دول الخليج العربي تعلق خلافاتها لمواجهة التحديات الإقليمية

الأربعاء 2014/12/10
ملف الحرب على الإرهاب احتل موقع الصدارة في مناقشات القادة الخليجيين

الدوحة- التأم، أمس، في العاصمة القطرية الدوحة، شمل مجلس التعاون الخليجي في قمته السنوية الـ35، بعد توصل أعضائه إلى اتفاق مصالحة. فقمة الدوحة تأتي في إطار تهدئة تدريجية للتوتر داخل البيت الخليجي، وفي ظل ضغط الأوضاع الإقليمية وتداعيات أزمة أسعار النفط على اقتصاديات دول المجموعة.

فرضت المتغيرات الإقليمية والدولية على دول مجلس التعاون الخليجي مراجعة سياستها وتصحيح مسار من حاد عنها، وإعادة توجيه الخطط الدفاعية والأمنية باعتبار أن الروابط العريقة بين دول المجلس الست هي مصدر متين للدعم، وهي من أهم الأسباب التي ساعدت المجلس، منذ نشأته سنة 1981، على أن يكون كيانا سياسيا واقتصاديا قويا يؤثّر في القضايا الإقليمية والدولية ويتأثّر بها.

ويعتبر تضارب المصالح بين الأعضاء من أبرز عراقيل التكامل، حيث تشهد الأولويات السياسية والأمنية لدول مجلس التعاون الخليجي تغيرات في خضم المناخ الإقليمي المتقلب، مما يتسبب في خلافات بينها في بعض الأحيان، على غرار أزمة السفراء التي استجدّت في شهر مارس الماضي حين سحبت كل من البحرين والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة سفراءها من الدوحة.

وقد كانت سياسة قطر، التي وصفت بـ”الابن المشاغب” في الخليج، السبب الرئيسي في اندلاع هذه الأزمة، التي وصفت بأنها الأشد في تاريخ مجلس التعاون الخليجي، وقد انتهت بعد تسعة أشهر حين توصلت دول الخليج إلى اتفاق مصالحة وتقرر إعادة السفراء إلى الدوحة في 16 نوفمبر الماضي.

ملف النفط يتصدر اهتمامات قادة الخليج
الدوحة- احتل ملف النفط الذي يعتمد عليه اقتصاد الخليج، أولوية في القمة الخليجية الـ35؛ حيث يخوض التكتل الخليجي حربا شرسة للحفاظ على حصته من سوق النفط، وهي الحصة التي تعطي دول المجلس الأربع الأعضاء في أوبك بزعامة السعودية تأثيرا عالميا.

ودفعت السعودية والإمارات والكويت وقطر باتجاه إبقاء مستويات الإنتاج على حالها في أوبك بالرغم من تراجع الأسعار للضغط على منتجي النفط الصخري وإخراهم من المعادلة، خصوصا في الولايات المتحدة، والحفاظ على حصتها ونفوذها في سوق الطاقة العالمية. في هذا الملف، قال الخبير النفطي الكويتي كامل الحرمي إن “المحافظة على حصص السوق أصبحت أهم من المحافظة على السعر على الأقل في المرحلة القريبة”.

وتنتج الدول الأربع 16,2 مليون برميل يوميا، ما يمثل 52 ٪ من إنتاج أوبك التي تضم 12 عضوا، إلا أنها تمثل ثلثي صادرات المجموعة بحسب أرقام من أوبك ومن وكالات أخرى. وتصدر السعودية ثلثي إنتاجها إلى آسيا، وأقل من 20 ٪ إلى الولايات المتحدة و10 ٪ فقط إلى أوروبا، بحسب الإدارة الأميركية لمعلومات الطاقة.

أما الكويت فتذهب غالبية صادراتها إلى آسيا فيما تذهب الصادرات الإماراتية بمجملها إلى هذه القارة. إلا أن دول الخليج تبدو قادرة على تحمل تداعيات تراجع الأسعار بسبب التحوطات المالية الضخمة التي جمعتها.

وقال الخبير الاقتصادي السعودي عبدالوهاب أبوداهش إن “الدول الخليجية لديها القدرة المالية للصمود سنتين إلى ثلاث سنوات”.

