دولة المواطنة هي السبيل الوحيد لإطفاء حرائق الطائفية

الأوضاع السياسية المتوترة في العالم العربي الإسلامي الموسومة أساسا بصعود كبير للطائفية ومشتقاتها، تقتضي أولا البحث عن جذور الظاهرة في التاريخ العربي الإسلامي، وتفرض ثانيا أن إدراك علاجها يمر حتما بإرساء دولة المواطنة التي تنظم علاقة مع مواطنين لا مع مؤمنين.
الجمعة 2016/04/15
الطائفية تستعيض عن علم الوطن برايات الانتماء المذهبي

كان الصراع السياسي على الحكم، أول وأشدّ وأقدم صراع في الإسلام، وكان السؤال المطروح بقوة في سقيفة بني ساعدة، أيهم يكون أميرا وأيهم يكون وزيرا؟ من رحم ذلك الصراع جاءت الموروثات الناتجة، وهي واسعة، وتواصل إنتاج الخلافات في التقييم، التي أنتجت تعارضا في المفاهيم وصراعات دموية منذ ذلك الحين، ومع مرور الوقت نقله الوارثون بين التطوير والانتكاس ليبتعد كثيرا عن الأصل. وعليه فإن الإسلام ما يدعيه كل فريق بأنه الإسلام الحقيقي وما عداه الكفر، بل هو مجموع ما يدعيه الفرقاء كلهم.

نبوة محمد إسلام، والخلفاء الراشدون إسلام، وهو أيضا سقيفة بنى ساعدة والمهاجرون والأنصار والفتنة الكبرى ومعارك القادسية والجمل وصفين والنهروان وكربلاء والحرة والزاب الأسفل.

الإسلام هو الإيمان بأهل البيت والدولة الأموية والعباسية والرستمية والفاطمية والعثمانية والصفوية ودولة الأشراف في الحجاز، وكل الدول التي تأسست وحكمت باسم الإسلام، وأيضا الفرق والنحل التي خرجت عليها وحاربتها بالفكر أو بالسلاح.

والإسلام، هو أيضا الفقه الذي توارد على كتابته الفقهاء على اختلاف مدارسهم الفكرية ومذاهبهم، والذي تكرست فيه تناقضات المسلمين الناتجة من خلافاتهم السياسية والمعرفية والاجتهادية. هو أيضا الحضارة الإسلامية مترامية الأطراف، وتراثها الذي تحول إلى إرث نقاتل من أجله؛ من كان على حق ومن كان على باطل؟

ولكن عصر الحضارة الإسلامية انتهى في القرن التاسع الهجري، وتوقفت المدنية الإسلامية عن التطور، ودخل العرب في استعصائهم، الذي أفرز صراعات دينية ومذهبية وقبلية مازالت تلازمهم. مرحلة الاستعصاء بدأت بعد الانقلاب المتوكلي، الخليفة العباسي المتوكل بالله، الذي كان سببا رئيسيا في وقف الاجتهاد وإقالة العقل وتحويل المدارس الفكرية والاجتهادية إلى مذاهب منغلقة تقاوم كل نزوع عقلي أو فلسفي وتمّ إيقاف حركة الترجمة تحت شعار محاربة البدعة.

الدولة التي تعاني من أمراض الطائفية بكل أنواعها هي دولة ناقصة، والطائفية تعكس الفشل في بناء الدولة المدنية
حصلت المذابح بين السنة والشيعة، وبين السنة في ما بينهم، والشيعة في ما بينهم أيضا. أُحرقت المساجد وكتب الترجمة وكل الكتب الداعية إلى النزوع العقلي وامتدت المذابح والتصفيات الجسدية إلى خراسان وبلدان ما بعد النهر ومصر والمغرب والأندلس، فكل مذهب يقبّح الآخر ويتهمه بالخروج عن الملة.

وتواصلت المذابح أيام الدولتين العثمانية والصفوية؛ قام الأحناف بالتنكيل بأتباع المذهبين الحنبلي والشافعي في العراق، لإجبارهم على التحول إلى المذهب الحنفي، المذهب الرسمي للدولة العثمانية التركية، كما نكلوا وقتلوا الشيعة. كما حدثت معارك بين الشيعة والعلويين في الأناضول، وفي إيران قام الصفويون لأسباب سياسية بفرض التشيع على الإيرانيين ونكلوا بأتباع المذاهب الأخرى في إيران والعراق وبلدان أخرى. وختم العثمانيون تاريخهم بذبح مليون ونصف مليون أرمني.

هكذا نرى أن الصراع الطائفي ظاهرة قديمة، شهدتها أوروبا أيضا، لكنها تمكنت من مغادرة تلك الحقبة الموصومة بالتأخر والاحتراب والتي حشرتها فيها الكنيسة. وكان الخلاص حين تمكّن الأوروبيون من إعادة دراسة تاريخهم الملتبس وتحريره من تفاسير الكنيسة ومن القداسة، بمناهج حرة تعتمد على ما سماه ابن خلدون طبائع الأشياء أو ما يمكن تسميتها بقوانين التاريخ أو نواميس الكون. وكانت النتيجة الحضارة الغربية الحديثة التي مازالت تواصل تقدمها في كل المجالات.

