"دولة الخلافة" تنهار لكن جهاز استخباراتها مازال قويا

الأحد 2017/12/10
البحث عن جواسيس داعش وسط تجمعات اللاجئين والهاربين من المعارك

واشنطن - لا يقلل انهيار “دولة الخلافة” في العراق وسوريا من خطر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وقدرته على التكيف مع الوقائع الجديدة معتمدا في ذلك على ركيزتين أساسيتين؛ جهاز استخبارات قوي. لذلك، ورغم تراجع التنظيم المتشدد والهزائم الميدانية التي لحقت به في العراق وسوريا وأدت إلى انهيار “دولة الخلافة”، فإن الخطر يبقى قائما، والتحدي الأكبر سيكون في التعامل مع جهاز استخبارات داعش ومدى قدرته على تجنيد الجواسيس والاتصال بأعداد كبيرة من المتطرفين المحليين في مختلف أنحاء العالم.

وهذا التحدي الاستخباراتي هو أحد الأسباب التي دفعت لورا شياو، المديرة بالإنابة لمعلومات المخابرات بالمركز الوطني لمكافحة الإرهاب (أميركي)، إلى القول خلال جلسة أمام لجنة بمجلس الشيوخ، “للأسف، لا نتوقع أن تترجم خسارة تنظيم الدولة الإسلامية للأراضي إلى تراجع مماثل في قدرته على أن يكون ملهما لهجمات”.

وتكشف دراسة نشرتها مؤخرا مجلة فورين افيرز عن الكثير من تفاصيل عمل جهاز استخبارات داعش وعملياته المتنوعة التي يقول الخبراء إن أسلوب عمله مماثل للأسلوب الذي تعتمده أجهزة الاستخبارات في مختلف دول العالم.

ويؤكد المحلّلون أنّ سرّ نجاح داعش كامن في أنّه شغّل على مدى سنوات خلايا نائمة تتولى مهمة عمل التجسس وتوفير المعلومات. وعادة ما يكون هؤلاء الأشخاص منخرطين في المجتمع ويمارسون أعمالا اعتيادية من أجل عدم إثارة الشكوك، ولكنهم في الواقع يجمعون الكثير من المعلومات.

حرب جواسيس

عندما بدأت القوات العراقية في استعادة الأراضي الواقعة تحت سيطرة داعش شرع الكثير من الداعشيين المحليين من الدرجة الدنيا والمتوسطة في التفكير في التعاون مع الحكومة العراقية لإنقاذ حياتهم.

ومع مرور الوقت أصبح داعش أيضا أكثر تخوفا من اختراق وكالات استخبارات أجنبية له. وبالفعل لم يقتصر الأمر على استهداف التحالف لقادة داعش بضربات جوية دقيقة، بل تحدث الزعماء الأجانب عن اختراق داعش.

حل مشكل الاستخبارات الداعشية يتطلب من القوات العراقية كسب ثقة السكان المحليين وتنمية التعاون الاستخباراتي بين مختلف المجموعات المسلحة ومختلف البلدان. وسيكون من الأسهل القبض على مخبر داعشي إذا تبادلت المجموعات المسلحة الموجودة في المدينة نفسها المعلومات الاستخباراتية

سعت الحكومة العراقية، والحكومات الأجنبية، إلى زرع جواسيس تابعة لها في جسد التنظيم المتشدد. وتنقل فورين افيرز عن أحد المخبرين في الجيش العراقي أن “عددا كبيرا من الناس في الموصل أرادوا التعاون لأنهم أرادوا الانتقام من داعش لقتلهم أفرادا من أسرهم”.

