دولة القاعدة والبلاد السعيدة

الاثنين 2013/11/18

يوما ما كانت اليمن بلادا سعيدة. متى حدث ذلك؟ سيكون علينا دائما أن نعود إلى الوراء مغمضي الأعين. ولكن إلى أين؟ تمتزج هنا الأسطورة بالوقائع المنسية. سيقول الحجر شيئا لا تقوله القدم الحافية التي يجرحها ذلك الحجر.

اليمن بلاد تاريخية. لذلك يشعر مواطنوها في كل لحظة أنهم جزء من ذلك التاريخ الغامض الذي صاروا رهائنه المدمنين على تأمل معجزاته. مَن جرب تصفح الكتب التاريخية يعرف أن التاريخ لا يصلح مكانا للإقامة. ولكن اليمنيين يعيشون مضطرين في بلاد قُدر لها أن تكون رهينة لتاريخها. إنهم كائنات تاريخية رغما عنهم. كائنات قررت في لحظة إلهام أن تبني دولة حديثة، تكون القبائل عمودها الفقري.

جرب اليمنيون الخيار الشيوعي. في الجنوب كانت هناك يوما دولة شيوعية، يفتح مواطنوها مظلاتهم إذا أمطرت السماء في موسكو. غير أن الرفاق الشيوعيين لم يمزقوا هوياتهم القبلية التي كانوا يحملونها معهم إلى مؤتمرات الأممية. كانت تلك الهويات بمثابة الضمانة التي يستعيد من خلالها اليمني حيوية وجوده، في بلاد هدمت فيها فأرة سدا عظيما. كانت الشيوعية فكرة عابرة سرعان ما ذهب حاملو رايتها إلى حرب طاحنة، كانت أسوأ من أية حرب قبلية شهدتها البلاد من قبل.

وحين استسلم الجنوبيون لوحدة، كانت بالنسبة لهم حلا لمشكلاتهم الداخلية، فإنهم أعادوا الميزان إلى رشده. لقد رضخوا لخيار قبلي، كان العسكر هذه المرة غطاءه الواقعي.حتى هذه اللحظة لا يصدق الجنوبيون أنهم استسلموا لذلك الخيار الذي هو نوع من البداهة. فاليمن لم تخرج حتى اللحظة من زمنها القبلي، وهو أمر مؤسف فعلا.

سيقول المثقفون اليمنيون شيئا آخر. وهو كلام نظري يصلح مادة لاجتماعاتهم في المجالس اليومية. غير أن الدولة التي هم أدواتها لا تصلح سوى أن تكون واجهة لتوازنات شاء القدر أن تنتمي أطرافها كلها إلى عجينة واحدة، هي مزيج متآلف من نظريات دينية وطقوس، أقل ما يقال في وصفها أنها طقوس بائدة. لا تزال اليمن تنتظر جيوش أبرهة الحبشي عائدة من مكة مهزومة. وإذا ما كان أبرهة في الحكاية الدينية قد أخفق في فتح مكة، فان هناك اليوم في اليمن من يحلم بفتح العالم. لن يقف تنظيم القاعدة بعيدا عن تلك الفكرة التي صارت تغذي خيال اليمنيين المنفصلين عن فكرة العيش في عالم متغير بالمزيد من الأوهام. سيقال أن ذلك التنظيم ما هو إلا اختراع مخابراتي لا يمت لتاريخ شعب مسالم بصلة. وهو قول تبسيطي لا ينظر بعمق إلى الجهد المخابراتي الذي بُذل من أجل العثور على أكثر الأراضي استعدادا لاحتضان القاعدة، كونها فرعا أصيلا من شجرة تمتد جذورها عميقا في التاريخ.

القاعدة في اليمن تستظل بفكرة عيش ليست غريبة عما يفكر فيه اليمنيون أنفسهم. لقد فشلت الشيوعية في الجنوب. فشل العسكر في الشمال. فشلت دولة الوحدة. لم يكن الخيار الحوثي صالحا للاستعمال اليومي، فهو خيال مرفوض إقليميا. ربيع اليمن لم يكن سوى محاولة فاشلة لإعادة إنتاج دولة علي عبدالله صالح. لن يملأ تلك الفراغات سوى تنظيم، صار يبحث له عن ملاذ آمن في هذا الظرف العصيب.

ستكون اليمن سعيدة بتنظيم القاعدة، هذه المرة على الأقل. سيكون على الانفصاليين والوحدويين أن ينصتوا إلى خطاب مختلف، وهو خطاب لن يخرج اليمن من الكهف الذي نسيت فيه، بقدر ما يعيد ارتباطها بعجينة حاولت ذات نهار ناصري أن تنفصل عنها.اليمن تعيد إنتاج نفسها لتكون مقرا لأسوأ ما عرفه التاريخ من التنظيمات الإرهابية.


كاتب عراقي

9