دول الجوار تعلن رفضها القاطع للتدخل الأجنبي في ليبيا

تشكل الأزمة الليبية صداعا مزمنا لدول الجوار، الأمر الذي يدفع هذه الدول إلى التحرك سريعا لإيجاد توليفة يتم بمقتضاها حل الأزمة سياسيا مع رفض أيّ تدخل أجنبي قد يزيد الوضع سوءا، خاصة وأن تدخل الناتو وتداعياته ما يزال حاضرا وبقوة في الأذهان.
الأحد 2017/01/22
الحل في ليبيا يصنعه جيرانها

القاهرة - بدت دول الجوار الليبي السبع، في اجتماعها العاشر بالقاهرة، وكأنها تسابق الزمن، لتحقيق اختراق في الأزمة الليبية، ووضع حدّ للمأساة التي يعيشها الليبيون، بعد انسداد كل الطرق لتقريب وجهات النظر بين الطرفين اللذين يمثلان العنصر الأبرز في الأزمة الليبية، “عملية الكرامة” في الشرق ويمثلها المشير خليفة حفتر، و”فجر ليبيا” التي تمثلها حكومة طرابلس وميليشيات تنتمي لتيار الإسلام السياسي.

وأكد وزراء دول الجوار، ليبيا ومصر والجزائر وتونس والسودان وتشاد والنيجر، في البيان الختامي السبت، رفضهم القاطع للحل العسكري للأزمة، لما يترتب عليه من تداعيات سلبية على أمن ليبيا واستقرارها، وأن الحوار السياسي الشامل بين الأطراف المختلفة هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة، وشددوا على أنه لا بديل عن اتفاق الصخيرات، الذي كان قد تم توقيعه في السابع عشر من ديسمبر 2015، كإطار وحيد للخروج من الأزمة، ورفض أيّ تدخل أجنبي في الشأن الليبي.

وطالب البيان بضرورة ترسيخ مبدأ التوافق، دون تهميش أو إقصاء، مع الالتزام بالحوار الشامل بين مختلف الأطراف، ونبذ العنف، والحفاظ على مدنية الدولة الليبية، والتداول السلمي للسلطة، كما أكد البيان على دعم المجلس الرئاسي الحكومي، مع الدعوة إلى المسارعة بتشكيل حكومة وطنية تمثل كل الأطراف.

وخيم على أجواء الاجتماع، الموقف المتعثر لحكومة الوفاق الوطني، بقيادة فايز السراج المدعوم دوليا من الأمم المتحدة، بناء على اتفاق الصخيرات، لكن المرفوض من أطراف في العملية السياسية بليبيا.

ومعروف أن السراج انتهت مدته الدستورية، ولم يحصل على اعتراف البرلمان في الشرق، ووصل الأمر إلى انسحاب مجموعة واستيلائهم على المقار الحكومية، وإعلان عودة حكومة “خليفة الغويل”.

وكانت الخارجية المصرية استضافت الاجتماع، برئاسة وزير الخارجية سامح شكري، وبحضور كل من الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، ومبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا مارتن كوبلر، ومبعوث الأمين العام لجامعة الدول العربية الخاص إلى ليبيا السفير صلاح الجمالي، بالإضافة إلى ممثل الاتحاد الأفريقي في ليبيا جاكايا كيكويتي.

وأكدت القاهرة، على لسان وزير خارجيتها، تمسكها بثوابتها حيال الأزمة، والمتمثلة في أن اتفاق الصخيرات سيظل هو الإطار الوحيد والأمثل لحل الأزمة الليبية، وقال شكري “إن هناك مجالًا للتوصل إلى حصر لنقاط الخلاف بين الأطراف حول هذا الاتفاق تحت السقف السياسي له”.

وتحينت القاهرة فرصة انعقاد الاجتماع لتأكيد أمرين، أولهما، أنه لم يعد هناك مجال للخلاف حول حجية الاتفاق السياسي الليبي، كمرجعية وحيدة لأيّ تسوية سياسية، كما لم يعد هناك مبرر لإعادة التفاوض على مكوناته.

والأمر الثاني، أنه لم يعد هناك مجال أيضًا للحديث عن أيّ حل عسكري للأزمة، وأن الشخصيات الليبية التي اجتمعت بالقاهرة مؤخرًا، أكدت على ثوابت محددة، أهمها حرمة الدم الليبي، والالتزام بمدنية الدولة، علاوة على ضرورة التداول السلمي للسلطة، ورفض أيّ تدخل أجنبي.

اجتماع دول الجوار الليبي في القاهرة يمكن وصفه بالجسر الذي حاولت هذه الدول السبع إقامته من أجل العبور إلى توافق بين جميع الأطراف

وكانت قد سبقت اجتماع القاهرة، مجموعة من المؤشرات، التي أظهرت وكأن هناك توافقًا ما، استطاعت دول الجوار الليبي -خصوصا الجزائر وتونس ومصر- التوصل إليه، من خلال مجموعة من اللقاءات، بهدف تقريب وجهات النظر، والبناء على نقاط الاتفاق بين الأطراف الليبية.

