دولة الكرسي المتحرك

الأربعاء 2014/05/21

وأخيرا أعلنت نتائج الانتخابات في العراق. والغريب أن كثيرين، وأولهُم أعضاء في حزب الدعوة، همسوا، قبل المفوضية بأيام عديدة، بأن ائتلاف دولة القانون هو الفائز، وبأنه نال أكبر عدد من المقاعد في عشر محافظات، هي بغداد وميسان وواسط وبابل وذي قار والنجف وكربلاء والمثنى والقادسية، وبأن ائتلاف المواطن جاء في المرتبة الثانية بحصوله على تسعة وعشرين مقعدا، يليه ائتلاف الأحرار في المرتبة الثالثة بثمانية وعشرين مقعدا. والأكثر غرابة أن قناة العراقية (المستقلة) حددت أرقام المقاعد، قبل أن تعلنها المفوضية بأيام، ثم تبين أنها هي نفسها، بالتمام والكمال.

إذن فالمالكي تمكن من أن يسخر من جميع الفتاوى والنصائح والتحذيرات، وأن يقهَر كلَّ الخصوم الذين ظلوا يؤلبون عليه، ويُعددون أخطاءه وسقطاته ومخالفاته، وُيفصِّلون مظاهر ديكتاتوريته، ويُبينون مؤامراته وملفاته الملفقة، ويُحصون مجالات فشله في التنمية والإعمار والخدمات والأمن، وسوءَ علاقاته مع رفاقه في الائتلاف، ومع المرجعية، ومع الطائفة، ويتحدثون عن إساءاته وعداواته مع مكونات الشعب العراقي قاطبة.

فكم من مرة صرخ المرجع السيد بشير النجفي، على الفضائيات، وتحدث بقسوة عن المالكي، وأفتى بحرمة انتخابه؟ وكم من خطبة جمعة ألقاها وكيل السيد السيستاني وهو يوصي رعيته بانتخاب الصالح غير الطالح، والنزيه غير الفاسد، والناجح غير الفاشل، والعادل غير الظالم، وصاحب الخبرة والكفاءة غير الحافي الجاهل وحامل الشهادة المزورة؟ وكم مرة رفض السيستاني استقباله بسبب فشله ليس في خدمة العراق، بل في خدمة أبناء طائفته في المحافظات الجنوبية، بشكل خاص؟

وكم من فضائية وإذاعة وصحيفة ومجلة سلطها المجلس الأعلى ومقتدى الصدر على الرئيس الفاشل؟ وكم من فضائية وإذاعة ومجلة وصحيفة وضعت تحت تصرف أياد علاوي وأحمد الجلبي وصباح الساعدي ورحيم العكيلي لنشر الوثائق والمستندات التي تفضح المالكي ومستشاريه ومعاونيه وابنه وصهريه؟ ولكنه، رغم كل تلك المصائب، حصد نصف أصوات الناخبين، في محافظات بغداد والبصرة والنجف وكربلاء والقادسية وذي قار وواسط وميسان، بالتمام والكمال، وترك النصف الباقي لشركائه في الائتلاف الوطني، مجتمعين، جماعة الحكيم وجماعة الصدر وتحالف الجعفري والفضيلة.

بمعنى آخر، لقد أهان المالكي هيبة المرجعية، وأثبت لها ولغيرها أن الناس مع واهب الوظيفة وقطعة الأرض وصرة النقود، وليسوا مع المرجعية، ولا مع الطائفة ذاتها، ولا حتى مع الوطن. بعبارة أخرى: لقد جعل نصف المواطنين من أتباع المرجعية يتمردون عليها ويعصونها مع سبق الإصرار والترصد.

فما جدوى المرجعية بعد اليوم، وما فائدة فتاواها ونصائحها إذن؟ وما قيمة خطابات وكيل السيستاني كل جمعة؟ وما جدوى فضائيات مهمة ظلت تهدر ليلا ونهارا، وعلى مدى سنين، وهي تنشر الوثائق والمستندات، وتفضح الحكومة والوزراء والسفراء، وتطالب مشاهديها بالتصويت للتغيير، ما دام التغيير الوحيد الذي حدث أن الذي اتهمته بأنه حرامي ومزور ومقصر زاد عدد نوابه ثلاثة عما ناله في انتخابات 2010؟

وهنا لا أريد أن أصدق ما روجه “المغرضون” الصدريون والحكيميون والعلاويون والنجيفيون والمُطلقيون حول التزوير، أو التسقيط، أو منع الناخبين في مناطق خصومه من الوصول إلى مراكز الاقتراع.

ولا أعير اهتماما لما قيل عن أوامر عسكرية صارمة صدرت لمنتسبي وزارتي الدفاع والداخلية ودائرة المخابرات والقوات الخاصة بالتصويت لقائمة القائد العام للقوات المسلحة. ولا أثق بما أشيع حول منح العسكري بطاقتين، واحدة في معسكره، وأخرى في منزله. ولا أصدق أيضا مزاعم البعض التي تؤكد أن تسعين في المئة من منتسبي مفوضية الانتخابات صوتوا لدولة القانون، وأن كثيرين منهم أعضاء في حزب الدعوة أو ائتلاف دولة القانون.