أما بالنسبة إلى آخرين كان العمل فقط لمكاسب مادية، وقيمة المبلغ المدفوع تتوقف على المعلومات المقدمة. وكان جمع المعلومات سهلا حتى أن إحدى المخبرات فعلت ذلك عن طريق مغازلة مقاتلي داعش، ولتفادي جذب الانتباه كانت تتنزه مع أبناء وبنات إخوتها بما أنه لم يكن لديها أبناء من صلبها. امرأة أخرى عملت حلاّقة وتجسست على قادة داعش عن طريق زوجاتهم اللائي كن يترددن على صالونها.

كان الجزء الأصعب من العمل يتمثل في مشاركة أي معلومات يجمعنها. كانت الأراضي الواقعة تحت سيطرة داعش محاطة بالقوات العراقية وقوات التحالف، لذلك كان من المستحيل تمرير المعلومات بصفة شخصية. بقيت هناك مقاه مجهزة بالإنترنت في الدولة الإسلامية، لكن في الموصل على الأقل، حسب ما يقول سكانها، “لم يكن هناك أي موظف ليس مخبرا أمنيا (لفائدة داعش) ولا أي حرفاء ليسوا منتمين إلى داعش”.

كذلك كان داعش مرتابا من الأجهزة الإلكترونية المتطورة، ويقال إنه في اليوم نفسه الذي استولى فيه على الموصل اعتقل مدنيا بتهمة التجسس من أجل حمله لساعة رياضية مجهزة بنظام تحديد المواقع.

وعلى الرغم من امتلاك البعض من المخبرين لهواتف تعمل بالأقمار الصناعية فإن أبسط طريقة لنقل المعلومات هي عن طريق هاتف خلوي عادي. لذلك منع داعش هذه الهواتف وهو ما يعني أنه كان على المخبرين إيجاد طرق مبتكرة لإخفائها. كانت الجاسوسة تخفي هاتفها في حمالة الصدر، وآخرون يخفونها في أعلى الأشجار وفي جرار متعددة في المطابخ وفي الأثاث وفي الحدائق.

انطلاقا من هناك، ازدادت الأمور تعقيدا فلم يكن من السهل إيجاد تغطية هاتف جوال جيدة في الموصل، لذلك كان على المخبرين إرسال رسائل نصية من أماكن مرتفعة مثل الطوابق العليا للبنايات أو الأحياء الواقعة على التلال.

بالطبع كان أفراد داعش يعرفون ذلك أيضا لذا كانوا يفتشون أي شخص يتردد على هذه الأماكن بكثرة، وإن وجدوا هاتفا يحمل رسائل متعلقة بالموضوع فذلك يعني إعدام حامله. وعندما يكون الهاتف خاليا من أي معلومة فذلك مثير للشبهة أيضا، وكان يعني التعذيب. وبالرغم من التعرض للأخطار استمر المخبرون في العمل ولعبوا دورا حاسما في الإعداد للحرب ضد داعش وأثناء العمليات الكبرى مثل العملية التي وقعت في الموصل.

وبينما كان المخبرون يخاطرون بحياتهم للحصول على معلومات حول داعش لفائدة القوات العراقية، كانت المعلومات تتدفق أيضا في الاتجاه المعاكس، أي من المتعاطفين مع داعش خارج منطقة هذا التنظيم إلى مركز القيادة والمراقبة التابع لداعش.

كانت تقنياتهم في جمع المعلومات متطورة نسبيا لأنهم لم يستفيدوا فقط من تجربة العراقيين الذين عملوا مع الأجهزة الاستخباراتية التابعة لنظام صدام حسين بل استفادوا أيضا من المقاتلين الأجانب من عدة بلدان.

كان داعش يبدأ في جمع المعلومات عن طريق اختراق مختلف المؤسسات الحكومية. وبالرغم من أن عناصر داعش ركزوا على المؤسسات الأمنية، كانوا أيضا يقومون بعمليات جوسسة اقتصادية؛ مثلا قبل الاستيلاء على الموصل وضعوا أشخاصا في متحف الموصل ثم نهبوه في نهاية المطاف.

