دولتان بلا غد في سوريا

السبت 2014/07/05

هيأ تنظيم الدولة الإسلامية، بسيطرته على محافظتي نينوى العراقية ودير الزور السورية، للإعلان عن قيام الخلافة ومبايعة البغدادي، الذي يمهد الطريق بدوره لالتهام بقية الفصائل الإسلامية واستتباعها من جبهة النصرة إلى أحرار الشام وصولا إلى جيش الإسلام، ولتؤول كافة الأراضي المحررة في سوريا إليه، وبهذا تصبح سوريا مقسومة ومقصورة على نظام بشار الأسد وداعش، وأول ما يخطر على البال هو السؤال عمّا إذا كان الصدام بين هاتين “الدولتين” سيحصل عندما تلتقي حدودهما وقواتهما أم لا؟

يصعب التكهن بسلوك هاتين القوتين العاتيتين، فأحلام وآمال ومخاوف بشار الأسد، ووعود ومطامح وأوهام الخليفة المجهول، سترسم مساراتهما في المرحلة القادمة، خاصة بعد أن نأى الرئيس الأميركي ببلاده عن الخوض في أزمة الشرق الأوسط، وقرّر أن ينتظر نضج الطبخة على نفط المنطقة ودماء أبنائها، لا بخشب توابيت الجنود الأميركيين.

وربما ظن بشار الأسد وإيران ومن خلفهما روسيا، أن حساسية الإدارة الأميركية للجهاديين، هي خط أحمر سيدفعها إلى دعم النظام السوري، ولم يتخيلوا أن خطوط أوباما الحمراء سائبة بمعنى ما، ومتحركة وسياسية بمعنى آخر، فالخطر الإسلامي لا يتهدّد الولايات المتحدة أكثر مما يتهدّد إيران، موقظة الغول المذهبي، ولا روسيا بمأمن من ذاك الخطر بعد أن تدفق الشيشان وقوقازيون للقتال في الشام والعراق وعيونهم على خاصرة روسيا الجنوبية التي يبشرون بها كأحد الأقاليم التابعة لأمير المؤمنين، بل أن الصين ليست خارج دائرة هذا التهديد، وعليهم جميعا أن يصطفوا وراء القائد الأميركي لو أرادوا مواجهته.

نظام الأسد يعتقد أن الفرصة سانحة ليحصل على الوكالة الدولية لمحاربة الإرهاب، وقد بدأ يتحرّش بمقاتلي الدولة الإسلامية ويقصف مقرات تابعة لهم لطالما عف عن مهاجمتها، لكن التنظيم أحجم عن الرد ولم تشهد أيّ من الجبهات القريبة من النظام تحركات تدل على وجود نيَّة بمهاجمته، ويبدو البغدادي منصرفا للقضاء على أعدائه الحيويين، ليصبح فيما لو قرر المواجهة متفوقا على قوات النظام، خاصة في الشمال والشرق، ولتسقط وحداته المتبقية سقوطا لا يقل إثارة عن سقوط المناطق العراقية.

لكن هل يفعل تنظيم الدولة ذلك؟ وهل يجهل البغدادي ومستشاروه أن الاستيلاء على شمال سوريا، والزحف نحو دمشق والساحل السوري، بما يضمّانه من أقليات، سيمنح الأسد الوكالة الدولية لمحاربة الإرهاب التي طالما حلم بالحصول عليها؟ وعلى الضفة الأخرى، هل يجهل الأسد ومن معه حجم الخسارة البشرية التي ستتكبدها قاعدته الشعبية، فيما لو قرر مواجهة تنظيم الدولة حتى لو مُنح الشرعية والسلاح؟

إن الصدام بين الوحشين المنفلتين في سوريا لا يصبّ في مصلحة أيّ منهما، لكن كليهما من الدهاء بحيث لا يعطيان الانطباع بذلك، وتحرّش كل منهما ببعضهما لا ضير فيه ولا ضرار، فالنظام سيعوم على السطح الدولي قليلا، وتنظيم الدولة سيضمن للخليفة دعاية ممتازة بين رعاياه، مع كل عملية محدودة هنا أو هناك، على أن تساهم أجهزة الإعلام المعادية قبل الصديقة بتضخيمها وجعلها خبرا أوّل في وسائل الإعلام، وفي هذه الأثناء يكسب كلا النظامين مزيد الوقت لتحويل خطوط التماس إلى حدود دائمة، ويصبح بقاؤهما أمرا واقعا.

ربما تجري الأمور في المنطقة على ما يرغب فيه الوحشان اللذان تخيم ظلالهما القاتمة على المنطقة، لكن إلى حين وحسب، فخط تاريخ البشرية عانى مرارا من الانتكاسات، على نحو ما حدث لدى صعود النازية، لكنه لابدّ أن يعود ليواصل سيره إلى الأمام، فالتقدّم هو قدر الإنسان، ولن يستطيع أيّ شخص كان أن يعيده إلى الوراء.

كاتب سوري

9