الجدران والملاعب التي تمارس فيها الهوايات الرياضية، ويشبه الدولة التي تقوم على قواعد تجمع بين الانتماء والحب والحرية والتفوق والقيمة والمساواة والعدالة والكرامة والرغبة في التقدّم على الدوام، وهو ناد قد يعاني من بعض الأمراض، مجاملات وانحراف وفساد، غير أنه يستطيع العلاج في اللحظة المناسبة.

هذا جزء من المواصفات الضرورية التي يتمناها أغالب المصريين لبلدهم، لذلك يبدو النادي الأهلي عنوانا لدولة أكثر منه اسم ناد عريق.

كاتب مصري

9