دولة العراق والشام الإسلامية تعيث فسادا في سوريا بدعوى تحرير أرض المجد والعروبة

الأربعاء 2013/10/09
"مفاتن" سوريا تثيـر مطامـع التنظيمات الجهادية و"الدولة الاسلامية" تسعى إلى التفرد بالسيطرة لكسب المغانم

دمشق ـ في قمة الفوضى والصراع في سوريا ظهر تنظيم جهادي جديد، بدا أنه تابع لـ"القاعدة" في العراق، أعلن أمراءه أنه يسعى إلى بعث "الدولة الاسلامية في العراق والشام". "العرب" تسبر أغوار هذا التنظيم الحديث، الذي يقف مع كل الأطراف في سوريا وفي الوقت نفسه يحاربها، من أجل إقامة "الدولة الإسلامية" التي يتزعمها العراقي أبو بكر البغدادي والتي تمتدّ من الشمال حتى الشرق.

في وقت مبكر من صباح الثلاثاء التاسع من نيسان- أبريل 2013، نشر الشيخ أبو بكر الحسيني القرشي البغدادي، زعيم "دولة العراق الإسلامية"، وهي فرع من تنظيم "القاعدة"، رسالة صوتية أعلن فيها مدّ نطاق "دولة العراق الإسلامية" إلى بلاد الشام، مما يعني فعليا ضم الجماعة الثورية الجهادية السورية "جبهة النُصرة" إلى أحضان منظمته.

ونشأت "دولة العراق والشام الإسلامية" بعدما دمج فرعي القاعدة "جبهة النصرة لأهل الشام- سوريا، ودولة العراق الإسلامية- العراق" في جسم واسم واحد، وذلك لضرورة شرعية أسمى هي الانضمام إلى ما هو "على درجة أعلى من النمو والسمو" حسب التسجيل الذي بث على الإنترنت بصوت البغدادي. وذلك في أعقاب الرسالة المصورة التي نشرها زعيم القيادة المركزية لـ تنظيم القاعدة أيمن الظواهري يدعو فيها إلى توحيد الجهاد في سوريا. ولم يكن هذا من باب المصادفة بقدر ما يبرز الأهمية المستمرة للقيادة المركزية للقاعدة.

هذا ما جناه المتطرفون على المعري وهارون الرشيد
الرقّة- في مشهد زاد من ألم السوريين وضاعف مأساتهم، استيقظ أهالي مدينة الرقة صباح الأربعاء الماضي على تمثال الخليفة العباسي هارون الرشيد وهو محطم وملقى على الأرض في حديقة الرشيد".

ونقل عن نشطاء أن مقاتلين جهاديين ينتمون إلى "دولة الإسلام في العراق والشام" هجموا، في الليل، على تمثال الخليفة العباسي هارون الرشيد وقاموا بفصل الرأس عن قاعدة التمثال، بحجّة أنه من "الأصنام" التي حرمها الإسلام.

وهددت 'داعش" بأن مقاتليها سيحطمون كافة "الأصنام" بالمدينة.

وقبل هذه الحادثة بيومين أقدم مقاتلو "دولة الإسلام" على إحراق تماثيل وصلبان في كنيستين مجاورتين للحديقة. وفي حادثة سابقة مشابهة قام مسلحون من جبهة النصرة بقطع رأس تمثال الشاعر العربي الشهير أبي العلاء المعرّي في مسقط رأسه، مدينة معرة النعمان في محافظة إدلب بشمال غرب سوريا.

إعلان البغدادي أكد ما اعتقده كثيرون بالفعل وما ذكرته الولايات المتحدة في ديسمبر- كانون الأول في تسميتها لـ "جبهة النُصرة" كجماعة إرهابية. وتم دعم التنظيم من قبل عدد من المجموعات الجهادية بما فيها من سبقتها مثل "مجلس شورى المجاهدين في العراق" و"تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" و"جند الصحابة" و"التوحيد والسنة" و"جيش الطائفة المنصورة" وعدد من الجماعات.


أرض الرباط والجهاد

الحكاية بدأت مبكرا، بعد أقل من ثلاثة شهور على بدء الثورة السورية، حيث أصدر الظواهري كلمة مصوّرة في حزيران2011 يدعو فيها إلى الجهاد في سوريا.

