دولة المشروع الطائفي الإيراني بين جحيم وآخر

نظام الولي الفقيه يعرف أن أي حرب مع الولايات المتحدة سوف تعني انهياره في آخر المطاف. فهذه الحرب لن تأتي إلا بتكاليف باهظة كما أن أحدا لا يعرف كم ستطول.
الأربعاء 2021/05/12
ميدان "الطبخة" الحقيقي ليس في فيينا أصلا

فكرة أن ترفض إيران التفاوض مباشرة مع الولايات المتحدة لبحث سبل العودة إلى الاتفاق النووي، هي نفسها، وبحد ذاتها، تعبير عن غطرسة أشبه بغطرسة الشحاذ الذي يريد منك أن تعطيه مالا، من دون أن يمد يده إليك.

وقبول الولايات المتحدة لهذه الفكرة، هو بدوره تعبير عن كرم تنازلات، ترقى إلى مستوى الاستعداد لتقديم المزيد. وهو ما يبرر الاعتقاد، بأن “الطبخة” أوسع مما نظن، وأن ميدانها الحقيقي ليس في فيينا أصلا.

الولايات المتحدة انسحبت من أفغانستان لتترك البلاد لحركة طالبان. وهي تنسحب من العراق لتترك هذا البلد لميليشيات إيران. وهو ما يمتد بسياقاته إلى سوريا ولبنان واليمن.

تريد الولايات المتحدة أن تترك دول المنطقة لمصيرها، وأن تعالج مشكلاتها بنفسها، وأن يقتصر دورها على تقديم الدعم لمن يطلبه من دون تورط مباشر في أيّ نزاع.

ستظل هناك خطوط حمر، من قبيل نزع أسلحة الدمار الشامل، وحماية أمن إسرائيل ومكافحة الإرهاب. أما كل ما عدا ذلك فإنه مفتوح للنقاش. هذا هو أحد أهم أسباب “الكرم” في النقاش مع إيران.

لا شيء يقلق الولايات المتحدة من هيمنة إيران، طالما أنها، من الناحية الاستراتيجية، لا تشكل تهديدا يتصل بتلك الخطوط الحمر. ولئن كانت الولايات المتحدة “تقلق” على المسلمين الإيغور في الصين، فإنها لا تقلق على المسلمين الذين بلغت جرائم ميليشيات إيران حيالهم أعمال الإبادة الشاملة. هؤلاء ليسوا مهمّين، لأنهم خارج المعادلات الكبرى.

إيران تستطيع أن تحفظ للولايات المتحدة مصالحها. أثبتت قبل ذلك أنها تستطيع تهديد هذه المصالح، وتركت لواشنطن الخيار بين أن تخوض حربا ضدها دفاعا عن تلك المصالح، أو أن ترضى بما تضمنه لها إيران.

نظام الولي الفقيه، وهو يواجه انهيارا اقتصاديا شاملا، يعرف أن أيّ حرب مع الولايات المتحدة سوف تعني انهياره في آخر المطاف. إلا أن هذه الحرب لن تأتي إلا بتكاليف باهظة، كما أن أحدا لا يعرف كم ستطول.

كل الخيارات أمام الولي الفقيه كانت خيارات انتحارية، فآثر الأخذ بالتصعيد، تحت وطأة الشعور أنه ليس لديه ما يخسره. ويبدو أنه في الطريق ليكسب الرهان.

تحاول الولايات المتحدة أن تقنّن رفع العقوبات مع إيران بالتوازي مع الخطوات التي تلائم الاستجابة لتلك الخطوط الحمر. ولكنها تقول لدول المنطقة الأخرى، حلّوا مشاكلكم مع إيران بأنفسكم. سوف نبيعكم السلاح، ولكننا لن نحارب معكم. وإذا كانت إيران تحاربكم بميليشيات، وتهددكم بصواريخ أو طائرات مسيرة، فهذه مشكلتكم أنتم.

دول المنطقة كانت تراهن على أثر العقوبات لعلها تؤدي إلى سقوط نظام الولي الفقيه. الحرب لم تكن خيارا مقبولا من جانبها أيضا.

الآن حان الوقت لتعود إلى قبول واقع مختلف يفرضه انسحاب الولايات المتحدة من معادلة الضغط على إيران.

الإيرانيون انتفضوا لسنوات طوال، ولكن دون جدوى. حتى أن “ربيع طهران” سبق ما صار يعرف بـ”الربيع العربي”، إلا أنه لم يثمر النتيجة المرجوة منه. دفع المنتفضون الثمن كله، وبقي نظام الولي الفقيه صامدا فوق بركة الدماء والآلام والمرارات. يستحق الإيرانيون التعاطف. ولكن هذا هو كل شيء. سوف تذرف الخارجية الأميركية بعض الدموع كلما تطلّب الأمر ذلك. ولكن لا شيء أبعد من هذا.