ولا أصدق مؤسسة شمس لمراقبة الانتخابات حين قالت إن عمليات تزوير كبرى نفذتها مفوضية الانتخابات لصالح كتلة دولة القانون وبالأخص في محافظة بغداد. وقالت المنظمة في بيان نشر عقب إعلان النتائج إن “التعيينات في المفوضية وفي المراكز المهمة هي لمؤيدي دولة القانون، حتى أن “محطة صفر” الخاصة بالموظفين للمفوضية كانت بنسبة 90 بالمئة لمؤيدي ائتلاف المالكي”. وقالت إن “وثائق دامغة تبين التزوير عبر إضافة عدد كبير من الأصوات يصل إلى ضعف الأصوات التي صوتت لصالح ائتلاف دولة القانون”، وأضافت تقول “في مدرسة «الضحى والغفران» بجانب الرصافة بلغت أصوات دولة القانون في إحدى المحطات ما يقرب من 147 صوتا وتم احتسابها 247 ٪.

وأشارت المنظمة إلى أن “العدد كان في إحدى المحطات 133 وتم احتسابه 207، وفي أحد المراكز بلغ عدد الأصوات 77 صوتا في حين تم احتسابها 277، وكله لصالح ائتلاف المالكي”. وقالت إن “مقداد الشريفي عين خاله صفاء الموسوي في أحد الأماكن المهمة في المفوضية المسؤولة عن العد والفرز، وكذلك المدعو خليل عبدالرزاق، وهو ابن أخت حنان الفتلاوي، والجميع من أتباع دولة القانون”.

كل هذا أرميه وراء ظهري وأسأل، هل من قوة على الأرض تستطيع أن تغير النتيجة؟ وأي تغيير ننتظر؟ ومن فاز على من؟ وبأي برنامج انتخابي، وعلى أي أساس؟

بصراحة، إذا كان المالكي تمكن فعلا من تسخير كل هؤلاء العراقيين، مدنيين وعسكريين، لتزوير الانتخابات لصالحه فإنه عبقري وشاطر و”أبو جاسم لر”. ويستاهل خصومه، المراجع، وإخوته في الائتلاف الوطني، والأكراد، والعرب السنة، ما جرى لهم جميعا على يديه.

وهاهي أمنا أميركا أول من يهنئ مفوضية الانتخابات على جهودها المباركة، حتى وهي خير من يعلم أن ما جرى هو ضحك على الذقون ولعب ثلاث ورقات. تقول السفارة الأميركية في بيانها: إن “إعلان النتائج دليل على مدى التطور الديمقراطي في العراق”.

هاتفني صديق كان مرشحا عن التحالف المدني الديمقراطي، ولكنْ لم ينتخبه سوى أفراد أسرته وبعض رفاق حزبه فلم يستطع منافسة حسين الشهرستاني ولا علي الأديب، فقلت له إننا جميعا أخطأنا بحق شعبنا العراقي العظيم وعلينا أن نعتذر. فقد مرْمرنا عيْشَه بما دأبنا على كتابته أو الهتاف به، من أربع سنوات وإلى يوم الانتخابات الأخيرة، ونحن نتكهن بحتمية التغيير هذه المرة، ونبشره بالحرية والديمقراطية والدولة المدنية العادلة العاقلة التي تحترم أهلها وتساوي بينهم دون طائفية أو عنصرية أو دين أو لون أو جنس.

ثم جاءت نتائج الانتخابات الأخيرة لتقول لنا إن أولويات الجماهير العراقية (العريضة) لا تتضمن بند الحرية ولا الكرامة ولا الأمن ولا العيش الكريم. إنها لا يزعجها الحال المائل، ولا الخراب.

إن مفوضية الانتخابات قالت لنا الشيء المفيد، وهو أن دولتنا مشلولة مقعدة، قضت أيامها ولياليها الماضية على امتداد ثماني سنين، وستقضي أيامها ولياليها المقبلة على كرسي متحرك، وأن صراع الديكة كله ليس على من يأخذ بيدها ويُعينها على الوقوف على قدميها، بل على من يدفع لها كرسيها المتحرك دون سواه. ألم نكن حالمين مغفلين بلا حدود؟

فرد صديقي (المدني) الذي لم يُنتخب إن المعركة ما انتهت، ولن تنتهي عند هذا الحد. وراح يشرح لي ما يراه وما يراه معه كثيرون من رفاقه، فقال “إنني مؤمن بأن الحكيميين والصدريين سوف يثبتون على وعودهم، ويخرجون من زنزانة الائتلاف الطائفي، ويلاقون في فضاء الوطن الرحب أشقاءهم الأكراد والعلاويين والنجيفيين والمسيحيين، المتدينين وغير المتدينين، فيتفقون ويتحدون ويُنزلون الوطن عن كرسيه المتحرك، ويطلقونه على طريق العز والكرامة والكفاية، ويفصلون لنا حكومة رشيدة، رئيسُها معقول، لا يلف ولا يدور، لا يزور ولا يلفق، يجمع ولا يفرق، يبني ولا يهدم، يصدق ولا يكذب، يواجه ولا يغدر، يعدل ولا يظلم، لا يتستر على مختلس، ولا يسمح لولد ولا لصهر وابن عم وابن خال بمس المال العام والتعدي على حقوق الناس وكراماتهم”. قلت له، دون تردد، على المشمش يا رفيقي.


كاتب عراقي

9