يُلحق الظواهري كلمة أخرى بكلمته الأولى يوم 12 شباط 2012، بعد حوالي تسعة شهور، وتكاد تتطابق الكلمتان، غير أنه هنا لا يكتفي بالتحذير من الغرب، بل يلحق به تركيا والعرب. تتزامن الكلمة مع بعثة المراقبين العرب ومبادرات الجامعة العربية، وبعد وضع "جبهة النصرة" على قائمة الإرهاب الأميركية بيوم واحد. وفي يناير 2013، أوضح أبو لقمان أحد كبار قادة "جبهة النصرة" في حلب لـ "العرب" أنه انضم إلى الجماعة في مراحلها الأولى قبل ستة أشهر من نشرها.

ويبين ذلك أن "جبهة النصرة" تأسست في أواخر تموز-يوليو2011 وهو إطار زمني دعمته مقابلات أجريت مع مقاتلين آخرين ينتمون إلى "الجبهة" كانوا قد أجروا حوارات مع وسائل إعلام غربية وعربية. ويتزامن التاريخ الذي ذكره أبو لقمان أيضا مع الفيديو الأول الذي نشره أيمن الظواهري المتعلق بالانتفاضة السورية، والذي تم بثه في 27 تموز- يوليو 2011.

ففيه قال إنه يؤيد "المسلمين في بلاد الشام، أرض الرباط والجهاد والمجد والعروبة والشهامة". وفي سياق إعلانه الأخير حول سوريا، يشير ذلك إلى أن القيادة المركزية لـ تنظيم "القاعدة" كانت على علم بإقامة "جبهة النُصرة" قبل عامين، وربما أمرت بإقامتها أيضا.

بتاريخ 10 /4 /2013 أعلن أبو محمد الجولاني المسؤول العام في جبهة النصرة رفضه الانضمام إلى الدولة التي أعلن عنها البغدادي، ونفى أن يكون الأخير استشاره في قضية الدمج، ومجددا مبايعته لزعيم تنظيم القاعدة في أفغانستان أيمن الظواهري. استمرت "دولة العراق والشام الإسلامية" في العمل مستقلة جنبا إلى جنب مع "جبهة النصرة"، وغدت لها أماكن وجودها ونفوذها في مناطق ريف إدلب الشمالي، وريف حلب الشمالي، واللاذقية، وريف حمص. لتمثل الدولة الإسلامية مجموعة من الأهداف لإنشاء إمارة خاصة يرأسها البغدادي ومشروعها أيضا إقامة إمارات إسلامية لكل بلد من البلدان ومن ثم توحد هذه الإمارات نفسها تحت إمارة واحدة.


سلسلة من الهجمات

بدأت الدولة مشروعها بالفعل: باعتقال أعضاء المجلس المحلي لتل أبيض، واعتقال الإعلامي زيد محمد، واعتقال ناشط إعلامي حلبي ذهب للاعتراض على إغلاق معبر كراج الحجز في بستان القصر ثم وجد في مقرّ الهيئة الشرعية اتهاما له بالرّدة، ثم اعتقال مراسل قناة "أورينت" عبيدة بطل، وإعلان "كتائب أحرار الشام" عن مقتل المسؤول الإغاثي أبي عبيدة البنشي بعد إطلاق النار عليه من قبل مسلحين ينتمون إلى "الدولة الإسلامية". والحديث عن اختطاف الأب اليسوعي باولو داليلو وحتى عن مقتله.

مسيحيو سوريا في مرمى نيران "داعش"
الاعتداءات الأخيرة على المعالم المسيحية في سوريا من قبل فصائل إسلامية متشددة في محافظة الرقة شمال شرق سوريا، استنكر على إثرها رئيس الرابطة السريانية، حبيب أفرام، "الصمت العربي والإسلامي" منددا "بالاعتداءات التي تستهدف المسيحيين"، شاجباً "مخطط تهجيرهم من المنطقة".

وانطلاقا من رفضهم (المسيحيين) في أن يكونوا طرفا في أي نزاع داخلي في سوريا، لم تظهر حتى الآن من المسيحيين السوريين إشارات قوية في الاصطفاف إلى جانب معين في النزاع الدائر منذ حوالي عامين ونصف العام، باستثناء حالات فردية انحازت لهذا الطرف أو ذاك سواء على المستوى السياسي أوعلى مستوى تعضيد طرف على حساب طرف آخر.