الآن علينا أن ننتظر عودة المشروع الطائفي الإيراني بأقصى ما يتاح له من زخم. سوف يتزود بالوقود من جديد. ولمن يعرف إيران جيدا، فإنها ستأتي ليس بالشراسة من أقصاها، ولكن بنعومة الملمس من أقصاها. تلك هي الطريقة الأثيرة في إيران.

أنا والكثير غيري، لسنا ممن يستحق أن يُصغى إليه. نحن كُتّاب ولسنا صانعي سياسية أو مصائر. وكل ما نقوله، لا يستحق إلا أن تذروه رياح النسيان.

ولا حاجة لتوجيه اللوم لأيّ أحد. الثقة بالولايات المتحدة لم تكن تستحق قرشا من الأساس. والركون إلى حائطها كمثل الركون إلى حائط مائل، فإذا سقط، فإنه يقع على رأسك.

وليس من المناسب توجيه اللوم للولايات المتحدة. هذه دولة عظمى جديرة بأن ترعى مصالحها كما تشاء. وليس من واجبها أن تحل لنا مشاكلنا.

فإذا كنتَ تظن أن إيران سوف ترضى منك بالقليل، فأنت على خطأ. لا حاجة إلى أن يخدع المرء نفسه، بأنه إذا اختار التراخي والمسالمة مع إيران، فإنها ستكفّ عنه. هذا لن يحصل. إيران دولة مشروع عابر للحدود. لا تنس هذا. وهي ستأتي لتفرض عليك ما كنت تخشاه. وحالما تعود لتشعر بالقوة، فإنها هي التي ستهاجمك. لا تقلق من هذه الناحية. فهذا ما سوف يحصل.

الجحيم الذي يقترحه عليك رفع العقوبات عن إيران ليس إلا الدرك الأول منه. والجحيم درجات.

ولا تظنّن أنك قادر على أن تطرد إيران لا من اليمن ولا من العراق ولا من سوريا ولا من لبنان. هذا لن يحصل. لأن هذه الكيانات (لم تعد دولا) أصبحت جزءا من دولة المشروع. والولايات المتحدة إذ تنسحب من العراق وتقلص وجودها العسكري في المنطقة، فإنها تنسحب لصالح دولة المشروع تلك، بل تنسحب لكي تسمح لها بالمزيد من التمدد. وميليشيات إيران مستعدة لارتكاب أبشع المجازر وأكثرها وحشية إذا ما أصيب المشروع بأيّ ضرر، ولا حتى شعرة منه. والرعاع رعاع في النهاية. أي أنهم يستطيعون فعل أيّ شيء. لا رادع يردعهم ولا قوانين. لك أن تطمئن تماما من هذه الناحية أيضا. وعندما يطلقون عليك النار، فإنهم سوف ينتظرون منك أن تتصل بالولي الفقيه لترجوه كبح جماح غلمانه. فيتكرّم عليك بشيء ما، إذا رضي عنك.

فماذا بقي لديك من الخيارات؟

هناك أولا: الاستسلام. وهذا، بحسب المنطق القائم، هو أسلم الخيارات. حاول أن تضع بعض الشروط والضوابط، فقط من أجل تأخير القدر الموعود. ولكنه عندما يأتي، فعليك قبوله. لأن ميليشيات دولة المشروع ستعود لتحرك الصواريخ والمُسيّرات لتُصبّح عليك وتُمسّيك بتحيّات الولي الفقيه. ولن تعوزها الذرائع ولا التدابير. حتى الكعبة، فإنّ هناك نموذجا احتياطيا لها تمّ نصبه في كربلاء. لا تقلق. كل شيء سيكون تمام.

وهناك ثانيا، أن تقلب الطاولة على الولايات المتحدة لتقول لها جهارا نهارا، وبأعلى صوت، إنكم تريدون إعادة تمويل الإرهاب. وإن اتفاقكم النووي مع إيران هو اتفاق علينا. وإنكم تريدون الانسحاب أمام “أكبر دولة راعية للإرهاب” لكي نقع نحن ضحية لها. التحالف معكم كان مضيعة للوقت. وخسارة صافية للمال.

وهناك من بعد ذلك، الاستعداد لكل وجه من وجوه الحرب. بكل أشكالها.

إبقاء إيران معزولة هو في الواقع خط الدفاع الأول الذي ما أن يتم التخلي عنه، حتى يسقط خط الدفاع الذي يليه.

لقد سأل الخليفة عمر بن الخطاب ربه، أن يقيم جدارا من نار بيننا وبين فارس. هذا الجدار بمعناه العملي، هو مشروع، بكلفة 20 مليار دولار سنويا، من أصل ميزانيات دفاع خليجية تتجاوز 120 مليار دولار سنويا، لبناء جدار صواريخ محلي الصنع، جاهز لكي يطلق مليون صاروخ في ساعة شؤم واحدة، إذا عادت إيران لتختار سياسات العدوان.

دولة المشروع إنما تقترح علينا جحيما، ويجب أن نقترح عليها آخر. هذا أقل الواجب. إنه الدبلوماسية الوحيدة التي تصلح للتعامل مع نظام رعاع كنظام الولي الفقيه. لا يوجد خيار آخر.

9