الصراع الطائفي لدى المسلمين، كما عند المسيحيين، له جذور سياسية واجتماعية وقبلية وعائلية واقتصادية، ولكنه أُعطي منحى دينيا طائفيا لكي يثبت ويستمر ويسهل استغلاله. لكنه تقلص وانحسر في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. أما في الشرق فإنه في صعود متواصل ويستمد وقوده من المخزونات البدائية الكامنة في تكوين مجتمعاتنا، ومن الذين يؤدلجون البسطاء وهم الأغلبية. ويطفو ذلك على السطح في أوقات الانفلات الأمني وغياب القانون.

وللأسف تقف فئات تدّعي أنها متعلمة ومثقفة مع ذلك الاصطفاف الطائفي، بدلا من أن تدرس الأسباب الكامنة لكل مشاكلنا. وقد تفجرت تلك النوازع الرهيبة في البلدان التي انهارت أنظمتها الشمولية وتوقف القانون عن العمل، لتسود نواميس الأديان والمذاهب وثقافة البداوة والغزو.

هكذا تتعالى صيحات الله أكبر مع عمليات القتل والذبح والسحل وأكل الأكباد في عراق أول شريعة وقانون وأول أبجدية مكتوبة، ومصر الحضارة والفن والإبداع، وسوريا مهد أول مدينة في العالم، وفي أماكن عديدة غيرها.

يدّعي البعض أنها ظاهرة وافدة من الخارج، وهو أبعد ما يكون عن الدقة. هناك بالتأكيد من يساعد هذا التوجه الطائفي بالتحريض والدعم والتمويل، ولكن تلك الصناعة عربية إسلامية بامتياز. من يشكك في ذلك يمكنه مطالعة الفتاوى وخطب المساجد وتصريحات السياسيين وعلماء الدين وكتاب الأعمدة وفضائيات عديدة ووسائل التواصل الاجتماعي. كلها تؤجج الخلاف والاحتراب بين المسلمين أنفسهم وبينهم وبين الآخرين.

يتسابق كثيرون من كل الطوائف في تأجيج الاختلافات السياسية وانسداد آفاق التنمية وبؤس التعليم وغياب فكرة المواطنة العابرة للطوائف. لا أحد يستطيع أن يستغل إلا ما هو قابل للاستغلال، أي أن المناخ المولد لظاهرة ما، هو الذي يساعد أكثر من غيره على ظهورها؛ التحريض والمساندة والدعم وحدها لن تكون قادرة على التأثير ما لم تكن الأرضية جاهزة والجوّ مهيّأ.

ما يحدث على امتداد الخارطة العربية، هو انعكاس لتلك الثقافة المنغلقة التي ورثناها والتي تقودنا إلى مسالك الانتحار الجماعي

تلك حقيقة تغيب عنّا، وتؤدّي إلى الخطأ في التشخيص والعلاج. نحن نعاني من مرض قديم قابل للعودة عندما تضعف المناعة ضدّه، فنسارع إلى نحر الذبائح دفعا للأرواح الشريرة التي نحسبها سبب المرض.

ما يحدث على امتداد الخارطة العربية، هو انعكاس لتلك الثقافة المنغلقة التي ورثناها والتي تقودنا إلى مسالك الانتحار الجماعي؛ أوهام وخرافات تسيطر على تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا، تلك هي البيئة الفكرية والمنظومة القيمية والتعليمية التي مازالت تعيد إنتاج الاستبداد والتأخر والوجدان القمعي الذي يريد إقصاء الآخر المختلف.

وسوف تستمر تلك البيئة وذلك السلوك، وسيقتل ويسحل الآلاف، طالما بقيت دوائر الوعي مسجونة في أروقة الخرافة وما تنتجها من شتى أنواع التطرف. ومع استمرار البيئة المخاصمة لكل ما هو عقلاني، سيبقى الحال على ما هو عليه، ويستمر تسجيل الدعاوى في جرائم القتل ضد مجهول رغم معرفة القاتل.

الدولة التي تعاني من أمراض الطائفية بكل أنواعها هي دولة ناقصة، والطائفية بكل أشكالها تعكس الفشل الذريع في بناء الدولة المدنية العصرية التي ترتكز على مفهوم المواطنة والتعددية، والدول التي تراجعت فيها الطائفية هي الدول التي تمكنت من نشر ثقافة وطنية متماسكة، رغم تعدّد الأنماط العرقية والدينية والطائفية والمذهبية فيها.

الوصول إلى المناعة الوطنية ضدّ الطائفية وتفريعاتها القبلية والعرقية، يتطلب تكريس مبدأ المواطنة، وتغليبه على الاعتبارات ذات الصلة بالخصوصيات. لكن تعزيز مبدأ المواطنة لن ينجح بمعزل عن فهم شامل لسمات الدولة العصرية، بما في ذلك مبدأ العدل والمساواة وكرامة الإنسان والمشاركة والتعددية.

13