وجمعت هذه الدول احتياطات مالية تقدر ب2450 مليار دولار راكمتها خلال السنوات الأخيرة بفضل ارتفاع أسعار الخام، بحسب معهد المالية الدولية. لكن تراجع الأسعار قد يؤثر على الميزانيات الضخمة التي تعتمدها هذه الدول لمتابعة برامج التنمية والدعم السخية التي عززتها بعد انطلاق الربيع العربي.

واتهمت الرياض وأبوظبي والمنامة الدوحة بانتهاج سياسة تتدخل في شؤونها الداخلية وتؤثر على الاستقرار في المنطقة، لاسيما من خلال دعم الإخوان المسلمين خصوصا في مصر، كما دفع طموح الدوحة الجامح إلى محاولة الخروج عن ميثاق دول مجلس التعاون، وذلك بإيوائها لمعارضين خليجيين وبتجنيس مواطنين بحرينيين وأيضا سعوديين وإماراتيين.

وحاولت السعودية والإمارات خلال أشهر الحصول على تنازلات من قطر، “الابن المشاغب” في الخليج، لاسيما الكف عن دعم الإخوان المسلمين الذين تعتبرهم الدولتان منظمة إرهابية. وأكد المحللون أن الدوحة قدمت من دون شك بوادر من أجل “الوحدة”، إلا أنها لم تقلب توجهاتها رأسا على عقب، وبالتالي، فإن قمة الدوحة تأتي في إطار تهدئة تدريجية للتوتر داخل البيت الخليجي.

ورغم أن بعض المحللين يشكّكون في جدّية الالتزام القطري ونوايا الدوحة، تجاه تنفيذ بنود الاتفاق والعودة مجددا إلى الصف الخليجي، إلا أن التهديدات الإقليمية الأمنية، والتحديات الكبرى التي تواجهها خصوصا بسبب النزاعات في العراق وسوريا واليمن والخطر الناتج عن المجموعات المتطرفة على أمنها الداخلي، فضلا عن الاستفزاز الإيراني، تفرض على المجموعة الخليجية تجاوز الخلافات ومزيدا من التضامن بين دول المجلس.


ماذا تعني قمة الدوحة؟


في خضم وضع معقّد وظروف في غاية الحساسية، انعقدت، أمس، القمة الـ35 لدول مجلس تعاون الخليج العربي، في العاصمة القطرية، الدوحة. وأكّد مراقبون على أن مجرّد انعقاد هذه القمة، التي كادت ألا تعقد في الدوحة، وجلوس القادة الخليجيين على طاولة واحدة هو “نجاح” يعكس مدى أهمية وخطورة المواضيع التي تمّت مناقشتها.

وتصدرت الملفات السياسية والاقتصادية والعسكرية أجندة الاجتماع، حيث احتل ملف الحرب على الإرهاب موقع الصدارة في مناقشات القادة، في ظل مشاركة 4 من دول الخليج في تحالف تقوده الولايات المتحدة ويوجه ضربات جوية ضد تنظيم “داعش”.

وأجمع عدد من قادة ورؤساء وفود دول الخليج المشاركين بالقمة الخليجية في الدوحة على أن التحديات التي وصفوها بأنها “بالغة الخطورة” والمتغيرات التي تشهدها المنطقة، تجعل دولهم أكثر إصرارا على تعزيز التكامل والتعاون.

وقد ناقش قادة الخليج في قمتهم السنوية سبل تعزيز التنسيق والتعاون في مجال القيادة العسكرية لاسيما إطلاق القيادة العسكرية المشتركة لجيوشهم، فضلا عن مشروع إنشاء قوة بحرية مشتركة وجهاز شرطة مشترك يكون بمثابة انتربول خليجي.

وكانت دول الخليج، وافقت على عدد من القرارات ذات الطابع العسكري خلال العامين الماضيين، إذ قررت إنشاء قيادة عسكرية مشتركة وشرطة خليجية وتأسيس الأكاديمية الاستراتيجية والأمنية لدول مجلس التعاون.

وبحسب الأمانة العامة للمجلس، فإن القادة بحثوا أيضا التقدم المحرز في مجال تطبيق عدة اتفاقيات أبرمتها دول في المجلس مع الولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب. وناقشوا مشروع الوحدة الجمركية التي يفترض أن تدخل حيز التطبيق من حيث المبدأ خلال أشهر، إلا أنه من المرجح أن يتم تأخيرها.