إلا أن النظام السوري كعادته حاول اللعب على ورقة الأقليات وكسبهم إلى جانبه في معركة يسميها "الحرب على الإرهاب"، لكن الغالبية العظمى منهم وقفت موقف المتابع منذ بداية الثورة إلى أن تسلحت الثورة السورية ودخلت عناصر أجنبية إسلامية وشكلت فصائل مقاتلة ورفعت رايات تنظيم القاعدة ونادت بتطبيق شريعة الله على الأرض.

ويقول عبد الكريم الريحاوي، رئيس الرابطة السورية للدفاع عن حقوق الإنسان، لـ "مؤسسة أنا للإعلام الجديد"، إن "المسيحيين وهم ضمن الأقليات، والأقليات بشكل عام منذ بداية الثورة كانت تراقب بحذر ما يجري بسبب عدم قناعتها بانتصار الثورة، أوخوفها من انتقام النظام السوري وبطشه".

وبدأ القلق يراود المسيحيين مع تفكيرهم في مستقبلهم ووجودهم في حال سيطر المسلحون الإسلاميون على مقاليد الحكم في البلاد، بعد أن كانوا مطمئنين في ممارسة شعائرهم ومعتقداتهم وفتح مدارسهم الدينية باللغات السريانية والأرمنية وغيرها في عهد حافظ الأسد الأب وابنه عبرعقود طويلة.

ولهذا طالب البطريرك الماروني في لبنان، مار بشارة بطرس الراعي، أبناء ملته باتخاذ موقف حيادي حيال النزاع السوري، قائلاً: إن"المسيحيين لا يهتمون بالسلطة الحاكمة، فهم لا يقفون مع النظام أو ضد النظام، وإنّ همهم الأول هو حماية الدولة".

يشكل المسيحيون في سوريا حوالي المليون ونصف المليون نسمة، من جميع الطوائف الكاثوليكية والأرثوذكسية، وتتوزع على مجموعة من الطوائف الدينية كالسريان واللاتين والآشور والكلدان، ويقطن غالبية الآشوريين والكلدانيين شمال شرق البلاد، أما الباقي من طوائف السريان والروم الكاثوليك والأرثوذكس فيقطنون في مناطق سورية أخرى كدمشق وحمص واللاذقية، أما الطائفة الأرمنية فتتركز غالبيتها في حلب.

وفي أولى الاعتداءات على دور العبادة المسيحية بعد أن تحولت الانتفاضة الشعبية إلى نزاع مسلح بين الطرفين، كانت كنسية أم الزنار في حمص، هي أولى الكنائس التي تتعرض لقذائف النظام، حيث كانت منطقة الكنيسة قد شهدت اضطرابات، واحتمى فيها عدد من أعضاء الجيش الحر.

وزادت حادثة اختطاف رجل الدين الإيطالي باولو دالوليو، في يوليو في مدينة الرقة، واتهام "تنظيم دولة العراق والشام الإسلامية" بالوقوف وراءها، مخاوف المسيحيين في سوريا من مصير مشابه لذلك الذي عاشه مسيحيو العراق من تهجير وخطف وقتل على الهوية.

وتفاقم الخوف المسيحي بعد اختفاء الأب باولو الذي جاء بعد ثلاثة أشهر على خطف مطران حلب للروم الأرثوذكس بولس اليازجي ومطران السريان الأرثوذكس يوحنا إبراهيم بريف حلب، وتضارب الرويات حول مقتلهما. ولم يتبن أي طرف مسؤوليته عن خطف المطرانين، لكن مصادر في الكنيسة الأرثوذكسية أعلنت أن "الخاطفين قد يكونون من (الجهاديين الشيشان) الناشطين في بعض الشبكات الإسلامية في تركيا".

واعتبر بعض المسيحيين دخول قوات المعارضة السورية إلى بلدة معلولا في ريف دمشق، في شهر سبتمبر 2013، وتفجير حاجز للجيش الحكومي من قبل جبهة النصرة، اعتداء على المقدسات الدينية بشكل مباشر "على الرغم من عدم تسجيل أية انتهاكات بحق المقدسات المسيحية" .

وبعد حادثة معلولا بحوالي أسبوعين هاجمت عناصر من "دولة الإسلام في العراق والشام"، (داعش)، واعتدت على كنيستين في محافظة الرقة شمال سوريا، وكان مقاتلون من "داعش" قد قاموا بإحراق محتويات كنيستين وأقدموا على إحراق محتويات كنيسة سيدة البشارة للروم الكاثوليك من تماثيل وصلبان، كما قام عناصر من الدولة الإسلامية، المرتبطة بالقاعدة، بتحطيم الصليب المرفوع أعلى كنيسة الشهداء للأرمن الكاثوليك، ورفعوا بدلا منه علم الدولة الإسلامية في الشام والعراق .

وأكدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أن "الكنائس التي استهدفتها القوات الحكومية شملت 10 كنائس في محافظة حمص، و7 في محافظة حلب و5 في محافظة دمشق و5 في محافظة دير الزور و3 في محافظة اللاذقية واثنتان في محافظة إدلب وواحدة في محافظة الرقة".

ولكن لا بد من القول إنه حتى الآن ليس هنالك موقف واضح، كبيان من السلطات الدينية العليا في الكنسية السورية المسيحية أو تجمع شعبي، يشير بميل المسيحيين السوريين إلى خط سير الثورة السورية من بدايتها وحتى الآن.

وفي الطرف الآخر هنالك شخصيات لها وزن في المعارضة السورية من المسيحيين مثل ميشيل كيلو، وجورج صبرا، وعبد الأحد أسطيفو مسؤول المنظمة الآشورية الديمقراطية في أوروبا، بالإضافة إلى مواقع إلكترونية على صفحات التواصل الاجتماعي الداعمة للثورة، كما يوجد الكثير منهم ممن يؤيدون النظام السوري أيضا.

ويضاف إلى ذلك كله الاشتباكات ضد "ألوية أحفاد الرسول" في الرقة، حيث قامت "داعش" (الاسم المختصر للدولة وفق تسمية الناشطين المدنيين) بإرسال سيارة مفخخة إلى مقر جماعة "أحفاد الرسول" في منطقة سكة القطار في الرقة، وقتل ما يقارب 40 عنصرا من "أحفاد الرسول".

ومن ثم عمدت الجماعة إلى نشر قناصين في المدينة والاشتباك مع "أحفاد الرسول"، واستمرت الحالة على هذا النحو، حتى انسحبت ألوية "أحفاد الرسول" لتترك المنطقة تحت سيطرة "داعش"، كذلك الاشتباكات بين "داعش" ومسلحي "الجيش الحر"، في شرق سوريا بعد تفجير "داعش" سيارة في مركز تابع لـ"لواء الله اكبر" في منطقة البوكمال وأدى إلى مقتل شقيق قائد "اللواء"، والسيطرة على مستودعات سلاح للنصرة في دير الزور، إضافة إلى مواجهات مع لواء في الجيش الحر في بلدة حزانو في ريف إدلب في شمال غربي البلاد، وقضية المعتقلين بتهم التظاهر ضد الدولة أو التعاون مع الإئتلاف الوطني أو الدعوة إلى دولة مدنية، والذين بلغوا أكثر من 300 معتقل حسب بعض المصادر في الرقة وحدها. وفي مدينة الباب (35 كم شمال- شرق) حلب أكدت مصادر محلية أن "دولة الإسلام في العراق والشام" هدمت عددا من القبور التي تعود إلى "أولياء". وأشارت المصادر إلى أن "داعش" هدمت أكثر من 20 قبرا في المدينة وريفها يقع في داخل مساجد تلك المدينة والبلدات. كما فُقد الاتصال في مدينة الرقة مع "أبو سعد" أمير جبهة النصرة في المدينة، وأنباء عن اختطافه بالقرب من دير حافر، وحسب ناشط من الرقة فإن المتهم حاليا هو تنظيم دولة العراق والشام الإسلامية في الرقة.

ذ ويقول نشطاء من المدينة إن أبا أسعد هو أول من انشق عن "داعش" مع إعلان الدولة الإسلامية في الرقة، وهرب مع مجموعة من العناصر إلى قلعة جعبر، وشكلوا "جبهة النصرة"، ومنذ ما يقارب الشهر تقريبا عادوا إلى الرقة وبايعتهم الفرقة 11 من الجيش الحر، ما جعلها قوة لا يستهان بها، وتعود أسباب تفضيل السكان للنصرة على "داعش" أن البيان الأول الذي أصدره أبو أسعد كان يحمل قرارا بإلغاء اللثام، وندد البيان بالخطف، ما جعل السكان يميلون إلى جهتها ويزداد خوفهم من "داعش".