وحسب مديرة المتحف ريا يونس، قبل سيطرة داعش على المدينة جاء إلى المتحف عامل جديد يبعث على الارتياب ومن المرجح أنه كان يجمع المعلومات حول مكان تخزين أثمن التحف الفنية.

وبعد سيطرة داعش على المناطق الكبرى كان جواسيسه ينتقلون إلى جمع المعلومات عن المناطق التي تسيطر عليها الحكومة العراقية. وكان سائقو التاكسي مفيدين بصفة كبيرة، خاصة عندما يكون ممكنا التنقل بكل حرية بين الأراضي الواقعة تحت سيطرة داعش وبقية العراق. في الوقت نفسه كان داعش يتجسس على المدنيين في الأراضي التابعة له. مثلا، استخدم التنظيم الأطفال ليتنصتوا على المحادثات في الشوارع وفي السوق.

أما الكبار فيترددون على أماكن عامة أخرى، وهنا يقول أحد أفراد استخبارات داعش “كنت أذهب إلى دكاكين الحلاقين وأسترق السمع بينما كنت أنتظر دوري.

وكنت أذهب إلى المساجد بعد تأدية الصلاة وأستمع إلى ما يقوله الناس بينما كنت أتظاهر بقراءة القرآن”. وفي سوريا، كان لداعش جواسيس في مجموعات مسلحة غير تابعة للدولة، فقبل شهرين فقط تم التعرف على مقاتل أجنبي ينتمي إلى هيئة تحرير الشام (النصرة سابقا) بوصفه مخبرا لداعش.

كسب ثقة السكان يعد مكسبا لهزيمة داعش

الجهاز الأمني

في مواجهة حرب الجواسيس أعد داعش عملية استخباراتية مضادة متطورة لاصطياد العملاء الأجانب. وعُهد لقوة الأمن الداخلي لدى داعش (الجهاز الأمني) مهمة استئصال الخونة، وعول هذا الجهاز على الأعضاء الأكثر خبرة وتفانيا وكان يمتلك عملية التدقيق الأكثر صرامة. مثلا كان من العادي للمقاتلين في سوريا تغيير التنظيمات عدة مرات لكن هذا الجهاز الأمني لا يقبل إلا الأشخاص الذين لم يقاتلوا مع أي تنظيم عدا داعش.

ووظف داعش جيشا من المخبرين يمكن أن يحصلوا على خمسة آلاف دولار عن كل جاسوس يتم القبض عليه. ولم يكن الأجر عاليا فحسب (الأجر المتوسط لمقاتل في داعش كان بين 100 و250 دولارا في الشهر). وكان بعض المدنيين يعملون مخبرين في الجهاز الأمني لأن ذلك يساعدهم في أعمالهم التجارية. ولأن داعش كان متخوفا جدا من الاختراق على المستوى التنظيمي، كان دائما يستعمل مخبرين سريين حتى لمراقبة أعضائه.

وبالنسبة إلى المقاتلين الأجانب عادة ما تبدأ هذه المراقبة من قبل مجيء المقاتل إلى سوريا. في البداية يتولى المخبرون الداعشيون في المجتمعات الأجنبية التثبت من المقاتلين المحتملين، بعد ذلك تتم مراقبتهم باستمرار بعد الوصول إلى تركيا.

في هذا السياق، يقول مقاتل سابق إن “كل شخص في داعش كان في حالة خوف مستمر من وقوعه ضحية عملية التجسس″. وحسب قوله، من المستحيل مناقشة أي شيء حتى مع أصدقاء في الوحدة نفسها لأن المخبرين التابعين للجهاز الأمني كانوا يسجلون المحادثات.

داعش والحشد العشائري

مع تواصل الحرب ضد التنظيم وتراجعه في العراق، يبقى من غير الواضح هل أن داعش سيتمكن من اختراق مؤسسات إنفاذ القانون المحلية مرة أخرى.