تحصين الجبهة الخليجية يحتاج إلى استراتيجية مشتركة

وعلى صعيد الملفات الإقليمية أكّد البيان الختامي للقمة على دعم دول الخليج لاستقرار مصر ودعوة اليمنيين للحوار والالتزام بتطبيق اتفاق السلم والشراكة واستكمال تنفيذ المبادرة الخليجية.

ومن الموضوعات الجديدة القديمة، التي تضمنها البيان الختامي، تأكيد دول الخليج على تضامنهم مع دولة الإمارات في قضية جزرها المحتلة من إيران، ودعوة الأخيرة لحل القضية عبر التحكيم الدولي، وإدانة تدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول الخليجية، وكذلك دعوة طهران للتعاون مع المجتمع الدولي للتأكد من سلمية برنامجها النووي والتعبير عن قلقهم من مخاطر تلك المشاريع النووية.

كما تضمن البيان، التأكيد على دعم القضية الفلسطينية، وإدانة لاستمرار الاستيطان الإسرائيلي و”الانتهاكات” المستمرة ولاسيما في القدس الشرقية، وإدانة لاستمرار الحصار المفروض على قطاع غزة. وفيما يتعلق بالاتحاد الخليجي الذي سبق أن دعا إليه العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز عام 2011، وتعارضه سلطنة عمان، صدرت دعوة لاستكمال دراسة متطلبات إنشاء هذا الاتحاد.


تعاون أم اتحاد؟


المؤثّرات الداخلية والخارجية دفعت قادة دول مجلس التعاون إلى التفكير ماليا في واقع منظّمة مجلس التعاون الخليجي وإمكانيات تحوّله إلى اتحاد قويّ، ووقع هذا التكامل الخليجي على سياسات المجموعة التي أصبحت مركز النفوذ الاقتصادي والسياسي الأبرز في العالم العربي بعد ضمور القوى التقليدية، وتحاول أن تحافظ على دور سياسي منسق بالحد الأدنى في المنطقة، وأن تحمي نفسها وأمنها في ذات الوقت.

ودفعت التحوّلات الجيوسياسية في السنوات الأخيرة، مجلس التعاون الخليجي إلى البحث عن خطوات تعاونية راسخة أكثر. وعندما تفاقمت الاضطرابات في المنطقة قرّرت دول المجلس توقيع الاتفاقية الأمنية لدول مجلس التعاون الخليجي التي تمانعت عن اعتمادها لعقود.

وكان العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز أطلق دعوة إلى انتقال دول “مجلس التعاون الخليجي” الست (السعودية – قطر – البحرين – الإمارات – الكويت – سلطنة عمان) “من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد”. ويرجع عدم تحقق ذلك وفق عمر العبيدلي، الباحث بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة “دراسات”، إلى كون مجلس التعاون الخليجي يغلب عليه صفة “التنسيق” أكثر من “التعاون”، فعندما يجري طرح وإقرار اتفاقية يعتمد تفعيلها على تنازل الدول الأعضاء عن مصلحتهم الخاصة لغرض تحقيق مصلحة جماعية، وهو ما قد يعرقل تفعيل الاتفاقية.

دول الخليج بحثت في قمة ما بعد المصالحة تهديدات الوضع في العراق وسوريا وتعاظم العنف في اليمن وانهيار أسعار النفط

في هذا السياق أكد عاهل البحرين، الملك حمد بن عيسى آل خليفة، على “أهمية أن يسمو التعاون الخليجي إلى التكامل والاتحاد، وذلك مواكبة للتطورات المتسارعة في العالم”. وأضاف: “إننا اليوم أمام متغيرات جديدة وتحديات كبيرة وعلاقات متشابكة في العالم، كانت لها آثار مباشرة على دولنا ومواطنينا”.

وأضاف أن هذه المتغيرات والتحديات “تجعلنا أكثر إصرارا على المضي قدما في تعزيز مسيرتنا الخليجية، وأن نبحث جادين وبعمق في تطوير أساليب التعاون والعمل الخليجي المشترك، بما يعزز المواطنة الخليجية وتفعيل دور مجلس التعاون على نحو يستشعره المواطن الخليجي خلال حياته اليومية، وتحقيق آماله وتطلعاته في التقارب والتلاحم والتعاون، ويسمو به إلى التكامل والاتحاد وذلك مواكبة للتطورات المتسارعة في العالم”.