ومن بين هذه المؤشرات، زيارة المشير خليفة حفتر، القائد العام للقوات المسلحة الليبية إلى القاهرة، وهو اللقاء الذي علمت “العرب”، أنه بحث إمكانية عقد اجتماع بين رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج والمشير حفتر، لوضع نهاية للخلاف بينهما حول وضع القوات المسلحة، وأن حفتر وافق على وضع نفسه في العملية السياسية، وفقا لاتفاق الصخيرات، الذي يصر الطرفان

على أن يكون المرجع الوحيد للعملية السياسية.

وقالت مصادر ليبية في القاهرة لـ”العرب” إنه وبالنسبة إلى دولتي تشاد والنيجر، أصبحتا منزعجتين من مسألة الهجرة غير الشرعية عبر حدودهما، حيث تمثل عبئا لا يستهان به على الأمن القومي لهما، وهو ما فرض عليهما ضرورة الدخول في الملف الليبي والوصول إلى حلّ يرضي جميع الأطراف.

وأشارت المصادر، إلى أن اجتماع دول الجوار في القاهرة، يمكن وصفه بالجسر الذي حاولت هذه الدول السبع إقامته من أجل العبور إلى توافق بين الأطراف، وأنه شهد طرح كل ما تمّ التوصل إليه في اجتماعات الجزائر وتونس ومصر، لا سيما وأنه يمكن اعتبار الجزائر مسؤولة عن تبني وجهة نظر طرف طرابلس، بينما القاهرة مسؤولة عن طرح وجهة نظر الشرق الليبي، كما تم التطرق إلى المبادرة التونسية، التي اقترحت اجتماعا ثلاثيا بين رؤساء مصر وتونس والجزائر، لبحث الملف.

عبدالحفيظ غوقة، مستشار رئيس مجلس النواب الليبي، أكد لـ”العرب”، أن اجتماع القاهرة تكمن أهميته في مناقشته مسألة “تعديل اتفاق الصخيرات”، الذي انتهت مدته القانونية الشهر الماضي، وأن هناك توافقا بين جميع الأطراف على هذه المسألة.

وأشار إلى أن أطرافًا من مجلس الدولة الليبي، الذي يعتبر بديلا للمؤتمر الوطني في الغرب، حضروا اجتماعًا في القاهرة الشهر الماضي، وأبدوا تفهّما لمطالب الشرق الليبي بضرورة تعديل الاتفاق، كما أن صيغة المجلس الرئاسي بصورته الحالية أصبحت غير مجدية، لذلك تم الاتفاق على تعديلها، بحيث يصبح هناك نائبان مع الرئيس بدلا من تسعة أعضاء، بالإضافة إلى مسألة خضوع القوات المسلحة للبرلمان وليس للمجلس الرئاسي، الذي يتهمه البعض بأنه أصبح تحت سيطرة تيارات الإسلام السياسي.

وشكك البعض في قدرة دول الجوار على وضع حلول حقيقية للأزمة الليبية، بسبب اختلافها حول مجموعة من النقاط التي تشكل حجر عثرة أمام ذلك التفاهم المنشود، لافتين إلى أن الجزائر، تتبنى وجهة نظر مجموعة طرابلس المسماة بـ”فجر ليبيا”، بينما تتبنى مصر مجموعة الشرق الليبي والبرلمان، والفريقان لا يمكنهما التلاقي على أجندة واحدة، ومن ثم يبقى الأمر على ما هو عليه، بين الشد والجذب، وحذروا من خطورة بلوغ الأمر حد “التقسيم”.

وذكر متابعون، أن ما يجري الآن في الولايات المتحدة، ترك أثره على اجتماع القاهرة، حيث كان الرئيس الجديد، دونالد ترامب، أعطى إشارات بأن واشنطن ستكون مشغولة أكثر بأوضاعها الداخلية على حساب الملفات الخارجية، بما ترك انطباعا بأن روسيا سيكون لها الدور الأكبر في الملف الليبي خلال الفترة القادمة.

وأوضحوا أن الحديث في الأوساط الليبية، يدور هذه الأيام حول مسألة التدخل الروسي، ليلعب دورًا في قضية التسليح ورفع الحظر عن توريد السلاح، وقد دعّم من ذلك التوجه الزيارة التي قام بها المشير خليفة حفتر إلى موسكو مؤخرًا، والعلاقة القوية بين القاهرة وموسكو، التي جعلت البعض من المراقبين يتكهن بأن مصر قد تكون جسرا لموسكو إلى ليبيا.

وزير الإعلام السابق في حكومة الشرق الليبي، عمر القويري، أشار إلى أن هناك تفاهما روسيا-أميركيا بشأن الملف الليبي، لافتًا إلى أن واشنطن غير متمسكة بفايز السراج كرئيس لحكومة الوفاق.

وقال القويري لـ”العرب” إن “اجتماع دول الجوار في مصر، عكس تفاهما بين الأطراف المعنية حول مجموعة من الخطوط العريضة، منها تجنيب المؤسسة العسكرية أيّ خلاف سياسي، والتسليم بوجود المشير خليفة حفتر بعد الانتصارات التي حققها في منطقة الهلال النفطي”.

2