دولة وشعب الحزم والعبر

الأحد 2015/05/24

لازال الحوثيون مستمرين في عنادهم الأهوج المطيع لأوامر تصدر من دولة يقدسونها ويؤمنون بها كوجهة مرجعية رغم ارتباطها في تاريخ الإسلام بالكثير من الأحداث التصادمية بدءا بأوائل دعاة العرب المسلمين منذ تمكنهم من إطفاء نار كسرى الذي سبب لهم الأذى، واستمر عداؤها الذي ارتبط حتى بعد الإسلام بفتن عديدة أضمرت الكراهية لغالبية طوائف المسلمين الأخرى رغم اضطرارها في بعض منعرجات التاريخ إلى التحالف مع فئات مارقة منها لضربها وتفتيتها ببعضها من الداخل.

إلى تلك الجغرافيا المرجعية تحج أوامر القرار للحوثيين المنساقين إلى الموت دون اعتراض أو تفكير، وفي ظل تلك الطاعة العمياء للملالي الذين يضمرون الثأر من غدر مخالفيهم من الطوائف الإسلامية الأخرى بأجدادهم كما يتوهّمون، يجسّدون الرعب الحقيقي للإنسان عندما ينهزم أمام إنسانيته، ويتعمدون قلب الحقائق رغم أن قصة أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص ليست بعيدة عن كتب تاريخ المنطقة، ويرمي الجندي الحوثي بنفسه إلى التهلكة غير عابئ بضحاياه من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ وكامل مخلوقات الأرض من غير تفكير في تدميره للبلد وتاريخه الذي ستقرأ فيه الأجيال الحالية واللاحقة قصة ما حاق ويحيق بمجتمع اليمن.

المرجعية القرارية للحوثيين التي تدّعي دائما حماية أتباعها أينما كانوا، تقذف بهم قرابين لأوهام تنتظر تحقيقها ببسط سيطرتها وإرادتها وفرض تعليماتها على الجميع، بدل أن تنقذهم، ناسية أن تاريخ الصدام بينها وبين مكونات هذه المنطقة لم يشهد سوى هزيمتها المريرة في كل مرة.

ويعيد التاريخ نفسه بواقع جديد ومعطيات وأدوات وطرق مختلفة، فالصدام في هذه المرة تفادى الملالي أن يجعلوه مباشرا، ولكنهم اتخذوا من مطيعيهم في المنطقة دروعا للمواجهة، ففي ليبيا واليمن ولبنان والعراق وسوريا تتطابق بصماتهم في رسم وتحريك تلك الدمى. وفي الأنبار وكامل العراق ارتسمت صورة لا تقل بشاعة عن تلك التي رسمها تدمير الحوثيين الذاتي لليمن، فصانع اللعبة الحوثية ومثيلاتها دخل قلب الصراع بمؤازرة مكشوفة لأتباعه الذين يقاتلون بالقرب من جغرافيّته التي شملت سوريا أيضا، وباتفاقيته السرية الواضحة مع صنّاع دمى أكثر مهارة رغم التظاهر بعداوتهم، ساعدهم على إدخال دُماهم في المنطقة لخلق مجموعة أعداء يبرّرون تدخله بمواجهة تحمل في ظاهرها حرب بشعارات ومبررات فضفاضة، وفي باطنها تعمل على إضعاف المنطقة وتحقيق أوهامه، وبلغ الصلف ببعض أتباعه إعلان بغداد عاصمة من عواصمه.