بدوره أعرب الأمير سلمان بن عبدالعزيز، ولي عهد السعودية، الذي يرأس وفد بلاده، عن أمله أن “تكلل أعمال القمة بنجاح يتناسب مع دقة المرحلة الراهنة في تاريخ مجلسنا وما يحيط بدولنا من ظروف وتحديات بالغة الخطورة، بما يكفل تضامن وتكاتف دول المجلس لتقوم بواجبها لحماية مكتسبات شعوب دول الخليج وحماية أوطاننا ومصالح شعوبنا”.

في ذات السياق، قال فهد بن محمود آل سعيد، نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء بسلطنة عمان: “لقد شهدت المرحلة الراهنة العديد من المتغيرات التي ألقت بظلالها على المنطقة، إلا أنه وبفضل حكمة القيادات في دول المجلس تم تجاوز الكثير منها”. وبين أن “تسارع الأحداث الماثلة حاليا على الساحة الإقليمية والدولية تتطلب منا مواصلة السعي للحد من تأثيراتها على المنجزات التي تحققت خلال العقود الماضية وعلى السلام والاستقرار في المنطقة”.
قمة الدوحة تأتي في إطار تهدئة للتوتر داخل البيت الخليجي

وحول الموقف من صيغة الاتحاد الخليجي، قال عبداللطيف الزياني الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي إن “دول المجلس ماضية نحو الاتحاد الخليجي، وإن المشاورات مازالت قائمة بين دول المجلس حول الاتحاد الخليجي وهي تحظى بترحيب القادة. وبلا مبالغة، لا يوجد تنظيم إقليمي تجمعه عوامل وتحديات مشتركة مثل تلك التي تجمع دول مجلس التعاون، لذا فدول المجلس ومنذ توافقها على إنشاء المجلس لم تثبت فقط تمسكها بالمجلس، بل وبتطويره بكافة الطرق التي تسهم في استقرار المنطقة وأمنها وفي رخاء شعوب دول المجلس”.


ماهي شروط الاتحاد؟


ترى وفاء السيّد، الباحثة في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية–الشرق الأوسط، أن البحث عن ترتيبات دفاعية أكثر تعاونية في مجلس التعاون سيعود على المنطقة بمنفعة كبيرة، وذلك من شأنه أن يحسّن التوافق التشغيلي والقيادة والسيطرة المشتركة ويسهم في ترسيخ أمن المنطقة واستقرارها.

وهذا ما أكّد عليه محللون وخبراء، مشيرين إلى أن الاتحاد الخليجي أو التعاون الخليجي المتكامل يتطلّب وجود مؤسسة مركزية خليجية تمثل المصلحة المشتركة وتتميز بصلاحيات ملموسة لفرض قرارات تنفيذية على الدول الأعضاء ومحاسبة من يخالفها. وأيضا تفعيل مشروع الاتحاد الخليجي يعتمد على رسم آليات متقدمة ومعقدة لمعالجة تضارب المصالح بين الدول الأعضاء، إذ يأتي الاتحاد كحلقة في نهاية سلسلة طويلة من خطوات تكاملية ومعروف أن قيام أي اتحاد، مهما كان نوعه وأعضاؤه، يتطلّب مراجعة الأعضاء لمصلحتهم الخاصة والتنازل عنها إذا تطلّب الأمر، خاصة عندما تشكّل هذه المصلحة خطرا على باقي الأعضاء.

في ذات السياق، يؤكّد الباحث عبدالعزيز بن عثمان بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، أن الهدف من تجاوز مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد الخليجي العربي هو إيجاد حالة من التوازن الإقليمي، وتحقيق نهضة اقتصادية تعتمد على الاقتصاد القوي، مع توفير الاستقرار الأمني والتوازن الدفاعي والعسكري بما يحقق سيادة دول الخليج ويضمن أمنها في إطار سياسة الاحترام المتبادل مع دول الجوار وبقية دول العالم.

7