دول الخليج أمام احتمالين: الاتحاد أو الاضمحلال

الثلاثاء 2014/11/25

لم تعد مسألة (خليجنا واحد) بالنسبة للخليجيين مجرد شعارات أو أغان يرددونها في المناسبات ثم تتبخر في اليوم الأخير للمناسبة، ليعودوا مرة أخرى إلى الخلافات والتنابزات التي تهدد لحمتهم. هذه المرة، وبعد اجتماع الرياض الأخير، يفهم الخليجيون، حتى عمان الغائبة عن هذا الاجتماع، أن (المسبحة) الخليجية متى انفرطت تساقطت حباتها في أحضان غريبة عنهم، لا تريد بهم خيرا في المستقبل، كما لم ترد بهم أبدا خيرا في الماضي.

والسياسة، على كل حال، ليست وظيفتها السعي إلى الخير، وإنما السعي إلى تحقيق مصالح الدول ونفوذها في محيطها. وبما أن منطقة الخليج العربي هي إلى الآن خزان كبير لطاقة العالم، بالإضافة إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي، فمن الطبيعي أن تكون هدفا كبيرا ومباشرا للطامعين في السيطرة على مقدراتها والتحكم في ثرواتها، وتشكيل مواقفها السياسية تجاه مختلف القضايا القديمة والجديدة. وإذا أضفنا إلى ذلك ما استجدَّ على المنطقة، منذ الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، من صراع طائفي بين مكونات شعوب دول المنطقة السنية والشيعية، وتغذية هذا الصراع من أطراف متعددة، فإننا نكون إزاء حالة خليجية حرجة وغير مسبوقة في تاريخ دول المنطقة الحديث.

أجلت نتيجة حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران، الطمع الإيراني في المنطقة ولم تلغه. واختار الإيرانيون، تبعا لخسائر هذه الحرب، أن يتجنبوا حروب الجبهات ويستبدلوها بغزوات طويلة النفس في عمق المجتمعات الخليجية والعربية التي عانى المكون الشعبي الشيعي فيها من التهميش، أحيانا على أساس الأغلبية والأقلية، وأحيانا على أساس الاستقواء ممن بيده سلطة القرار والقمع. وما من شك أن المواطن الشيعي العربي، المتعاطف مذهبيا مع إيران، وجد في حضورها ما يمنحه قيمة ويعلي من أسهمه بين أطياف مجتمعه الأخرى.

وهذا سهل على الإيرانيين تنفيذ غزواتهم في البلدان العربية واستطاعوا، لما يقرب من ثلاثة عقود، أن يخترقوا الصف الوطني لكل دولة عربية من اليمن إلى السودان، بينما لم تكن دول الخليج ولا الدول العربية الأخرى، الكبرى منها بالذات، على مستوى مواجهة هذا الحضور الإيراني الذي تجاوز خطوط التنسيق المفتوحة فكريا وسياسيا وتجاوز الدعم المالي إلى دعم عسكري واضح، كما هي الحال مع حزب الله في لبنان وسوريا مؤخرا، وكما هي الحال، في السنوات الثلاث الأخيرة، مع الحوثيين في اليمن.

تركيا أردوغان، وهي منافس إقليمي رئيسي آخر، لم تكن، أيضا، بعيدة عن مطامع النفوذ في المنطقة العربية، لكنها اختارت أن تلعب على مستوى أكبر مستغلة ما يسمى ثورات الربيع العربي لتضع يدها العثمانية، من جديد، على مقدرات دول عربية كبرى مثل مصر وسوريا. وراهن الأتراك على أن الإخوان المسلمين، وكلاؤهم الأبرز في مصر والمنطقة ككل، سيفرضون سيطرتهم على كل الدول العربية، بما فيها الدول الخليجية الثرية والمستقرة، بعد أن يعبروا مرحلة (التمكين) والتغلغل في مفاصل الدولة المصرية وأهمها مؤسسة الجيش، المؤسسة العسكرية العربية الوحيدة، الباقية والقادرة، بقدر ما، على إحداث توازن على مستوى المواجهة العسكرية إن حدثت.

وكلا الأجندتين الإيرانية والتركية، لا يمكن أن تلعب بالأوراق العربية أو الإقليمية منفردة. وقد أثبتت الأيام أن هناك تنسيقا بين هاتين الأجندتين والأجندة الأميركية والأوروبية في المنطقة. وتجلى هذا التنسيق من جهة في التقارب الأميركي الإيراني ودفء علاقاتهما الأخير الذي فاجأ الخليجيين قبل غيرهم، وتجلى من جهة ثانية في الموقف الأميركي المتضامن مع الموقف التركي الرافض لسقوط حكم الإخوان في مصر، الذي تم بدعم كامل من بعض دول الخليج.

أمام هذه الحقائق والمتغيرات الواضحة التي تحيط بدول الخليج لم يكن متوقعا بالمرة أن تصل خلافاتها إلى حد سحب سفراء السعودية والإمارات والبحرين من قطر، فضلا عن بقاء هؤلاء السفراء لمدة طويلة في بلدانهم قبل أن تتقرر عودتهم في اجتماع قادة دول مجلس التعاون الأخير في الرياض، مما يعني، رغم هذه العودة السعيدة، أن الشرخ الخليجي اتسع في السنوات الماضية بدلا من أن يضيق ويلتئم لمواجهة المتغيرات والمهددات التي تحيط بها من كل جانب.

عدا خلافاتها السياسية لم تبن دول الخليج مجتمعة قوة اقتصادية وعسكرية معتبرة وقادرة على الصمود والمواجهة المتكافئة في أوقات الأزمات، مع أنه كان بإمكانها بناء هذه القوة لو تحققت لها الإرادة السياسية التي تقوم على الإيمان بوجودها ومصيرها المشترك، خاصة وأن شعوبها تتمنى تحقق هذه الإرادة التي تنقلها من حالة المراوحة في نوايا الاتحاد في ما بينها، إلى حالة اليقين بأن هذا الاتحاد سيتحقق ليعود بالنفع الاقتصادي والأمني على الجميع.

ولذلك لا يبدو أن المواطن الخليجي، مطمئنا إلى المستقبل، بل هو في الحقيقة يعيش حالة قلق من الغد ومن نذر التهديدات التي تقع مباشرة على حدود كل دولة من دول مجلس التعاون. والمراقب لا يعوزه اكتشاف هذا القلق لدى شعوب دول المنطقة التي تفهم الآن أكثر من أي وقت أن مستقبلها غامض ومهدد، سواء من تربصات خصومها، أو من جماعات الإسلام السياسي التي تتوعدها.

وهذا يحمّل قادة دول المجلس، في قمتهم القادمة في الدوحة، مسؤولية عظيمة بأن يوجهوا البوصلة الخليجية بشكل حاسم إلى تحقيق مصلحة شعوبهم ومصيرهم المشترك، انطلاقا من أن اتحادهم ضرورة وليس اختيارا. وإذا كان هناك وقت طويل ضاع على تحقيق اتحاد دول المجلس، الذي تؤيده رغبة شعبية كبيرة، فإن الوقت لا يزال في صالحنا بشرط أن نحسن استغلاله قبل فوات الأوان، وقبل أن نقع في مغبة الندم على الفرص الضائعة لخلق حالة خليجية مستقرة ومحصنة.


كاتب سعودي

9