في موازاة ذلك، هدّدت "داعش" بشنّ سلسلة من "الهجمات الاستشهادية" التي تستهدف عبرها الحكومة التركية، مطالبة إياها بفتح معبري باب الهوى وباب السلامة، اللذين أغلقتهما أنقرة بعد سيطرة التنظيم على بلدة أعزاز. في مؤشر على حدة الصراع المتصاعد بين مقاتلي المعارضة السورية، اتهم أحد الألوية الرئيسية في الجيش الحر (لواء عاصفة الشمال) مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بالعمل لصالح نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

واقتحم مقاتلو الدولة الإسلامية مدينة أعزاز على الحدود التركية، ما أدى إلى توتر مع (عاصفة الشمال) انتهى باتفاق برعاية ألوية من الجيش الحر. واتهم معارضون داعش بعدم الالتزام ببنود الاتفاق. وقال لواء عاصفة الشمال، إن داعش نقضت "العهد بيننا بشهود رعاة الاتفاق"، كما قال إنه أعلن "الحرب على كل من لم يتبرأ منهم، وخص بالذكر من يُدعون الأنصار ممن وصفهم بشبيحة أعزاز وخوارجها".


"خوارج هذا العصر"

وحسب مقاطع فيديو بثها ناشطون، فقد قامت عناصر من "الدولة الإسلامية في العراق والشام" الأربعاء 25 أيلول، بكسر صليب كنيسة "سيدة البشارة" للروم الكاثوليك في مدينة الرقة، كما أقدمت المجموعة على حرق محتويات الكنيسة من صلبان ولوحات وتماثيل، بعد نصب راية "الدولة" على الكنيسة.

كما قاموا في الوقت نفسه، بإنزال الصليب، من على كنيسة "الشهداء" للأرمن، بالقرب من حديقة الرشيد وسط المدينة، وذلك حسب مصادر إعلامية تابعة للمعارضة السورية. ولم تعلن "الدولة الإسلامية في العراق والشام" مسؤوليتها عن الاعتداء على الكنيستين في الرقة، ولم تجر العادة أن يتبن التنظيم الأفعال التي يقوم بها، لما يتمتع به قادته وعناصره من سرية.

فضلا عن العقلية الرافضة بالكلية لمبدأ الانتخاب أو البرلمان أو الدولة المدنية بمرجعية إسلامية. يُعزى الأمر كذلك إلى التنافس المتصاعد مع كتائب من الجيش الحر، والذي تجلّى في اتهام "الدولة" باغتيال كمال حمّامي "أبو بصير"، عضو المجلس القيادي الأعلى للجيش السوري الحر، لتتراكم عدة عوامل تدفع بشخصية من قلب التنظيمات المسلحة مثل "قائد لواء الإسلام" الشيخ زهران علوش إلى شن حملة قاسية ضد "داعش" عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، واصفا مسلحي الجماعة بـ"خوارج هذا العصر".

استدعى ذلك ردات فعل من عدد من شيوخ ومنظري التيار السلفي الجهادي، الذين طالبوا بتطويق الموضوع سريعا، وعدم نشر الخلافات عبر وسائل الإعلام، وحل هذه الإشكاليات، حفاظا على وحدة الصف وتماسك "أهل السنة"، على حد وصفهم.

واعتبر هؤلاء أن ما حصل هو مجرد خطأ فردي أو حتى من مجموعة مخترقة تقوم بمثل هذه الأفعال لخلق بلبلة في صفوف "المجاهدين". لكن بالمقابل يرى "عبد الله . ق" ناشط سوري أنه "لابد أن نُقِر بأن جبهة النصرة ودولة العراق والشام وخصوصا الكتيبة الشيشانية تُعدان قوة ضاربة ضد نظام الأسد بالمعارك معه، وبأن تعامل (الدولة)- كما يسميها السوريون- مع النظام والشبيحة والحواجز التي تهجم عليها يكون شرسا جدا، وهذا ما أكسبها تعاطفا كبيرا لدى الأهالي والمدنيين والثوار.


الخلاف بين البغدادي والجولاني

لا شك أن المعاملة الحسنة مع الناس وعدم التواجد كثيرا في المحافل والاجتماعات أعطيا للدولة سيمة حسنة، كما أنّ مشاركتها مع الجيش الحر وغيرها من الفصائل في المعارك كجسد واحد يحسب لها وينسف كثيرا من الاتهامات التي كان آخرها أنها تريد إعلان الدولة الإسلامية في الشمال السوري".