وكانت قوة الحشد العشائري في العراق (المتكونة في معظمها من تنظيمات سنية محلية) عوضت نظيراتها الشيعية غير المحلية (قوات الحشد الشعبي) وتولت مهمة الحفاظ على الأمن في أماكن عديدة.

وبالرغم من أن أعوان قوة الحشد العشائري يحظون بثقة أكبر من قوات الحشد الشعبي لدى المحليين، يخشى بعض المدنيين (وتنظيمات مسلحة أخرى) بأن يكون الحشد العشائري مخترق من داعش.

وقد تكون لهذه المخاوف ما يبررها فأثناء التدريبات السابقة للتوظيف، تعرف الحشد العشائري على جاسوس داعشي واعتقله. وحسب فيصل جبر، وهو زعيم لأحد تنظيمات الحشد العشائري المرابطة غرب الموصل، “هذه المخاطر حقيقية جدا لكننا نبذل قصارى جهدنا للتخفيف منها. مثلا للدخول إلى مجموعتنا يجب على الشخص ألا يكون تحت سيطرة داعش في الموصل وتحصل على توصيات من مجتمعه ونتثبت في اسمه مع المؤسسات الأمنية في كل من كردستان وبغداد”. لكن ليست كل التنظيمات تعتمد التدقيق الشديد إلى هذه الدرجة خاصة عندما يكون من الصعب إيجاد مرشحين لديهم المؤهلات اللازمة.

إن حل مشكل الاستخبارات الداعشية يتطلب من القوات العراقية كسب ثقة السكان المحليين وتنمية التعاون الاستخباراتي بين مختلف المجموعات المسلحة ومختلف البلدان. وسيكون من الأسهل القبض على مخبر داعشي إذا تبادلت المجموعات المسلحة الموجودة في المدينة نفسها المعلومات الاستخباراتية.

وهذا المشكل لا يقتصر على العراق، فالأجانب المنتمون إلى الجهاز الأمني، وخاصة قيادته، هم من بين الأكثر المرشحين للهروب من العراق وسوريا والتوجه إلى أماكن أخرى، بما في ذلك أوروبا.

والبعض منهم لا يزال يعمل لفائدة الجهاز ومن ثم يمكنهم ببساطة استئناف أنشطة داعش في مكان جديد، خاصة وأنه عاد لتحريك ترسانته الإعلامية عبر الفضاء الإلكتروني، حيث أكد مارك ميتشل، القائم بأعمال مساعد وزير الدفاع الأميركي للعمليات الخاصة، أن “القضاء على الخلافة المادية لا يمثل نهاية تنظيم الدولة الإسلامية”.

وأضاف، خلال مداخلته أمام لجنة مجلس الشيوخ، أنه مع فقدان التنظيم للأراضي فسيزيد اعتماده على الجواسيس وسائل الاتصال الافتراضي ويواصل الهجمات.

وأبرزت مقتطفات من جلسة مجلس الشيوخ عن تهديد متنام يشمل قدرة تنظيم الدولة الإسلامية على تعديل خطابه بعد خسارته الأراضي لتصوير الصراع على أنه عملية طويلة الأمد. وتجلى هذا واضحا من خلال الإصدار الأخير الذي أصدره التنظيم وتروج له المواقع التابعة له.

ويحمل هذا الإصدار عنوان “لهيب الحرب إلى قيام الساعة“، وهو الجزء الثاني من فيديو “لهيب الحرب” الذي بثه قبل 3 سنوات “لهيب الحرب”، موثقا فيه سلسلة من عملياته القتالية ضد خصومه في سوريا ومصر والعراق.

وبدا واضحا أن داعش يهدف من خلال الإصدار الجديد إلى إقناع مقاتليه وأنصاره بأنه خسر الجولة الأولى من حربه الطويلة، لكنه شدد في نفس الوقت على أن الهزيمة لا تعني التسليم التام وأن داعش وأجهزته الأمنية والاستخباراتية ستبقى نشطة.

7