دولة عبدالله ووزارة محمد

السبت 2014/10/25

خبران ملفتان تداولتهما وسائل الإعلام في الأيام الماضية. الخبر الأول قيام وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف بتقديم التعازي لأسرة معارض سعودي في وفاة والده بعد تأمين طائرة طبية نقلت والد المعارض إلى الرياض. الخبر الثاني هو معاقبة رجل الأمن الذي اعتدى على أحد المشجعين في مباراة الهلال والسد بالسجن والجلد والتسريح من الخدمة.

الخبر الأول جاء امتدادا للصورة الإنسانية الجديدة التي ظهرت- بفضل وسائل التواصل الاجتماعي- عن رجال الأمن السعوديين في موسم الحج. كانت رائعة بالفعل تلك اللقطات المتداولة لرجال الأمن، وهم يؤدون واجبهم الإنساني التطوعي في خدمة ضيوف الرحمن بنفس التفاني الذي يؤدون به واجبهم المهني في حفظ الأمن. هذا الحس الإنساني الذي يتمتع به الوزير-وانعكس على رجاله- يجب تكريسه كثقافة مؤسسية دائمة داخل الوزارة.

الخبر الثاني هو رسالة واضحة من دولة عبدالله بن عبدالعزيز ووزارة محمد بن نايف بأنه لا أحد فوق القانون، وأن كرامة المواطن فوق كل اعتبار. وهذا يعني أن رجل الأمن الذي قام بتصرف فردي محض- أساء به إلى نفسه وإلى دينه ووطنه- بالاعتداء على حاج وزوجته، سيلقى عقوبة رادعة خصوصا وأن جريمته أفدح ولأنه بتصرفه الفردي شوّه جهود زملائه التي تستحق الثناء والتقدير.

جميـل أن تتنـاغم فلسـفـة وزيـر الـداخليـة التي ظهرت للعيان بوضوح مع فلسفة قائد الدولة، فهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي كانت في زمن مضى فوق النقد والمحاسبة، اعتذرت قبل سنوات- في ظلال دولة عبدالله- لمواطن سعودي تقدم بشكوى للديوان الملكي بعد اعتداء بعض أفراد الهيئة عليه. أذكّر بهذه الحادثة لأن البعض ادعى بأن الهيئة اعتذرت في حادثة المقيم البريطاني- التي حصلت مؤخرا- بسبب جنسيته وتدخل سفارته، مع التأكيد على أن ملف الهيئة- وتحديدا اعتداء بعض أفرادها على الحريات العامة والخاصة وانتهاك حقوق الإنسان- ما زال ينتظر فيه الكثير.

إن النقد الذي يطال وزارة الداخلية بين آن وآخر، ليس هدفه إلغاء الوزارة أو الاستهانة بجهودها، إنما الهدف هو تطويرها في تقديم وظيفتها الأساسية “تقديم خدمة الأمن للمواطن” وتحقيق المصالحة التامة بين قيمة “الأمن” وقيمة “حقوق الإنسان”، ويحدونا كبير الأمل بأن هذا سيكتمل قريبا، وربما تكون الخطوة الأولى على هذا الصعيد توطيد العلاقة- تعاونا وتثقيفا- بين الوزارة وبين هيئة حقوق الإنسان (الرسمية) والجمعية الوطنية لحقوق الإنسان (الأهلية).

ولعلها فرصة لنجدد الاقتراح لوزير الداخلية في أن يبادر هو شخصيا بإعادة هيكلة الوزارة عبر تحقيق استقلالية هيئة التحقيق والادعاء العام، وتسليم مهمة الإشراف على السجون إلى وزارة العدل، واقتراح استحداث وزارة جديدة للحكم المحلي تزيح عن كاهل وزارة الداخلية عبء إمارات المناطق، فتتفرغ الوزارة تماما لمهمتها الجليلة، خصوصا وأننا أصبحنا نعيش في منطقة تمزقها الأعاصير من كل حدب وصوب.