أكبر الدمى التي تم إدخالها بموجب الاتفاق السرّي الواضح مع صانع ومحرّك اللعبة الحوثية وأخواتها في المنطقة لتبرير تدخله الذي يقدم فيه الأتباع قرابينها من خلال مواجهات مرسومه تمكّنه من إدخال ضباط استخباراته ومقاتليه ومختلف الأعتدة التدميرية للمنطقة في لعبة الكرّ والفرّ الظاهرية معها بهدف زيادة رهق المنطقة وتسهيل تفكيكها وتغيير تركيبتها الديمغرافية عبر الاستقطاب والقتل والتهجير والتدمير، وبثّ الكراهية بمشاهد الذّبح والنحر وكافة البشاعات التي تفوق الخيال كمشهد إحراق الطيّار الأردني الكساسبة، الذي أشعل شعوراً تصحيحياً لإعادة المنطقة إلى توازنها الذي بدأ اختلاله بفعل مشابه في تونس.

ذات الفعل البوعزيزي البشع ركبت موجته جماعات الشذوذ الفهمي للدين، وسرقت شعارات الشعوب لتطلق جحيمها العربي الذي قادها إلى كراسي الحكم هنا وهناك، ثم أسقطتها الشعوب ولكن بعد فوات الكثير من الأوان، فقد استغلت تلك الجماعة فترة حكمها رغم قصر أجله في إدخال كامل القنابل الموقوتة التي بدأت تساعد على تفجيرها بمجرد إحساسها بافتضاح أمرها، وبعدما اضطرتها نتائج أفعالها للعودة إلى جحورها التي خرجت منها على بساط سرقة سحر ذلك الربيع الزائف الذي غلّفته بشعارات آمال وتطلعات الشعوب.

حرق الكساسبة فعل ذات السحر في إلهام التحالفات خاصة العربية منها، بكل أسباب قوة الإرادة والحزم والعزم على إعادة المنطقة إلى إطارها الحقيقي الكامن في الاستقرار وبسط سيطرة الأمن والقانون، ونقل صراعات أبناء المنطقة من أصابع تشدّ الزناد، إلى أياد مجتمعة تتسابق في وضع بصمات النهضة والريادة، وإحلال الطمأنينة محل الرّعب الذي تشهده المنطقة الآن من معسكرات نزوح قاسية الحياة، وأصوات دويّ رصاص تصمّ الآذان بلا انقطاع هنا وهناك.

الفرق بين الحريقين أن التونسي أحرق نفسه بينما الشهيد الأردني تم إحراقه، وباختلاف الأفعال جاءت النتائج، فعاصفة الجحيم العربي جاءت لتسرق وتحرق، وعاصفة الحزم قامت لتصحح وتبني.

الشعب الإماراتي ظلّ ظاهرة تاريخية في مناصرة مشاركة دولته في عاصفة الحزم، وحتى المشاركون في العاصفة من طيارين ومن يرتبطون بعمليات المشاركة، نقلت مختلف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي إعجابها بقوّة القناعة والحبّ والفهم العقلاني الذي يؤدّون به مهمتهم، فوحدة دولة الإمارات تجلّت بقوة في مختلف مشاركاتها، خاصة في مشاركتي التحالف ضدّ داعش وعاصفة الحزم، فالمكوّن الشعبي توحّدت إرادته ورغبته بل وحتى إحساسه، وبعفوية تلقائية ذاتية خاض المعركة التي أدرك أنها ليست بالسلاح فحسب، ولكنها معركة حقيقية على مختلف ميادين الإعلام والتواصل الاجتماعي، فتمكن من إيصال رسالته التي برهنت على تجذّر الفكر الاتحادي في مدرسة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، والذي لم يورثها لأبنائه فحسب، ولكنه أورثها لكل تراب وأبناء هذا الوطن الذين ظلّ طوال فترة حياته يناديهم قولاً وفعلاً بكلمتي أبنائي وبناتي.

التجربة الحقيقية التي جسّدتها الإمارات في سنوات قليلة، وما تعيشه الآن من تلاحم بعكس معظم دول المنطقة هو النموذج الذي آن للمنطقة أن تتوقف عنده وتعتبر من دروسه وأقلّ ما فيها نتائج ميزان الرفاهية وترتيبها على رأس قائمة العطاء والعمل الإنساني والخيري لعامين على التوالي.

كاتب إماراتي

5