دولة مدنية عراقية.. طموح ينهار بسطوة رجال الدين على السياسة

تكمن أزمة النظام السياسي العراقي في اختلاط المجال الديني، بكل ما يحمله ذلك المجال من فردانية وشخصية، مع المجال العام المتسم بالاختلاف السياسي الدائم. هذا الاختلاط دفع بالعراقيين إلى أن يكونوا سجيني خيارين لا ثالث لهما، إما الانتماء للطائفة بمنطق أنها البديل عن الدولة، وإما التخلي عنها لصالح الدولة فيحل التهميش والإقصاء. ولعل التصعيد الذي يقوده مقتدى الصدر مؤخرا ضد حكومة العبادي، يمثل دليلا آخر على تغلغل الإسلام السياسي في العراق وتحكّمه في مشهده السياسي.
الأربعاء 2016/03/30
سيوف المرجعية على رقبة أمن العراق

خروج المئات من العراقيين مؤخرا إلى المجمع الحكومي في المنطقة الخضراء ببغداد إثر دعوة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر أتباعه لفعل ذلك، أمر لا يبشر سوى بتواصل الربط العضوي بين الموقف السياسي تجاه الدولة والخدمات والحكومة والحياة العامة، وبين الموقف الديني الذي يعتبر قناعة ذاتية داخلية لأي فرد.

ولئن كانت شعارات الصدريين في هذه المظاهرات ممثلة في التنديد والاحتجاج على سياسة الحكومة العراقية وتأخر إعلان الإصلاح الحكومي، وتشكيل حكومة تكنوقراط خلفا للحكومة العراقية الحالية، ومعالجة موضوع الفساد الإداري والمالي الذي أرهق ميزانية البلاد وجرها إلى حافة الإفلاس، فإن الأمر لا يخفي التأثر الشديد برجال الدين في المجال السياسي، ولا يخفي أيضا مناورات مقتدى الصدر الباحثة عن موقع سياسي من خلال الشحن عبر الخطاب الديني، باعتباره صادرا عن رجل دين بالأساس.

وذات الأمر ينسحب على مرجعية شيعية أخرى في النجف وهو علي السيستاني. ويعتبر السيستاني من أكثر رجال الدين العراقيين المتأثرين بمقولة العمل في الحقل السياسي خاصة أنه اشتهر بالعديد من الفتاوى الصادرة عنه كرجل دين موجهة لجمهور معني بقضية سياسية عراقية. وقد انطبعت خطاباته في الأشهر الأخيرة بالتصعيد تجاه حكومة العبادي التي اتهمها بالفساد والضعف في علاج القضايا العراقية، الأمر الذي جعل أنصاره يتحركون في ذلك الاتجاه، لكنه خيّر الصمت منذ أسابيع بعد أن قال إن صوته “بحّ” من كثرة الصراخ على الوضع السياسي في البلاد.

طرح إشكالية مشاركة رجال الدين في الشأن العام العراقي لا يرتبط في حقيقته بالأحداث الأخيرة فقط، والمتلخصة في تصعيد مقتدى الصدر لموقفه تجاه حكومة العبادي والقدوم شخصيا إلى المنطقة الخضراء والاعتصام مع مريديه وأنصاره، بل إن المشكل يكمن في عقلية العراقيين بشكل عام الذين لم يستطيعوا تجاوز سطوة الخطاب الديني (الطائفي) الذي يعد المحرك الأول لهم في اهتمامهم أو عدم اهتمامهم بالقضايا السياسية في بلاد أنهكتها الحروب الطائفية الدموية التي تغذيها الصراعات الدينية المتصاعدة منذ الاحتلال الأميركي.

العمل السياسي في العراق ينطبع بحضور قوي للزعامات الدينية التي تسير المشهد وتتحكم في التناقضات

فقد حدث أن تظاهر الآلاف من العراقيين سنة 2013 مطالبين بتغيير الحكومة العراقية آنذاك لنهدها الطائفي تجاه الأقاليم السنية، وإطلاق سراح المعتقلين في السجون والتحقيق في جرائم التصفية الطائفية بحقهم. ثم تطورت الاحتجاجات أكثر لتصبح مطالبة بإصلاح الإدارة ومقاومة الفساد والقضاء على الإرهاب، حتى أن بعض الشعارات كانت ترفع لإسقاط النظام والعملية السياسية التي جاءت بعد الاحتلال برمتها.

وقد انطبعت تلك الفترة بحدة الخطاب الديني لرجال الدين السنة في الشمال، مع ملاحظة غياب نسبي لرجال الدين الشيعة في الجنوب. وكانت محتويات الخطاب سياسية بامتياز، ولكن اللغة التي كانت تمر من خلالها تلك المحتويات كانت لغة دينية إسلامية.

وبالرغم من تنصيص الدستور العراقي الجديد في العديد من فقراته على أن الدولة هي الراعي للمسائل الدينية والتنوع الطائفي والعرقي في العراق، إلا أن العمل السياسي في البلاد ينطبع بحضور قوي للزعامات الدينية التي تسيّر المشهد وتحكم التناقضات السياسية وتدير الصراعات من داخل مراكز مرجعياتها، الأمر الذي يجعل من العمل السياسي العراقي سجين الإيمان الديني قبل كل شيء، ثم الانتماء إلى المربع الطائفي الذي “يحمي” الفرد ويتكلم باسمه في الشأن العام، ويعد ذلك أبرز مظاهر سطوة الإسلام السياسي على الحياة العامة العراقية.

لقد قضى الإسلام السياسي في العراق على كل المحاولات التي ترمي إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة، وجعلت الجماعات الإسلامية حياة المواطن العراقي سجينة الوضع الأمني المتدهور وبالتالي ضرورة التسلح ضمن ميليشيا تعمل على خدمة المرجعية الدينية، كما حولت الميليشيات الطائفية المسلحة كل الجغرافيا العراقية إلى ساحة لصراع القوى الإقليمية المهيمنة والساعية إلى تقسيم “بلاد الرافدين” وتفتيته إلى جزيئات دينية متخلفة، إذ لا تخلو استراتيجية كل من إيران وتركيا من هذا الهدف الجيوسياسي الذي يخدم مصالح هذين البلدين، على حساب أمن العراق وانتمائه العربي.

لقد كشفت الأحداث السياسية في العراق منذ الاحتلال، أن دور رجال الدين يعد الدور الأكثر سلبية بين كل المكونات الاجتماعية والسياسية العراقية. فالأصل في العلماء والمتضلعين في مجال الفقه الإسلامي هو حفظ وحدة المجتمع وحمايتها من أي محاولات للتقسيم وإدخال الفتنة والمس من الأمن العام للمواطنين والدولة، لكن واقع العراق يوحي بعكس ذلك تماما، إذ طالما كان المعطى الديني خزانا روحيا للاندفاع نحو الصراع مع الآخر الطائفي والرغبة في إقصائه، وذلك أساسا من خلال الخطاب الديني المشحون الذي تروج له القيادات الدينية عند تناولها للشأن السياسي. ولعل إصرار الصدر مؤخرا على مواصلة تعبئة أنصاره في الشارع للضغط على العبادي مستعملا سطوته الدينية على أتباعه يعد دليلا بارزا على أن الإسلام السياسي يعدّ المشكل الرئيسي في تسيير شؤون الدولة خلافا لما يعتقده البعض في أن الزعامات الدينية تملك مفاتيح الحل والعقد.

13