لتتضارب الروايات حول حقيقة علاقة "داعش" بالشارع في مناطق سيطرة المعارضة، ففي وقت يعتبر البعض أنها صاحبة فضل كبير في السيطرة على مطار "منغ"، وفي معارك الساحل ودير الزور، يصفها آخرون بالجماعة "الديكتاتورية"، وحسب بعض المتابعين للحركات الجهادية، فإن الخلاف بين البغدادي والجولاني، ساهم في انبثاق مكونات جهادية أصبحت تعمل بشكل مستقل، في ظل تفضيل بعض المجاهدين البقاء في صفوف الجبهة، وانضمام آخرين إلى دولة العراق والشام، وخروج طرف ثالث أقدم على تشكيل كتائب خاصة به، رغبة منه في عدم الانحياز إلى الأطراف المتصارعة.

الأعمال التي تقوم بها دولة العراق والشام تركت علامات استفهام كبيرة عليها، تقول مصادر في المعارضة السورية، مشيرة "إلى أننا توصلنا إلى قناعة شبه مؤكدة، تفيد بأن "داعش" لا يهمها انتصار ثورة أو سقوط نظام بقدر اهتمامها بالسيطرة على منطقة جغرافية معينة، واخضاعها لسلطتها، فعدد العمليات الانتحارية التي نفذتها "داعش" في العراق وصل منذ نيسان -إبريل العام الحالي إلى نحو 1086 عملية، مقابل 186 عملية في سوريا، أي بنسبة 1 إلى 10 %، وهذا يقدم مؤشرات عن طبيعة وجودها وحجمه إلى حد ما".

وتلفت المصادر إلى "أن "داعش" أعلنت الحرب على عدد من أقوى الألوية العسكرية العاملة في صفوف الثورة، ما يجعل تصويب سهام الاتهامات عليها، ووضعها في خانة التحالف مع النظام السوري أمرا سهلا، فلمصلحة من الأفعال التي تقف خلفها الدولة في الرقة، وريفي حلب وإدلب".

وتضيف "لكن المعارك التي خاضتها الدولة ضد النظام، تجعل المرء في حيرة من أمره، يتريّث قبل توجيه الاتهامات، فهي ساهمت بشكل كبير في إسقاط مطار "منغ"، بعدما كاد مقاتلو المعارضة يفقدون الأمل في السيطرة عليه، نتيجة صمود حاميته أمام الحصار الذي ضربته الكتائب العسكرية حوله، كما أن دولة العراق والشام كان لها الفضل الأكبر في إطلاق معركة "أحفاد عائشة أم المسلمين" بمنطقة الساحل، والتي تركت خلفها ارتباكات كثيرة في صفوف الموالين للنظام".

المعارك التي خاضتها "داعش" ضد الجيش السوري، يقابلها على الطرف الآخر مجموعة من الأعمال قامت بها ضد مقاتلي المعارضة، وتكشف المصادر عن "أن أخطر أعمال "داعش" ظهرت أثناء معركة وقعت مع قوات النظام في إحدى البلدات، حيث قام مسؤولو الدولة بالتهجم على قياديي "لواء الإسلام" الذي يعتبر أحد أبرز الألوية العسكرية في سوريا، وينتشر في عدة مناطق، متخذا من ريف دمشق مقر انطلاق له، وقد أبلغ عناصر الدولة نظراءهم في اللواء بأن المعركة معهم اقتربت، وأن أمر التوجه نحو مناطق الغوطة (معقل اللواء)، قد اتخذ".

وفي تعليقها على الأعمال التي تقوم بها "داعش"، رأت المصادر "أن الدولة وبحكم تبعيتها لتنظيم القاعدة، تدرك بأن استمرارية وجودها تكمن في تفاقم الأعمال الفوضوية، حيث تسود الممارسات العشوائية وسط غياب القوانين، وبالتالي تقاتل "داعش" كل السوريين، دون النظر إلى انتمائهم إن كانوا يوالون المعارضة، أو يوالون النظام".


