"دولة الحزب" ودولة الآخرين في لبنان

لبنان المسيحيين والسنة والدروز يمكنه أن يعيش آمنا ويزدهر بمعزل عن "دولة الحزب" ويجد طريقا لإعادة بناء نظامه السياسي وفي الأقل لتشكيل حكومة لا يفرضُ أحدٌ عليها حصة "الثلث المعطل".
الأربعاء 2021/03/24
لبنان واقع تحت احتلال إيراني يستعين بآخر ما بقي من قبح المشروع الطائفي

تثير الدعوات إلى تقسيم لبنان اعتراضات سياسية واجتماعية كثيرة. وفي الواقع فإن الغالبية العظمى من اللبنانيين يرفضون الفكرة لدوافع وطنية. لبنان بالنسبة إليهم هو هذا “اللبنان” من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه. والانتماء إليه، كما يجب الاعتراف الآن، بات أكبر بكثير من الانتماء إلى أي طائفة فيه، على الأقل بالنسبة إلى المسيحيين والسنة والدروز. وليس الفقر هو الذي يوحدهم، ولكن لأنهم يدركون أنهم واقعون تحت احتلال أجنبي، ولا يجدون سبيلا للتخلص منه لأن وكلاء الاحتلال “لبنانيون” (بطريقة ما).

لقد مضت 100 عام على نشأة “لبنان الكبير”. إلا أنه منذ استقلاله في العام 1943 ونشأة نظام سياسي يمنح السلطة والنفوذ لقادة الطوائف ظل يصغر حتى تداعى وبدأ بالتلاشي.

بين العامين 1975 و1990 خاض اللبنانيون حربا أهلية لم يخرج أحد منها منتصرا. ولا شيء تغير في مقومات النظام، ممّا أبقى الخراب وأبقى أسسه.

الهزيمة الجماعية في حروب الطوائف أقنعت الغالبية العظمى من اللبنانيين بالحاجة إلى نظامٍ ينبذ الطائفية السياسية، وبلدٍ يمكن الانتماء إليه. ذلك لأن البلد الذي ظلت تحكمه الطوائف لم يقدم لهم إلا الخسارة والفشل حتى أصبح اللبنانيون من بين أكثر شعوب الأرض ميلا إلى الهجرة.

لبنان الرمزي، أو لبنان “سويسرا الشرق”، سمح للكثير من بلدان العالم أن تستوعب الملايين من اللبنانيين لأنهم من بلدٍ يمتلك صورة غير نمطية من بلدان الشرق الأوسط. وبرغم أن اللبنانيين ظلوا يلوذون بالفرار منه، إلا أن صورته الرمزية ظلت هي القائمُ في النفوس.

جانب كبير من “وطنية الانتماء” جاء من هنا؛ من أنه بلد – حلم، وله في تاريخه الثقافي ما يبرر الاعتقاد بأنه نموذج آخر مختلف.

فيروز تغني للجميع مثلما ينشد سعيد عقل أو أنسي الحاج للجميع، أو يكتب غسان تويني للجميع، أو يبني رفيق الحريري للجميع. “لبنان الكبير” هو هذا. وهو عزيزٌ على المنتمين إليه. وشواهده كثيرة إلى درجة تسمح بالقول إنه نموذجُ أمةٍ صارت أكبر، بما أنتجت في الثقافة والفن، من الأمة التي ولدت من رحمها.

ولكنه اليوم بلدٌ ذليل واقع تحت احتلال إيراني يستعين بآخر ما بقي من قبح المشروع الطائفي؛ بركام ما بقي من حروب الطوائف وذكرياتها ونتائجها المريرة، ويسعى إلى تكريسها كحقيقة نهائية.

ولقد أصبح من الجائز تماما أن يُعاد النظر في الفكرة من وراء بقاء لبنان موحدا، ولو مؤقتا على الأقل. أولا، لأنه ليس موحدا. وثانيا، لأنه لن يعود بوسعه أن يتحرر أو ينهض ما لم ينأ بالنفس عما ترفض “دولة الحزب” أن تنأ عنه.

والفرق بين النأيين هو فرق هويتين مختلفتين، حتى لا أعرف كيف يجوز للمنتمين إلى “دولة الحزب” أن يحملوا جوازات سفر لبنانية وهم إيرانيون بالعقيدة والانتماء والدور.

لا أحد يشك بأن حزب الله يحكم دولة خاصة به في جنوب لبنان. وما الضاحية الجنوبية لبيروت إلا سفارة لتلك الدولة أكبر قليلا من السفارة الأميركية في بغداد. وهي دولة مستقلة في جميع الشؤون. ولولا بضع شكليات تسمح للجيش اللبناني أن يكون له وجود رمزي، فإنه لا شيء في اقتصاد ومجتمع وسياسة ودفاع وأمن ومواصلات تلك الدولة إلا وكان خاضعا لحزب الله وشركائه الصغار مثل حركة “أمل”.

إذا كانت تلك مصيبة فإن المصيبة الأكبر هي أن هذه الدولة تتحكم بدولة الآخرين في لبنان، وتفرض عليها شروطها للعيش، كما تفرض مفاهيمها وسياساتها واقتصادها الموازي، وتستغل مواردها، وتتسرب إلى صورتها الرمزية لتمارس من خلالها خداع الانتماء لهوية “لبنانية” بينما هويتها الحقيقية إيرانية.