ولعلها فرصة لوزير الداخلية في أن يستثمر مركز الحوار الوطني ليفتح حوارا موسعا بين الوزارة وبين مختلف النخب السياسية والحقوقية والاجتماعية والثقافية والإعلامية والصحافية، لمعالجة أي تجاوزات فردية من بعض أفراد أو أجهزة الوزارة، ولطي أي ملف قد يستغله أعداء الوطن لتشويه صورة الوزارة والبلاد، ولمعالجة أي قضية عالقة بين الوزارة وبين المجتمع أو معالجة أي قضية وقع فيها سوء فهم.

في الكتاب الذي ألفته (السجين 32)، روى المستشار محمد سعيد طيب قصة له مع الأمير نايف بن عبدالعزيز (وزير الداخلية الأسبق)، كان الزمن في مطلع عهد الملك خالد -رحمه الله- الذي استهلّه بعفو شامل، لا استثناء فيه، عن كل معتقلي الرأي والناشطين السياسيين- داخل البلاد وخارجها- “من أجل المساهمة في البناء والتنمية”.

قال الأمير نايف لـ(الطيب)- بعد إطلاق سراحه-: “إن أغلى ما في هذا البلد هم شبابها وأبناؤها، فما بالك بالمتعلمين والمثقفين منهم، لو انهدم مبنى نستطيع أن نبني عشرة مبان بدلا عنه، ولو تلفت آلة نستطيع أن نشتري عشر آلات بدلاً منها، لكن أبناءنا وشبابنا لا يعوّضون، آمل أن تعتبر أن الماضي قد انقضى، اعتبره صفحة وطويت، ونحن أبناء اليوم، أرجو ألا تكون في نفسك حسرة أو مرارة. نحن لسنا أنبياء أو ملائكة، ونريد أن نتعامل في النور”، ومن قرأ الكتاب سيكتشف مواقف إيجابية لنايف بن عبدالعزيز -وغيره من بعض رجال الدولة- مع النخب الوطنية هي سابقة لعصرها إذا ما قارناها بسلوك الأنظمة العربية وأجهزتها الأمنية في تلك الحقب. ولعلنا في هذه الظروف، في ظل التحديات المحدقة بالوطن والحرب على الإرهاب، يجب أن نستلهم جميعا -قادة وشعبا- الفلسفة السياسية والإنسانية للملك عبدالله، ومبادرة خالد، وكلمات نايف، ونتمسك بكفاءة ابنه محمد.

وأخيرا، وجب أن نشدّ على أيدي وزير الداخلية نظير جهوده في محاربة الإرهاب التي استعرت وتيرتها بمواجهة أذناب “القاعدة” و”داعش”، ومؤامرات ما يسمى بمحور الممانعة. كما تجب الإشادة بالتطوير الهائل في مجال الخدمات الإلكترونية للوزارة التي انعكست إيجابيا -وبشكل واضح لا لبس فيه- على المواطنين، وأخيرا أتوجه بشكر شخصي إلى وزير الداخلية نظير إطلاق سراح المدون أحمد الشرواني، آملا أن يعتبره ابنا من أبنائه ويوجه سموه الجهات المختصة باستدراك إلحاق (الشرواني) ببرنامج الملك عبدالله للابتعاث خصوصا وأنه قد نال القبول الجامعي قبل توقيفه.

إن واجب الأمانة يلزم أهل الرأي بتوجيه النقد في حال وقوع الخطأ، كما أن واجب الإنصاف يلزمهم برفع الثناء حين يرون الصواب من باب التشجيع وإحقاق الحق، خصوصا مع تلك الشريحة التي تؤدي الواجب بأرواحها ودمائها فداء للوطن، وعلى رأسهم وزير الداخلية الذي نجا- بفضل الله- من محاولات اغتيال غاشمة.


صحافي سعودي

8