دولة المواطنة.. فرصة العرب الأخيرة

الثلاثاء 2015/02/10

المواطنية هي الرهان الأجدى، وربما الأخير، للعرب إن أرادوا التخلص من هامشيتهم والدخول في التاريخ الحديث. مبدأ الدين لله والوطن للجميع هو ما يُفترض أن يَشغل الآن بال المفكر والمثقف، ويشغل الإنسان العربي بوجه عام، إذا أردنا أن نقفز قفزة مؤثرة وحقيقية إلى عصرنا. ليس من باب تحييد الدين عن مسائل الحياة بشكل عام، كما قد ينتفض أحد أو يدَّعي، وإنما من باب أن الدين، حين يُسيّس، يتحول إلى مشروع للعنف وسلاح للتصنيف والقتل.

الشواهد على ذلك كثيرة منذ بدأ نشر “فرق الرحلات” التي أسسها حسن البنا عام 1934 بغرض تنفيذ أهداف جماعة الإخوان بالقوة، مرورا بالجماعات التي فرختها هذه الجماعة في البلدان العربية، وجماعات التبليغ، والتكفير والهجرة، والجماعة الإسلامية، والسلفية الجهادية، والقاعدة وتفريعاتها، ثم جماعات التشدد والتحزب الشيعي الموازية، انتهاء بداعش التي تتلذذ بقتل وسبي وحرق الناس، مسلمين وغير مسلمين. إذن فإنه لا توجد جماعة واحدة من جماعات الإسلام السياسي، مع الفروقات في المذاهب والأفكار، أثبتت إمكانية دينية، فضلا عن إمكانية دنيوية، لبناء مقومات الدولة التي تشمل، ضمن ما تشمل، التنمية والأمن والاستقرار الوطني والاجتماعي، بل ما حصل في السابق، وما حدث الآن مع الحريق العربي، هو أن هذه الجماعات تهدم ما تم بناؤه من تنمية شحيحة في عهود الأنظمة الدكتاتورية التي ثارت عليها الشعوب العربية خلال الأربع سنوات الماضية.

وهذا يعني أن تجربتها، المبنيّة على حطام الفكر القومي العربي، فشلت فشلا ذريعا على الصعيد التنموي، وزادت على ما سبقها من تجارب بأنها شرّعت للعنف والتقاتل الطائفي الذي حرم المواطن العربي من اللقمة الكريمة والأمن، فضلا عن قطع الطريق على آماله الباقية بتحقق مستقبل أفضل له ولأولاده.

لا يوجد من يعترض على بقاء الدين مظلة عامة ومرجعا ثقافيا حتميا ومهما لأمة المسلمين. وفي المقابل لا توجد ضرورة، من أي نوع، لتسيير المظاهرات من المساجد أو توظيف الأدلة وتسخيرها من القرآن والسنة على جواز انتخاب أعضاء هذا الحزب الذين سيطبقون الشريعة، وحرمة انتخاب أعضاء الحزب الآخر الذين يسعون في الأرض فسادا وتغريبا. وهذا هو، كدليل قاطع، ما أفشل حكم الإخوان المسلمين لمصر وأسقطهم بعد سنة واحدة من إدارتهم غير الرشيدة للشأن المصري، الداخلي والخارجي.

ركوب الدين سياسيا لم يكن في يوم من الأيام في مصلحة الأوطان والشعوب. والتاريخ، الذي لم نتعلم منه شيئا، يثبت أن الأمم والمجتمعات تستقر وتتقدم إذا عاملت الناس على أساس انتسابهم إلى وطن وليس إلى دين على أساس عقدي ومذهبي، أو إلى عرق أو قبيلة على أساس عنصري. المواطنية، أو الانتساب الوطني، هي التي بمقدورها أن تفرض الحقوق والواجبات على الجميع دون تمييز، وتفرض، في عملية تراتبية، تقدير الموطنين فقط على أساس كفاءاتهم ومشاركتهم في بناء الوطن.

من الجليّ أن ما حدث في الوطن العربي في تاريخه المعاصر، وما أوصلنا إلى هذا الفعل الإرهابي الذي يبعدنا أكثر عن عصرنا، هو معاملة كل إنسان على أساس مذهبي أو عنصري. الأمر الذي فتح أبواب الإلغاءات على مصاريعها بأدلة ونصوص دينية تحملها كل فئة على هواها وأهدافها الخاصة التي تريد فرض مسوّغاتها ونتائجها على الجميع.

أما سبب هذا التمدد المذهبي والعنصري المدمر فهو أن الدول العربية قاطبة لم تشأ أنظمتها السياسية، التي أعقبت عهود الاستعمار، أن تنشئ دولة “المواطنة” التي تقوم على تحقيق مفهوم المجتمع المدني بمعناه الواسع الشامل للدولة والمجتمع. أي ذلك النظام الذي تقوم فيه حركة العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أساس القانون الذي يستبعد كل نقائضه الممثلة في الإفرازات والتراتبيات الدينية والعنصرية.

ولذلك خاض الإنسان العربي كل هذه التجارب المريرة لأنه لم يكن بمفهوم الدولة المطبق عربيا “مواطنا”. بقي الإنسان العربي، في دولته الحديثة كما هو في دولته القديمة، فردا في الرعية الخاضعة لإرادة الحاكم الذي اختار أن يُبقي نفسه ووطنه خارج سياق التاريخ الحديث وخارج دائرة التأثير المحلي والعالمي، لتتحول معظم هذه الدول، كما نرى، إلى دول فاشلة غير قادرة على حماية سكان الشارع المجاور لأسوار الحكومات، فضلا عن عدم قدرتها على تحقيق العدالة والكرامة لما تسميه مواطنين.


كاتب سعودي

8