نسخة جزائرية معدلة

"داعش" اليوم ليست إلا نسخة من الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر مع بعض التعديلات والتنقيحات، وهنا قصة أخرى ففي بداية التسعينات واجهت المخابرات الجزائرية التوسع الميداني للجماعات المسلحة، بسلاح فتاك لم تجد أمضى منه حتى القصف بالطائرات وكثافة النيران، ونعني به الاختراق الأفقي والعمودي، وقد اعترف بعض الضباط أنهم وصلوا إلى أعلى هرم "الجماعة الإسلامية المسلحة" بقيادة جمال زيتوني (تولى إمارة الجماعة في صيف 1994).. وكان هذا بداية تحكم المخابرات في خريطة العنف المسلح، كانوا يخرجون من الثكنات باللحى ويشقون طريقهم إلى معاقل هذه الجماعات في الجبال. وحققوا من الانجازات و"النجاحات" ما عجزت عنه الدبابات والطائرات وقوات مكافحة الإرهاب وفي عهدهم بلغ الانحراف والغلو والتكفير ذروته وبدأ الاقتتال الداخلي..

وكان أهم ما حققوه: قتل عقلاء قادة جبهة الإنقاذ ممن تبنوا العمل المسلح، وبلغ عددهم أكثر من 150 شخصية قيادية مؤثرة سياسيا وميدانيا، وفي مقدمتهم الشيخ محمد سعيد زعيم تيار الجزأرة في الجزائر (تنظيم إسلامي محلي) وكان يلقب بـ"شاطبي الجزائر"، وهو أكبر إنجاز لخطة الاختراق. ومع مقتلهم دخلت الجزائر عهدا دمويا لم تعرفه إلا في زمن الاستيطان الفرنسي، ويمكن القول إنه في فترة ذروة الاختراقات (ربما من 1996 إلى 1998) كان قرار متطرفي وتكفيريي الجماعات المسلحة بيد ضباط المخابرات.

أبو مصعب السوري معاون أبي جهاد الشيشاني القائد العسكري وأمير المنطقة الشمالية أوضح في حديث لصحيفة "العرب" أن سياسة تنظيم الدولة يعتمد على النظرة القريبة والنظرة البعيدة. فأما النظرة القريبة فهي جمع الشباب المؤمن الثائر وزيادة الجرعات العاطفية والروحانية والجهادية، ثم إرسالهم كاستشهاديين بواسل بعد تدريبهم تدريبا شاقا لمدة لا تقل عن الشهرين، مما يجعل الناس تُكبر قوتهم وشدتهم على النظام، كما تعمل الدولة على تأسيس هيئات شرعية مستقلة عن باقي الهيئات ورافضة الاندماج فيها. ويقر بأن الخروقات موجودة في جميع المجموعات.

الخوف من مثل هكذا اختراق دفع بــ "لؤي المقداد"، المنسق السياسي والإعلامي في الجيش السوري الحر إلى اتهام تنظيم "دولة العراق والشام الإسلامية" "باتباع أجندة مشبوهة تقوم على الحكم والسيطرة وليس على محاربة النظام". وأشار إلى "وجود عمل منسق ومبرمج من قبل هذا التنظيم وغيره من المجموعات التي تلتزم بالفكر الجهادي، لاستهداف مقاتلي المعارضة".

وقال المقداد إن "هذه الجماعات جاءت إلى سوريا على قاعدة محاربة القوات النظامية ومساعدة السوريين على التخلص من النظام المستبد، لكننا نرى أنها تحولت اليوم نحو قمع الشعب وترهيبه بالدين إلى درجة أنهم استبدلوا حجج النظام التي كان يستخدمها لقمع السوريين بأخرى ذات بعد ديني، فبتنا نسمع عن (وهن نفسية الأمة الإسلامية) وتكفير المعارضين لهم".

بالمحصّلة، فإنّ القلق من "داعش" و إعلان 13 من أهم الفصائل التبرؤ من "الائتلاف" وعدم تفويضها أية جهة من المعارضة في الخارج بتمثيلها، ليلجم اندفاعة "داعش" لابتلاع الكتائب ونزع سيطرتها عن مناطق الريف الحلبي، فقد أعاد تذكير الجميع بأن النظام يتربص بهم جميعا، فيما يبدو أن سعي تلك الفصائل، عدا "داعش" إلى تشكيل "جيش الإسلام" هو للردّ على "الائتلاف"، الذي دعا إلى تشكيل "جيش وطني"، وعلى "داعش" في الوقت نفسه، وهي التي باتت تستقطب المجاهدين العرب وقسما كبيرا من الشبان السوريين الذين اعتنقوا فكر تنظيم القاعدة.

6