دولة صغيرة لكنها كبيرة بحاضنتها

الثلاثاء 2016/01/19

لاحظ ميتشل بيلفر مؤلف كتاب “دولة صغيرة في منطقة خطرة”، الذي صدر قبل أشهر، أن إيران لن ترضى بالطريقة التي انكمشت بها في الشرق الأوسط. وبالتأكيد فإن سبب هذا الانكماش هو عاصفة الحزم، التي قطعت ذراعا من أذرع الأخطبوط الإيراني في اليمن، وما تلاها من تشكيل التحالف العربي الإسلامي العسكري، الذي صار عظمة في زردوم المشروع الإيراني.

ورغم أن هذا الكاتب الأجنبي قرر حقيقة نعرفها جميعا، وهي أن حلم التوسع الإيراني أكبر تحد تواجهه البحرين ودول الخليج، إلا أن العالم مازال غافلا أو متغافلا عنها، وأن يصدر الكتاب بالإنكليزية والفرنسية والألمانية فإن أي عذر للغافلين والمتغافلين سيسقط، ولكني أثني على مقترح الحقوقي البحريني نائب رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان عبدالله الدرازي بشأن ترجمة الكتاب إلى العربية، فالكثير من العرب مازالوا من الغافلين والمتغافلين.

يقول بيلفر إن هناك نفاقا دوليا حول البحرين، فسياسات المملكة تتركز على حفظ الكيان الوطني من أجل مواجهة التحديات التي تفرضها إيران، والتي ازدادت درجتها منذ العام 2011، في حين أن أميركا وأوروبا وغيرهما من الذين كانوا يشيدون بالنظام فيها تخلّوا عنها وانضموا إلى صفوف المخرّبين، وادعوا انتهاكات غير موجودة، معتبرا أن تلك الدول كانت تحاول إخفاء أهدافها الحقيقية من الاصطفاف مع قوى العنف طمعا في تقديم أفضل اتفاق جيواستراتيجي بالنسبة إليهم.

وصف بيلفر الدعم الأوروبي الأميركي للجماعات المتطرفة بأنه جبن تجاه إيران، التي عدّها المهندس لحالة العنف التي تشهدها البحرين ومنطقة الخليج منذ عقود.

لا يخلو كتاب بيلفر من استشراف حقيقي للمستقبل حينما يشير إلى وجود ضعف في الطرف الأميركي بسبب الصدامات الناتجة عن سنوات الإرهاب والغزوات الفاشلة، وما تولد لدى الولايات المتحدة من شعور انهزامي، فضلا عن افتراضها أن إيران قوة إقليمية مهيمنة، منبّها إلى أن البحرين ستجد نفسها في مواجهة إشكالية الأمن المزدوجة بصفة مستمرة، نظرا لموقعها وحجم القوة الإيرانية، وإصرار إيران على الهيمنة عليها، ووضعها تحت سلطتها الإدارية بالقضاء على حكم آل خليفة.

وشدد بيلفر على أن الخيار الوحيد أمام البحرين للخروج من المعضلة هو التماسك الوطني، إلى جانب قرارات قيادتها في الحد من الاعتماد على الحلفاء.

بيلفر خرج برؤيته بعد 24 زيارة تردد فيها على هذه الدولة الصغيرة التي وضعها قدرها في منطقة خطرة، وأكرر أن أهميتها تجيء من كونها شهادة أجنبية كبيرة تخاطب العقل الغربي وتبيّن خطر المشروع التوسعي المقيت لولاية الفقيه الإيراني وحجم الإنجازات الديمقراطية في البحرين، بالإضافة إلى سباق هذا البلد مع الزمن لبلوغ أرقى ما يمكن من التقدم والازدهار وتوفير الرخاء لشعبه، وهذه الشهادة تقرر حقيقة مهمّة هي “أن سبب نجاح البحرين يكمن في قيادتها التي استطاعت تحقيق معدلات تقدم كبيرة بفضل كفاءة النظام وقدرته على تحسس آراء الناس، ولكن هذا لا يعني أنه لا يخطئ ولكنه أيضا لديه القدرة على إصلاح الخطأ بمجرد وقوعه، وذلك راجع إلى حساسيته تجاه أي شيء طائفي أو يتعلق بالهوية الدينية، ووضع الشعب في موقع المسؤولية وتحقيق التوازن بين حقوقه وواجباته، والإيمان بالترابط القدري بين الماضي والحاضر والمستقبل”.

يلفت بليفر النظر إلى أن القيادة البحرينية استطاعت أن تنهض بشعبها وتجعل من البحرين ليس موقعا جغرافيا فقط، ولكن فكرة تحض على التسامح بين الشرق والغرب، ممّا يجعل الدولة الصغيرة هي الباقية بحكمة قادتها، وإيران هي التي ستتغير عندما يتغير قادتها.

ما توصل إليه المؤلف من استنتاجات تتطلب منا أن نتعامل معها بجدية وأن تبنى عليها الخطط الدفاعية في الخليج العربي، لكني وجدت أن الكاتب لم يتطرق إلى حقيقة مهمة تتمثل بالحاضنة المجتمعية لهذا البلد الصغير وامتداداته العربية والإسلامية التي تمخض عنها القرار الحاسم بوجه المشروع التوسعي الإيراني الذي يجد أن بوابة المشرق العربي الإسلامي تبدأ من حاضنة الخليج العربي.

كاتب عراقي

9