دولة الخلافة الإسلامية الافتراضية: حرب رقمية توازي المعركة على الأرض

تشبّه دراسة صدرت عن مؤسسة “كويليام” لمكافحة التطرّف شبكات التواصل الاجتماعي بـ”مساجد افتراضية” للمتشددين. وتوضّح المؤسسة البريطانية في دراستها التي صدرت مؤخرا، بعنوان “الخلافة الافتراضية: فهم استراتيجية الدعاية لدى تنظيم الدولة الإسلامية”، أن الدعاية على شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت عنصرا حاسما في نشر التطرف وتجنيد المقاتلين على نحو يفوق ما كانت تقوم به المساجد والكتب المتشددة؛ حيث لم تعد المساجد المكان المفضل للتعبئة والتجنيد، بل أصبحت الحواسيب المجهزة بكابلات الإنترنت السبيل الأفضل لبث فكرة الجهاد.
الجمعة 2015/07/10
قوة الدعاية لدى تنظيم الدولة الإسلامية وراء نجاحه في استقطاب الشباب من كل الهويات والمجتمعات

لندن - قبل حوالي عام، أعلن تنظيم داعش إقامة ما يسميها “الدولة الإسلامية” واتخاذ من عبارة “باقية وتتمدد” شعارا لها. ومنذ يونيو 2014، عمل التنظيم بشتى الوسائل على تجسيد هذا الشعار على أرض الواقع، حتى أضحى المجموعة الجهادية الأكثر خطرا في نظر العالم، منتهجا العنف مذهبا، ومستميلا مجموعات متطرفة من مختلف الثقافات والمجتمعات، وسط تساؤلات عن الطرق التي يتوخّاها هذا التنظيم الدموي لتصعيد حالة الاستقطاب في صفوف الشباب.

جزء من الإجابة تكشف عنه دراسة صدرت حديثا عن مؤسسة “كوليام للأبحاث” لمكافحة التطرف الأصولي، ومقرّها لندن، اهتمّت برصد عمل وسائل الإعلام التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، وتحليل مدى نتائج الدعاية التي انتهجها التنظيم طيلة إثني عشر شهرا، منذ إعلان الخلافة في يونيو 2014، وتفكيك طريقة عمله إعلاميا والفئات التي يسعى لاستهدافها واستقطابها.

وأوضحت الدراسة البريطانية أنه من خلال إجراء تقييم شامل للأنشطة الإعلامية لتنظيم داعش، يمكن للفرد أن يدرك مدى أهمية الدعاية التي تعتبر نقطة نجاح التنظيم. ومن الواضح أن تنظيم الدولة الإسلامية يستمد دعايته من مدونة القواعد الشمولية، حيث يرى إستراتيجة التنظيم أن الصورة الجيدة لا تنحصر في التأثير الرمزي فحسب، بل تشمل أيضا بسط السلطة الملموسة. فعبر خلق محتوى معدا للاستهلاك من قبل عدد كبير من الجماهير، وعبر التسويق للخلافة وتقديمها في صورة منمقة، يصبح التنظيم قادرا على تعزيز جاذبيته وترسيخ خطره.

واعترفت الجماعات الإرهابية منذ وقت طويل بأن وسائل الإعلام يمكن أن تساعدها في تحقيق طموحاتها السياسية، بغض النظر عن الميل الأيديولوجي للجماعة. وتفسير ذلك، وفق الدراسة، أن مرجع هذه الجماعات واحد على مستوى إدارة التسويق، وهو كتاب “إدارة التوحش” لأبو بكر ناجي. ويستمدّ تنظيم داعش أفكاره من هذا الكتاب، الذي يعتبر من بين أكثر النصوص تأثيرا في أيديولوجيا تنظيم الدولة الإسلامية وممارساته.

عبر التسويق للخلافة وتقديمها في صورة منمقة يصبح تنظيم الدولة الإسلامية قادرا على تعزيز جاذبيته وترسيخ خطره

ويتحدث كتاب “إدارة التوحش” بإسهاب عن تلاعب القوى العظمى في العالم باعتماد “هالة إعلامية مضللة”، فهي تدير الصورة الإعلامية بعناية كي تخلق شعورا بأنها القوة التي لا تقهر، والشعور بأنها “تلك القوة التي تشمل الجميع وقادرة على سحق الجميع ليس فقط، جراء الخوف ولكن أيضا من خلال الحب لأنها تنشر الحرية والعدالة والمساواة بين البشر، وشعارات مختلفة أخرى”. بذلك المعنى، حاكى تنظيم الدولة الإسلامية ما اعتبره أبوبكر ناجي في كتابه بأنه أحد المصادر الرئيسية لنجاح ”الصليبيين”. وعلى نحو متسارع خلال العام الماضي، وضع داعش منهجية شاملة من أجل إنشاء صورة مفهومة ويمكن الوصول إليها بسهولة عبر الإنترنت التي مثلت شريان حياة له.