وبرغم أن الفارق بين الهويتين يشبه الفارق بين حديقة غناء ومزبلة، فقد فرضت “دولة الحزب” على “دولة الآخرين” أن تكون مزبلة أيضا بالمعنيين الرمزي والحرفي معا.

ليس من الإنصاف أن تحكم “دولةُ الطائفة” هذه دولةَ الذين عثروا على لبنانيتهم وأقروها في غناء فيروز وأناشيد عقل والحاج وأقلام تويني وقصير وسماحة والآلاف من المبدعين.

هذا “حرام” بكل معنى من معاني الكلمة. إنه ظلم أكبر من ظلم الفقر والجوع. فكيف إذا كان هذا الظلم هو نفسه جزءا من جريرة الخضوع لإملاءات تلك الدولة المسخ.

Thumbnail

يجب الاعتراف أيضا بأن “الحاضنة الشعبية” لحزب الله كبيرة في تلك الدولة. إنها قوته المقاتلة التي لا تتوانى عن اقتحام بيوت الآخرين أو اغتيالهم أو نسفهم. والحزب إنما يتظاهر بهم. وبزعم أنهم “لبنانيون” (بلا مبرر ولا دليل) فإنه يوظف طاقتهم لتخويف الآخرين.

تلك الحاضنة هي امتداد تلقائي للحرس الثوري الإيراني. ولا شيء في فكرها وثقافتها ومسالكها ينتمي إلى لبنان.

وبفضل دولة الحزب فقد أصبحت الطائفية الشيعية (من حيث إنها طائفة)، شعبا عميلا لدولة الولي الفقيه، يحمل سلاحها، ويقتات مما تعطيه، وينفذ سياساتها، ويمارس جرائمها، وينتمي إلى ثقافتها، ويقدم نفسه ككتيبة طليعية من كتائبها.

هذا “الشعب” إصبعٌ متعفن جدير بالقطع والقلع لأنه غير منتم أصلا، ويؤدي وظائف احتلال على نفسه وعلى الآخرين.

الذين لا يشعرون أنهم جزء من هذا “الشعب” يمكنهم أن يهاجروا إلى أماكن أخرى أقرب إلى ما ينتمون، أو أن يعيشوا تحت وطأة التهديد بالاغتيال. ولكن الفصل بين “دولة الحزب” وبين “دولة الآخرين” بات هو السبيل الوحيد لإعادة إحياء لبنان، ولإخراجه من دائرة الفشل ومن سطوة الاحتلال عليه وعلى مصائر أبنائه.

دولة الحزب يمكنها أن تفعل بنفسها ما تشاء. ويمكن لشعبها المقاتل أن يعيش على خزعبلاته، ولكن فلتدع الآخرين يتحررون من اشتراطاتها وضغوطها وهيمنتها وأعمال الابتزاز التي تمارسها ضد الجميع.

يمكنها أيضا أن تستجلب سفن “نترات الأمونيوم” لترسو فتنفجر في أحد موانئ صور أو صيدا، لا في ميناء بيروت.

لبنان المسيحيين والسنة والدروز يمكنه أن يعيش آمنا ويزدهر بمعزل عن “دولة الحزب”، ولسوف يجد طريقا لإعادة بناء نظامه السياسي، وفي الأقل لتشكيل حكومة لا يفرضُ أحدٌ عليها حصة “الثلث المعطل”. إنه “ثلث معرقل”؛ ثلث فشل وشلل دائمين، حتى لم يعد بالوسع إنتاج كهرباء من دون سرقات، ولا رفع القمامة من الشوارع.

ولو تطلب الأمر فإن بناء جدار يفصل بين هذه “الدولة” وبين دولة الآخرين سيكون دلالة رمزية على انتماءين مختلفين. واحد لإيران، والآخر للبنان. ويمكن لسفارة الحزب في الضاحية الجنوبية أن تمنح “فيزا” للراغبين بالسفر إلى إيران أو للراغبين بالسفر إلى صيدا حيث توجد صواريخ إيران.

إقامة هذا الجدار لا تقتصر أهميتها على الدلالات الرمزية، إنها سبيل للنأي بالنفس عن الشرور.

أفهل يعني ذلك إقامة جدار مماثل لجدار برلين؟

نعم، بل وأكثر.

أما “النعم”، فجدار برلين سقط في العام 1989 لأن الألمان في شرق البلاد نبذوا أيديولوجيا الاحتلال السوفييتي وهيمنته عليهم. وعندما ينبذ “شعب” إيران في لبنان أيديولوجيا الولي الفقيه، فإنهم سيهدمون الجدار بأنفسهم. المسألة مسألة وقت. ولكن الفائدة هي أن يتوفر للبنان سبيل للنجاة، فيعود ليكتشف قيم الانتماء إلى وطن كبير بتعدديته وحرية أقلامه وجمال ثقافته.

وأما “الأكثر”، فلمنع محطات “دولة الحزب” من إذاعة “ع هدير البوسطا” قبل أن تدفع “حقوق ملكية فكرية” لدولة الآخرين، ولتكتفي باللطم على الحسين.

9