ومكنت الدعاية من تجميع الأعضاء والمتعاطفين والمجندين المحتملين، من الطبقات المتعددة والمختلفة حول أفكار داعش. ومن خلال الصوت والفيديو والمحتوى الفوتوغرافي العالي الجودة والذي يتم توزيعه باستمرار، يرسم المروجون للتنظيم صورة لـ”الجهاد” لم تتمكن الجماعات الأخرى من الاقتراب منها.

وعن طريق هذه الدعاية، يقنع داعش الداعمين له بأن “الهجرة” والانخراط في التنظيم يجعلان لهم شرف الانتماء إلى المؤسسين الأوائل لـ”المدينة الفاضلة”.

ويعمل المروجون للتنظيم على المحافظة على نشر ما يمكّنهم من استقطاب أولئك المهتمين. وقد نصبوا أنفسهم باعة متجولين يسوقون أفكارا لتنظيم قد يكون في الواقع أصغر بكثير مما يروجون له. وعلى الرغم من أن داعش ليس فريدا من نوعه من ناحية حجمه الهائل ونوعية المحتوى، لكن ما ينتجه ازداد كثافة إلى درجة أنه تمكن من استقطاب أعداد كبيرة من الأتباع في وقت قياسي.

الآلة الدعائية الضخمة لداعش: حقيقة أم تهويل ومبالغة

وتنتشر المواد التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية كالفيروس على الإنترنت، إلا أن عملية تداولها تتطلب التزاما من المشجعين الذين يعملون على استقطاب المؤيدين عبر إنشاء أرشيف يضم منتجات داعش وكل ما له علاقة بالخلافة. واستمرار التزام هؤلاء الأفراد بتضخيم أعدادهم وتبليغ أصواتهم يترتب عليه ضرورة فهم طريقة عملهم، وهو الأمر المفقود في الوقت الحالي، رغم أنه المفتاح لتحديد كيفية الاستجابة لآلة دعاية تنظيم الدولة الإسلامية، وفق الدراسة.

وناقشت دراسة “كويليام” عملية التجنيد التي هي بالأساس عبر الفضاء الرقمي الذي يمثل ساحة لظهور جهاديي العصر الحديث وهو أشبه بمسجد افتراضي للمتطرفين، ومركز استقطاب للمجندين المحتملين للأخذ بأيديهم ليصبحوا جهاديين وتقديم المشورة حول كيفية الانضمام إلى التنظيمات الجهادية.

وكشفت الدراسة أن أنصار تنظيم داعش والمتعاطفين معه، يمكنهم التواصل والتفاعل مباشرة مع ساحة المعركة دون التعرض لخطر تحديد هوياتهم من جانب الأجهزة الأمنية. واستنادا إلى ذلك، تحول تنظيم داعش إلى اعتماد رسائل الكترونية مشفرة لنشر الدعاية الخاصة به وهو ما يمثل تحديا أمام محاولات الحكومات لفرض رقابة على ذلك.

ولم يعد خفيا أن تنظيم الدولة الإسلامية يعتبر الأول على مستوى الجودة العالية والانتشار الواسع لنظام الدعاية بين الجماعات الجهادية، كما أن تعقيد الشبكة الإعلامية للتنظيم لم يشهد لها مثيل في السابق، ومن الخطأ محاولة فهم داعش وفقا للمفاهيم التي تم اعتمادها لفهم الاستراتيجية الدعائية لتنظيم القاعدة والتنظيمات الجهادية الأخرى، والتي أصبح بعضها تابعا له.

وبالتالي لا يمكن التعامل مع داعش بنفس العقلية والأدوات التي تم استخدامها سابقا لمواجهة التهديدات الجهادية. ولكن يجب أن تتضافر جهود المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والرقابة الحكومية من أجل التصدي لرسائل الدولة الإسلامية المنتشرة على الشبكة العنكبوتية، بغاية منع تجنيد المزيد من الحالمين بالمدينة الفاضلة.

وتخلص الدراسة إلى أنه لا يمكن أن يصبح الناس متطرفين عن طريق الدعاية، كما لا يمكن تجنيدهم عن طريق الدعاية. يجب أن يكون هناك دائما مؤثرا بشريا خارجيا لإثارة وإدامة عملية التطرف. ويمكن أن يكون هذا المؤثر الخارجي أحد الأصدقاء أو فردا من العائلة أو حتى شخصا غريبا.

على كل حال، عملية التعرض لدعاية داعش ليست السبب الوحيد في أن يصبح شخص من المؤيدين للتنظيم. وما تفعله الدعاية، هو تحفيز تطرف الفرد والتركيز على عملية التعاطف معه.

إقرأ أيضا:

خارطة تواجد داعش في الدول العربية

7